آراء الكتاب: عندما يموت الشجر واقفاً … في الغربة – بقلم: متابعة من ألمانيا

عندما يموت الشجر واقفاً.. ولاءً وحباً وإشتياقاً …فليسَ أعذب من تراب الوطن …
باءَت وتبوءُ محاولاتي المُتكرّرة بنَقلِ شُجيرات الياسمين والفّل البلدي والمشمش البعلبكي وكذلك الزيتون لزرعها هنا في حديقتي المتواضعة بالفشل الذريع، وحتى شتول الطرخون والزعتر البري والنعنع والحبق كانت عصيّةً على التخلّي عن ترابِ الوطن والتأقلم مع ترابٍ الماني غنيٍ جداً بكل المعادن والفيتامينات وبكل مقوّماتِ النمو والنجاح لغرسةٍ او شجيرة ونبتة … وما يُغيظني ( وأغبطه فعلاً ) هو نجاح زميلنا بزرع شجيراتٍ عربية على التراب الالماني وهو لا طاقةَ عنده ولا خبرة ، لا يزرع ولا من يزرعون !…
لماذا ترفض شجيراتي وشتولي وحتى بذوري العيش في بلاد اليورو رغم عنايتي ودلالي وجزيل إهتمامي الشديد بهم، وهكذا، حتى لو كان لشجيرة المشمش نصيباً من محاولة العيش والتأقلم لسنة او سنتان لكنها تعود سريعاً جداً لتُذَّكرني بأنها وفيةً لتراب الوطن تأبى العيش في تربةٍ غريبة ، تأبى أغصانها وفروعها ان تتمدّد ، ترفضُ براعمها واوراقها أن تظهر ، تذبلُ ساقها وتموت الهوينا…

 

شجرة

 


أقرانها من الشجر إمتلأت أغصانه ورقاً أخضر وأزهَرَت براعمه…. لكن شجرتي حزينة يعتصرها الشوق والحنين لأرض الوطن … يا لهذه الشجرة تموتُ ولا تخون … تموت واقفةً ومنتصبةً كما ينتصبُ السيف الدمشقي في ساحة الامويين!…
يا لولاء هذه الشجرة الوفيّة لترابٍ وماءٍ شربته صغيرة وإفتقدتهُ يافعة … يا لهذا الولاء لتراب الوطن ؟… يا لهذا الولاء الذي اجتاحَ كل إبتساماتي ودموعي في الغربة …

لفتني يوم الاثنين الماضي خبر وفاة الاعلامية السورية مها الخطيب في مدينة هامبورغ الالمانية.. لم اعرف الراحلة يوماً وبغَّض النظر عن رأينا ورأيكم بها وفي المنحى الذي جنَحَت اليه الاعلامية ” الملتزمة ” الراحلة وختمت به حياتها الخاصة والمهنيّة بين جنبات ” الفورة” لكنني أمام رهبة الموت في بلاد اليورو تنازعتني الأفكار والأحكام، أأَطلب لها الرحمة والمغفرة وهي عند مليكٍ مقتدر أَم …..، أو …لست أدري!.. والله أعلم بما في الصدور..
ولفتني أيضاً ان الراحلة كانت قد بدأت مسيرتها الإعلامية في وطنها الام على التلفزيون السوري عام 2003 وبعدها عملت كمذيعة في قناة شام 2007 قبل ان ” تثور” وتتنقَّل على الشاشات وخاصةً على شاشة اورينت العملاقة الفظيعة .. التي حرمتنا من متعة متابعتها وإتحافنا بالمضحك المبكي !..
ما أريد سؤاله، هل توفيت الراحلة وهي على ولاءٍ تام لتراب الوطن الأم الذي وُلدَت وترعرت وتعلَّمت وتنفَّست وشربِت وعاشت فيه !؟… هل كان للراحلة نكرانٌ أم عرفانٌ بالجميل للأم سورية أو بعضاً من ولاءِ شجرتي هذه لتراب الوطن !؟.. لست أدري …
كل ما أعرفه ان الوطن شجرةٌ طيبة لا تنمو الا في تربة التضحيات وتُسقى بدمع العيون وتُروى بدماء الشهداء…
وكل ما اعرفه أيضاً ان نكران الجميل للوطن هو خيانة للشرف والأمانة بل خيانة ناجحة، ولأنها ناجحة لا نجرؤ على توصيفها وتسميتها “بالخيانة ” والله أعلم !…
كان الله في عون قلب الأم سورية المُثقَل بالطعنات والجراح .. أُناشدكم… كُّفوا يداً لا تقتلوا فؤادي مرتين على الأثر …

هذا المنشور نشر في آراء الكتاب, المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s