الديمقراطية في سوق الحميدية .. والله في صندوق الانتخابات – بقلم: نارام سرجون

التماثيل في الغرب منذ القدم لاتبدو محتشمة وتتعرى وتبرز الجمال الجسدي البشري على عكس تماثيل الشرق القديم التي تحتشم وتغطى بمنحنيات القماش الحجري ..  الثقافة كذلك هي مختلفة .. والديمقراطية كذلك .. مثل تماثيلنا وتماثيلهم .. وكلما خضت نقاشا عن ان الديمقراطية ليست زيا وموضة او سيارة فارهة نستوردها يعاجلني المتحمسون للنموذج الغربي بضربة وطعنة في الصدر اسمها (كاتب الديكتاتورية) .. ويصححون لي بالقول ان الديمقراطية (تعني سلطة القانون الذي لاأحد فوقه) .. وهنا أعترف انني أجد صعوبة في الحوار مع هؤلاء خاصة الذين يكتبون على صفحات الفيسبوك عن مشاعرهم وهم يمارسون الحق الديمقراطي ومتعة القاء ورقة الانتخاب في صندوق .. وكتابة الاشعار والمعلقات في وصف مشاعرهم وهذا الحق الذين حرموا منه .. هؤلاء فقدت الأمل في انهم يفهمون .. وأنا في الحقيقة لاأنفق دقيقة واحدة في الحوار معهم لأن ذلك مضيعة للوقت ..وأتركهم ينعمون كما قال المتنبي ..

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله***وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

لافرق بينهم وبين الدواعش الذين هشموا النحت وكسروا التماثيل لأنها بدعة .. وهؤلاء المتحضرون المتغربون كسروا القماش الحجري لتماثيلنا لتعريتها لتصبح شبيهة بتماثيل اوروبة العارية لأن كل ماتفعله اوروبة صحيح ويجب تقليده فورا .. تماثيل الشرق المحتشمة هشمت ثيابها لتبرز جسدها العاري .. ولكن ماظهر تحت التكسير حجارة مشوهة .. فخرجت علينا ديمقراطية اسلامية عجيبة .. رأيناها بأم اعيننا التي جحظت ولم تصدق مارأته ..

بلبل

لم أستطع ان افهم كيف يريدون تطبيق الديمقراطية في بلداننا وهم لايزالون يريدون ديمقراطية الله والسماء على الارض في نفس الوقت .. المشكلة الحقيقية هي انه لايمكن ان يجتمع الله والديمقراطية في مكان واحد .. هما يمكن ان يعيشا معا بتساكن ولكن القيادة والقرار ستكون لواحد منهما فيما يصمت الآ خر ولايرى ولايتكلم .. فهناك عشرات المقاطع المصورة للمسلمين الشيعة الذين يتحدون كورونا لانهم بجانب ضريح الامام علي ..

ومئات اليهود الحاريديم الامريكان الذين رفضوا الانصياع لقوانين الحجر الكوروني .. وفي سوق الحميدية الدمشقي اصطف المؤمنون متلاصقين كالبنيان المرصوص تحديا للكورونا ولقرارات الدولة من أجل قرارات الله .. دون اي فرق بين المجموعات الثلاث ..

سبب هذا الكلام هو تلك الصلاة في سوق الحميدية التي خرقت قانون الدولة من أجل قانون الله .. وهنا نجد في الظاهرة الصراع بين الديمقراطية والثيوقراطية .. أي اللاهوتية .. فكل المسلمين في الغرب خضعوا للقوانين الخاصة بمنع التجمع في زمن الكورونا سواء بصلاة او للاحتفال .. ولكن فقط المجموعات الدينية هي التي تتمرد على قوانين الديمقراطية .. والتي عولت كمجموعات خارجة على القانون دون أي تحرج منها ..

هذه الظاهرة الدينية في كل مكان تؤكد على ان استعجالنا لتبني الديمقراطية ليس حصيفا .. لأننا يجب ان نبني لها الشخصية التي تسلم مقاليدها للدولة وليس لله .. وهذا صعب ورأيناه في الربيع العربي .. ويدل على ان الديمقراطية ليست دمية نحبها وليست سيارة نشتريها .. السيارة تحتاج طريقا معبدة وليست رمالا صحراوية او أحراجا كثيفة .. وتجتاج الى سائق وميكانيكي لمعالجة أعطالها وليس راعي ابل او سائس خيل ..

أنا الذي أعرف ان الديمقراطية هي لبوس يناسب العقل الغربي .. وهو نموذج قهر الدين والكنيسة وصار هو الدين الجديد الذي تخضع له الشخصية الغربية .. ولذلك لاتجد أن الغربي يتمرد على قرارات الدولة الا في حدود معقولة بل هو مذعن الى حد كبير وان اعترض فانه يشبه اعتراضا مؤدبا لمؤمن على أقدار الله القاسية .. واذا حدث التمرد فان الجماعة الكبيرة في المجتمع تفوّض الدولة بالضرب بيد من حديد على كل من يخرق العقد الاجتماعي وينتهك الدين الجديد “الديمقراطية” .. كما حدث مع اضرابات النقابات البريطانية في عهد مرغريت تاتشر ومع السترات الصفر الفرنسية .. حيث للدولة اليد العليا فوق الحرية .. وهذا هو الذي صنع الشخصية الغربية الخاضعة للقانون وليست هي التي صنعته ..

الى كل المؤمنين الذين اصطفوا في سوق الحميدية -ومعهم كمامات الكورونا – انتصارا لله ولم تأخذهم في الله لومة لائم فانني أتمنى لكم صلاة مقبولة .. وان ينجيكم الله من كورونا ومن كل سوء .. ولكني أود ان أقول لكم .. ماتفعلونه يدل على اننا على صواب .. فالديمقراطية في مجتمع تسوده المشاعر الايمانية لايمكن ان يقبل العملية الديمقراطية لتتعايش معه .. الديمقراطية هي خضوع كامل للدولة سواء أخطأت أم أصابت .. والاحتجاج وفق القنوات المرسومة للاحتجاج .. وكل مانسمعه من أن الدين والاسلام هو الحل لمشاكل الدنيا والحكم ليس دقيقا .. فمارأيناه من أتباع الديانات السماوية والمذاهب هو ولاء لقوانين السماء وليس لقوانين الارض .. اما اتباع القوانين الارضية فهم الذين قبلوا اللعبة الديمقراطية سواء كانت وهما او حقيقة ..

وماتراه من المتدينين من جميع الديانات يدل على اننا أيضا على صواب .. وهو انه لافرق بين كل العقائد على الاطلاق .. لافرق بين السني والشيعي والمسيحي واليهودي والبوذي والسيخي .. ولذلك فان تحليلنا ان الفروق بين الاخوان المسلمين وجبهة النصرة والقاعدة وداعش والهاغاناة ضئيلة للغاية في غاية الصواب .. وان من بنى اسرائيل هو الذي بنى داعش .. وأن من هدم داعش وأعدمها قادر على ان يهدم اسرائيل ويعدمها .. لأن الفرق ضئيل جدا .. فمانراه في داعش والقاعدة هو ذات البنية العقلية والنفسية لليهودية الصهيونية والصهيونية المسيحية .. والدليل هو موقف هؤلاء من كورونا تحت مظلة الله..

الديمقراطية لاتستطيع ان تعيش في السماء .. ولاأن تنزل السماء على الارض .. ولاتستطيع ان تتشارك مع الله في الدنيا .. الديمقراطية الغربية التي نادى بها المعارضون العرب وأغلبهم اسلاميو الهوى هي دين أرضي لاينافسه دين سماوي .. والاله في الدين الارضي الديمقراطي هو الدولة وقوانينها ودساتيرها هي المرجعيات النهائية .. أما الاله في اللاهوتيات فهو الله جل وعلا ولااعتراض على حكمه .. وهم يريدون ان يكونوا ديمقراطيين وأولياء لله .. ولذلك سامحوني ان قلت لكم بأن عليكم ان تختاروا مابين الجنة والنار في السماء .. وأما في الارض فعليكم الاختيار مابين الديمقراطية والله .. ان أردتم الدنيا فعليكم بقوانينها كاملة .. وان اخترتم الآخرة فلاتطلبوا منا تطبيق قوانين الدنيا وديمقراطيات الدنيا على جماهير تعيش في السماء 

السؤال الذي لابد منه والذي طرحته على نفسي قبلكم هو كيف تمكنت ايران من بناء منظومة دينية ودنيوية في نفس الوقت حتى الان على الأقل؟ اي الخضوع للدولة الدينية؟ والجواب باعتقادي هو ان بناء الدولة الشكلي هو ديني ولكن هندسته الداخلية دنيوية اكثر .. تحس هناك انك بنيت دولة الله ولكن الدولة ظلت أقوى من الله خارج الحوزات .. وبقي الله أقوى من الجميع داخل الحوزات فقط .. على عكس تركيا .. التي صارت في زمن اردوغان دولة دنيوية في الظاهر ولكن هندستها الجديدة صارت دينية .. والله في الشارع صار أقوى من الدولة ..

اما اسرائيل فانها لاتزال خارج التصنيف لأنها ليست دولة بل ثكنة كبيرة وقاعدة عسكرية .. ومجتمع القاعدة العسكرية مختلف عن المجتمعات الطبيعية .. وعاجلا أو آجلا .. سيتحلل بفعل التجاذب بين الطبيعة واللاطبيعة .. وسيجري عليه ماجرى على داعش التي انهاها الرئيس بشار الاسد من دمشق .. وماجرى على المملكة الصليبية التي انهاها صلاح الدين الايوبي .. من دمشق .. أيضا ..

======================================

ملاحظة هامة: بدأ نشر جميع المقالات على موقع نارام على تويتر      https://twitter.com/serjoonn

بالتزامن مع انطلاق صفحة الفيسبوك الجديدة التي ستأخذ شكلها النهائي قريبا

https://www.facebook.com/%D8%A8%D9%82%D9%84%D9%85-%D9%86%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%85-%D8%B3%D8%B1%D8%AC%D9%88%D9%86-103653018004523/?modal=admin_todo_tour

 

 

 

 

هذا المنشور نشر في المقالات, بقلم: نارام سرجون. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to الديمقراطية في سوق الحميدية .. والله في صندوق الانتخابات – بقلم: نارام سرجون

  1. Nabuokz Nuosr كتب:

    ما حصل ليست صلاة اوابتهال لله وازعانا وغفرانا وتقربا اليه انها الكيديه للدوله ومؤسساتها نهارا جهارا دون خجل ما ساقوله اتمنى ان لا يثير حفيظة احد اطلاقا مطلقا “” ان الدوله تفقد هيبتها رويدا رويدا “”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s