رمضان بنكهة اسرائيلية وشراب بنكهة دم القدس … نتنياهو يشارك افطار كل عائلة خليجية – بقلم: نارام سرجون

أثبتت التجربة ان الجهل يحول البشر الى قطيع .. فالجهل بالشيء يجعل الفرق بين الحيوان والانسان ضئيلا لأن الغريزة والحدس هما اللذان يبقيان لتحذيره وتنبيهه من الخطر المحدق والأماكن التي تكمن فيها الضواري لانتظار فرائسها .. وقد نستغرب أن أكثر مراحل العرب جهلا لم تكن عندما كانت الامية تكتسح المجتمعات العربية بل في زمن الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وزمن الكومبيوترات التي تتكدس أكثر من الكتب والكراسات على مكاتب وطاولات العائلات العربية .. وكلما انتشرت وسائل المعرفة والاتصال العربية زاد الجهل العربي ..

 

https://drive.google.com/file/d/1Rn30nXGFvZ7oIME025TwuYe58_Xct4wf/view

 

ولن أجامل أحدا ان قلت بأن هذه المرحلة هي أسوأ مرحلة وان هذا الجيل هو أفقر الاجيال العربية المعرفة .. لأن من يتولى تعليمه اليوم ليس صوت العرب من القاهرة ولاخطابات عبد الناصر .. ولا كتب محمد عبده ودروس جمال الدين الافغاني .. بل النفط الخليجي هو الذي يفتتح مدارس الجهل العربي وينشرها عبر مدارسه الاعلامية المنتشرة والواسعة والثرية مثل مدرسة الجزيرة لاصحابها تميم وآل ثاني مديرها عزمي بشارة وموجه المدرسة فيصل القاسم .. مثل العربية وومحطات تيار المستأبل وكل امحطات الاسلامية دون تمييز .. العرب يوغلون في جهلهم وأولادهم من افقر أطفال الارض بالمعرفة .. لأن المعرفة ليست أرقاما وحسابات وحروفا ولغات .. المعرفة الحقيقية هي ان يعرف الفرد نفسه أولا ويتعرف على نفسه ويعرف شجرة عائلته وجذوره ويعرف ماذا ورث وماذا سيرث وماذا سيورث .. جيل اذا نظر في المرآة رأى في نفسه أنه ضحية لاسرائيل وضحية للغرب .. وأنه كمسلم وكعربي صار مكروها في العالم من اجل عيون اسرائيل فقط لاغير كي تبرر اسرائيل عدوانيتها عليهم .. أما عندما ينظر الفرد العربي الى نفسه في المرآة ولايتعرف على نفسه ولايعرف ماذا ترك له والده من وصية فانه على الدنيا السلام .. وعليه ان ينتظر ان يكون في عداد الامم المنسية والمنقرضة .. وسيكون آخر أنواع الديناصورات التي تنقرض غير مأسوف عليها ..

الجيل العربي الجاهل المنتشر الذي تشرف عليه محطات النفط كان أول فقسه جيل الاسلام الجاهل المجنون الذي دمر نفسه ودمر أهله في خمس جمهوريات عربية .. وسيأتي الجيل الثاني من الجهلة العرب – الذين لايعرفون عن أعدائهم الا على انهم أصدقاؤهم – على متن الموجة الثانية من الجهل .. مثل حمار عزيز نيسن في قصته (آه منا معشر الحمير ) الذي يبدو انه يحكي عن صناعة حمير الجماهير العربية عبر الاعلام العربي .. فالاعلام الخليجي والعربي عموما يصنع من الفرد العربي حمارا بكل معنى الكلمة وخاصة تجاه أعدائه الاسرائيليين .. ولو تذكرنا قصة عزيز نيسين (آه منا معشر الحمير) لوجدنا انها تنطبق على العرب الخلايجة والعرب عموما .. فالحمار في تلك القصة يرعى بحبور وسلام وطمانينة في مرجه الاخضر الى ان يشم فجأة رائحة ذئب .. لكنه يقنع نفسه انه يتوهم .. ويتابع الرعي .. وعندما تقترب الرائحة كثيرا يقنع نفسه انه وان كانن الرائحة لذئب فانه لايزال بعيدا جدا .. وعندما يراه قادما اليه يقنع نفسه انه مجرد قط ولاخوف منه ولاداعي للقلق .. وعندما يقفز على ظهره ويغرز أنيابه في عنقه بالكاد يصدق انه في انياب الذئب .. ولكنه في تلك اللحظة اليائسة يقول وهو يختنق (آه آه انه ذئب فعلا) ..

الاعلام الخليجي قدم مراحل عديدة للذئب الاسرائيلي على انه بعيد جدا .. ثم قدمه على انه قط صغير .. وأن الذئب في الهلال الشيعي عبر صحفيين واعلاميين ومقابلات وصور لاسرائيليين يتفسحون في دول الخليج .. ولكن الغرف الاعلامية الخليجية في أقدس شهر للمسلمين في رمضان قررت تقديم الافطار الرمضاني بنكهة اسرائيلية وأدخال الذئب الى كل بيت كلما أعلن أذان المغرب حيث تأكل الأفواه وتشرب طعاما فيما العيون والآذان تفطر على مشاهد وعبارات التطبيع في المسلسلات .. فتقدم اعمال درامية تصور النقاش عن الاسرائيليين في البيوت العربية على انه طبيعي جدا وان الانشغال بالصراع العربي الاسرائيلي عمل عبثي لأن الاسرايليين واقع يجب ان نقبل به .. ويتناول العربي الخليجي الافطار بنكهة تل ابيب .. ويمضغ لحم المسجد الاقصى نيئا على مائدة افطاره ويشرب دم القدس وهو يقول (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الاجر ان شاء الله) ..

انها مرحلة التطبيع الاجتماعي وتحويل التابو والمحظور الى حلال .. فالمشاهدون يخضعون لعملية زرع وعي بعد ان تم استئصال الوعي القديم في مرحلة الربيع لعربي حيث بات العربي عقب الربيع العربي بلا عقل ولاوعي ولاذاكرة بعد ان دمر نفسه بنفسه .. فصار لايعرف الوطن من المهجر اثر تشتته وتشرذمه خلف شعارات مدمرة فارغة .. واليوم جاءت مرحلة التطبيع لتفرش العقل العربي بمفروشات التطبيع وثقافة التعود على حضور اسرائيل وغياب فلسطين ..

اياكم ان تستهتروا بهذه العملية البطيئة والتدريجية والتي فيها دهاء صهيوني وغباء واستحمار عربيان .. فالنتيجة ان الجمهور الواسع يمضغ التطبيع مع الافطار ومع الآذان والصلوات .. ويشربه مع العصير والمثلجات والمباريات الرياضية .. ولاتستغربوا ان نجد صور نتنياهو وخلفه الكعبة في صورة تذكارية وهو محاط بجماهير عربية تطلب منه سيلفي في رمضان القادم ..

التجربة في مصر الساداتية يجب الرجوع اليها .. فبالرغم من غياب تطبيع صريح وجماهيري الا ان التطبيع مع فكرة غياب الصراع مع اسرائيل هي التطبيع الذي حققته اسرائيل في مصر .. حيث قامت المرحلة الساداية بتدمير عقل ومشروع عبد الناصر في الوجدان المصري بمرحلة الربيع الساداتي التي شنت عملية استئصال ذاكرة لكل الافكار الناصرية واستخدم ربيع السادات أيضا موجة اسلامية وشعارات اخوانية كما في مرحلة الربيع العربي حتى تحول الشعور العام المصري الى نفور من مرحلة عبدالناصر الوطنية التي لم يعد منها الا شيئان هما هزيمة 67 في خمسة ايام وقصة سعاد حسني مع مخابرات صلاح نصر ومعاناتها من نذالة صفوت الشريف .. وهذا الاستئصال للذاكرة المصرية تلاه زرع التطبيع مع فكرة ان كامب ديفيد هي معطف واق لمصر من هزات وخضات المنطقة ..

ورغم وجود تيار ناصري في مصر الا أنه للأسف لايشبه في كثير من وجوهه القيم الناصرية لأنه محاط ومحاصر بذهنية النفور من ناصر ومرحلته .. ورغم تواصلي مع وطنيين مصريين ومثقفين الا انني أيضا اتواصل  مع كثير من المصريين الذين يميلون في مزاجهم للساداتية .. لأنهم أبناء مرحلة التطبيع التي استغرقت سنوات طويلة من الحقن بالمهدئات .. والمقيئات .. والافكار التطبيعية من مثل ان اسرائيل موجودة ولاشيء يغير هذا الواقع فلنعش معه لأن البديل هو الحرب وعودة ناصر ..

الحمير العربية التي يتم تعديلها وراثيا الآن في التلفزينات وصالونات التجميل والمعالجة ترى الذئب الاسرائيلي وتشم رائحته وهو يدس فمه في أنفها وتسمع عواءه وهو يعوي في آذانها ولكنها مصممة على ان ماتشمه هو طيور بجع وان ماتسمعه هو أصوات ماعز .. والأنياب تنغرز عميقا في أعناق الحمير .. ولاندري متى ستقول هذه الحمير (آه .. آه انه ذئب اسرائيلي فعلا) قبل ان يغيب نهيقها مع الزمن ..

لكل صحفي واعلامي وفنان خليجي يساهم في عملية التطبيع والاستحمار .. أستطيع ان اقول ان الحمير تصنع الحمير .. والحمير لاتصنع مستقبلا ولاتغير منطقا ولاتاريخا ولاجغرافيا .. أنتم طارئون وعابرون مثل الاسرائيليين .. وخزان الاعاصير في المنطقة هو هذا الخزان الهائل الممتد من طهران الى دمشق ولبنان .. وطالما بقيت الاعاصير .. فلامستقبل  للحمير ..

 

هذا المنشور نشر في المقالات, بقلم: نارام سرجون. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to رمضان بنكهة اسرائيلية وشراب بنكهة دم القدس … نتنياهو يشارك افطار كل عائلة خليجية – بقلم: نارام سرجون

  1. محمد العمر كتب:

    تبدأ المأساة عادة منذ نعومة حوافر العربي حين يترك أمر نموه العقلي للمسجد أو للكتاب الموجه و لا يتلقى العلم لأجل العلم و رغم معرفة هذه الحقيقة يستمر غض الطرف عنها مراعاة للطوائف الكريمة كلها
    أستاذنا منذ مدة كانت إحدى القنوات السورية الخاصة تعرض برنامجا للأطفال عن حرب الاستقلال في الولايات المتحدة و يظهر جورج واشنطن كمثال عظيم للوطنية
    هتاك أمر شديد الخطورة مرفق مع سلوك الإعلام و هو التسلل عبر المناهج التعليمية بحجة التحديث و زرع أفكار و اقتلاع أخرى لا تخدم في خلق جيل سوي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s