آراء الكتاب: العنصرية الخَفيَّة والمُقنَّعة في بلاد اليورو.. – بقلم: متابعة من ألمانيا

عندما تصمت وتتخاذل عن قول كلمة الحق فهذا أيضاً تشجيعٌ على تطبيق العنصرية .. وخاصةً عندما يطنِّش الإعلام ويصمت عن ظلم مواطن وقتله اثناء إعتقاله، وعندما تشيحُ الميديا بوجهها عن النظر الى الجريمة ولا تتناول الحدث لأن الضحية ” ليس المانياً” وتمتنع وسائل الاعلام أيضاً عن إنتقاد أو حتى معارضة الجاني ومسائلته ولا تجرؤ على قول كلمة حق لإنصاف الضحية فهذا في رأيي تأييدٌ صريحٌ للقتل بالتذاكي، وعنصرية مُقنَّعة!..

فذَّكِر ان نفعت الذكرى..

بالأمس عدتُ بالذاكرة الى رحلةٍ موجعة في مدى النسيان حين تراءى أمامي واقعاً حقيقياً لسيناريو وفاة (قتل) مواطن يوناني بعد إعتقاله مباشرةً على يد أربعة من عناصر الشرطة في العاصمة برلين !..

IMG_9867

في الثاني عشر من كانون الثاني عام 2019 قامت اربعة شرطيات ناعمات بإلقاء القبض على الشاب اليوناني L. Aristeidis البالغ من العمر 36 عاماً على خلفية قيامه بأعمال شغب وتعدّي في مخبز في العاصمة برلين!.. قامت الشرطيات اللطيفات بتقييد قدميه وتكبيل يديه والضغط عليهم بقوة وسُحِبَ المتهم الى المصعد بالقوة ودُفِعَ أرضاً على بطنه بوضعية التثبيت وقامت الشرطيات الناعمات بالضغط على ظهره بقوة وهو يلتصِق بالأرض حتى إختنق ومات!..

سريعاً جداً لُفلِفَت القضية ، تمّ إنهاء التحقيق مع الشرطة بسرعة خيالية دون اي توَّسع، حتى ان المدعي العام رأى ان ما حدث قد حدث قضاء وقدر والحادثة لا تستدعي تقديم شكوى وقضية امام محكمة الجنايات اوغيرها ولم يطلب الإستماع لإفادات كل الشرطيات او لشهادات الشهود الحاضرين مثلاً… ولم يُدّل اي شاهد أو أي شخص ممن كانوا شهود حاضرين في المصعد مع الضحية ل. عندما مات بإِفاداتهم ولم يتم التحقيق معهم !..
لست أدري عمّا إذا كان الضحية اليوناني آنذاك قادراً على النُطق قبل موته، لست أدري اذا قال: ” انا لا أستطيع التنفس” “ارجوكم اتركوني ” كما فعل وقال الضحية جورج فلويد ، الذي قتل على يد ضابط شرطة الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة.
حادثتان متطابقتان جداً في برلين ومينابوليس لولا وجود فرق واحد بسيط !..
الفرق بين وفاة المواطن اليوناني الاصل في برلين والمصير المأساوي له والذي يشبه الى حد كبير جداً ويكاد يتطابق مع حادث قتل جورج فلويد لولا هذا الفرق الوحيد بين حالتَّيْ القتل !..
ان جريمة قتل فلويد كانت نهاراً جهاراً وعلى الملأ ” لايف” وتم توثيق عملية القتل (بالصورة وبالفيديو ) بدقة متناهية وتمَّ تداولها عالمياً بسرعة البرق !.. بينما في حالة المواطن اليوناني القتيل في برلين فإنه للأسف الشديد لم يتم توثيقها … حيث لا يوجد اي فيديو او أي صورة تدعم قضية وفاة L. Aristeidis، لذلك لم تنتشر هذه الواقعة على الفيس بوك ، ولم يتم تتداولها بهاشتاغ على تويتر، ولم تحصل اي إحتجاجات، ولا مطالبات ولا مظاهرات ولا من يتظاهرون !… وأعتقد انه لم يصدر اي تقرير رسمي يوضِح ملابسات ما جرى وكيف مات( قُتل) المواطن اليوناني …. على الأقل بالنسبة لي لم أفهم حتى الساعة كيف ولماذا فارق المواطن الالماني الحياة اثناء إعتقاله!..
ما حدثَ ويحدث في مينابوليس وأخواتها ملأ الدنيا وشغل الناس وصار شأناً عاماً ووصلت أصداؤه الى اوروبا ، إستنفر الاعلام (الحر ) وإستنكر الجريمة الموصوفة وَجُنِدَّت كل الوسائل للإنتصار للضحية، لكن مهلاً مهلاً … ماذا عن عنصرية بلاد اليورو!؟.. لأن حظ 269 شخصاً قضوا برصاص الشرطة الالمانية منذ سقوط جدار برلين كان ولا يزال سيئاً جداً ، ولم تملأ اخبارهم الدنيا ولم يشغلوا الرأي العام ولم تخرج المظاهرات ولم تصرخ وتطالب بالعدالة لمن قضى بطلقات الغدر !. . من منكم سمع او علمَ بهذا الخبر وبهذا العدد من الضحايا قبل اليوم !؟..من منكم قرأ او علِمَ بعنصرية شرطي اوروبي قبل اليوم ؟.. مع انني اعتقد انه بانه لم يعُد خافياً على أحد تنامي عنصرية الشرطة في بلاد اليورو .. وغالباً ما يشعر به الكثيرون ويؤَثر خاصةً على الاشخاص “غير البيض ً” او غير الاوروبيين .. وربما يظهرُ جلياً جداً ضد غير الناطقين بلغة البلد المُ ..
في العام 2005 كنا أيضاً على موعد مع جريمة بغيضة ومأساة الموقوف ” اوري جالوه” اللاجئ الأفريقي الذي قضى حرقاً في زنزانة الشرطة مُكبَّل اليدين والقدمين في مدينة ديسّاو الالمانية ، وسريعاً جداً حاول الاعلام النزيه والميديا المحايدة الترويج لإشاعة انتحاره داخل الزنزانة .. ولم يتم حتى الساعة حل لغز الحريق الذي اودى بحياة اللاجئ .. وكإنَّ مدة خمسة عشر عاماً ليست كافية لإنصاف القتيل وإحقاق الحق ، و لكي تقول النيابة العامة كلمتها في الجريمة المروّعة !. اليسَ هذا قمعاً و عنفاً بطعم العنصرية!؟.
انه الإعلام هنا وهناك ..
أَلَم يقل الممثل ويل سميث بأن : “العنصرية لا تزداد سوءًا ، لقد تم تصويرها”. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الكثير من الناس يحتجون بشدة ويخرجون الآن إلى الشوارع في الولايات المتحدة وغيرها…
انه الإعلام يا سادة … (وحرية الرأي والتعبير !) خبراً وصورة سلاحا العصر الأمضى..

====================

في الصورة:

اللاجئ اوري جالوه الذي قضى حرقاً في زنزانة الحجز الاحتياطي مكبَّل اليدين .والقدمين …

هذا المنشور نشر في آراء الكتاب, المقالات. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to آراء الكتاب: العنصرية الخَفيَّة والمُقنَّعة في بلاد اليورو.. – بقلم: متابعة من ألمانيا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s