آراء الكتاب: حفلة سمر في ٥ حزيران — ١٩٨٢ الحرب المنسية … – بقلم: محارب قديم في الجيش العربي السوري

سعد الله ونوس قامة أدبية عملاقة و سنديانة ضمير شامخة من بلدي قامت منظمة اليونسكو للأمم المتحدة بتكريمه وهو على قيد الحياة بإلقاء كلمته المؤثرة إلى العالم من على منبر الجمعية العامة في يوم الثقافة العالمي . هذه الكلمة كتبها وهو على فراش المرض في دمشق يصارع المرض العضال الذي أودى بحياته في النهاية . لقد ترك الأديب والكاتب المسرحي الراحل أعمال و نصوص مسرحية ترجم بعضها إلى أغلب لغات العالم ومن بينها : مغامرة رأس المملوك جابر وتابعه قفه و مسرحية حفلة سمر في ٥ حزيران و فيها عصارة ألمه وعذابه النفسي و إحباطه و صرخة مدوية من أعماق روحه الجريحة جراء الهزيمة النكراء والمذلة التي أصابت العرب في حرب حزيران ١٩٦٧ والتي بدأت في اليوم الخامس من هذا الشهر و طبعت العرب بالعجز و العار . قتلته هذه الهزيمة ورحل و هو في حالة يأس و إحباط وغضب من و على هذه الأمة العربية البائسة .

 

images

أما حفلة سمر في ه حزيران التي أود أن أحدثكم عنها فقد جرت وبدأت أحداثها في هذا اليوم ولكن في العام ١٩٨٢ وهي الحرب المنسية في أدبياتنا و ذاكرة تاريخنا ولا تقل أهمية وكارثية عن هزيمة ١٩٦٧ ولعلها أكثر منها قساوة و ضراوة . هذا التاريخ كان بداية حرب ضروس مع العدو الصهيوني على الأرض اللبنانية أدت إلى اجتياح العدو جنوب لبنان وصولا لدخول جيشه ، وعلى رأسه أرييل شارون ، بيروت اول عاصمة عربية يصلها الجيش الإسرائيلي ومرورا بما تلى ذلك من مجازر صبرا و شاتيلا وخروج منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات إلى المنفى في تونس بعد قتال ودفاع عنيف كان النصيب الأكبر فيه يقع على عاتق الجيش العربي السوري الذي إستمات في الدفاع عن لبنان برا و جوا و روت دماء أبطاله الشهداء التراب اللبناني بعد أن كبدت العدو خسائر فادحة في الأرواح و العتاد .
في سنة ١٩٧٩ كنت برتبة رائد رئيس أركان الكتيبة ٥٩٦ دفاع جوي صواريخ م/ ط طراز في بتشورا ( с-125 ) . كانت الكتيبة متموضعه في بلدة الغسوله على كتف مطار دمشق الدولي لحمايته من الطيران المعادي . هي واحدة من ثمانية كتائب صاروخية بالإضافة للكتيبة الفنية ومقر القيادة والعمليات تؤلف بمجموعها اللواء ٥٥ دفاع جوي المكلف تغطية و حماية سماء شرق مدينة دمشق من الطيران المعادي بدأ من الغوطة الشرقية و حتى أطراف بادية الشام في منطقة أبو الشامات . أتى دوري لاتباع دورة قائد كتيبة في كلية الدفاع الجوي في حمص في العام ١٩٨٠ لمدة ستة أشهر . أنهيت الدورة بدرجة جيد جدا والمرتبة السابعة على ثمانين ضابط طالب دورة قائد كتيبة .

hqdefault

في هذا الوقت كان قد تم تشكيل مجموعة كتائب صاروخية دفاع جوي تم نشرها على حدود سوريا – لبنان الجبلية و داخل الأراضي اللبنانية . أطلق على هذه المجموعة ” مجموعة فداء ” ومقر قيادتها في مجدل عنجر . التحقت بقيادة اللواء بعد نهاية الدورة و هناك علمت أن كتيبتي أصبحت في مجموعة فداء و مكانها مع سراياها المدفعية م/ ط على قمة جبل النبي هابيل فوق بلدة الديماس في منطقة ميسلون عند تقاطع الدولي المؤدي إلى الحدود اللبنانية مع طريق الزبداني

تلقيت أمرا من قائد اللواء العميد عبدالله غزاوي بتعييني رئيس أركان الكتيبة ٥٩٤ وهي أبعد كتيبة عن دمشق وتقع على أطراف صحراء بادية الشام غير بعيدة عن منطقة أبو الشامات مكلفة حماية و تغطية سماء القاعدة الجوية في مطار الضمير . في نهاية كل عام تدريبي تجري في اللواء ، كما في كل ألوية الدفاع الجوي في القطر ، اختبارات فنية و تعليمية و قتالية و مسابقات تشرف عليها إدارة الدفاع الجوي يعلن على أثرها ترتيب الكتاءب في نهاية العام التدريبي مع مكافأة المتفوقين ومنح أوسمة التدريب من مختلف الدرجات . ثلاث سنوات متتالية كانت الكتيبة ٥٩٤ تقبع وتحتل عن جدارة المركز الأخير في اللواء . كانت من أفشل الكتائب واشتهرت بأنها كتيبة التأديب والمنفى في اللواء التي ينقل إليها العناصر غير الأنضباطيين والزعران وكذلك صف الضباط و الضباط المغضوب عليهم مسلكيا بسبب سلوكهم . باختصار سمعة الكتيبة من أسوأ ما يكون . قائد الكتيبة كان ذا شخصية ضعيفة ومهزوزة و قد سلم بالأمر الواقع . بعد شهرين من وصولي إليها تم نقله إلى قيادة اللواء في عمل مكتبي إداري وصدر قرار بتعييني و تثبيتي قائد الكتيبة سيئة الصيت ٥٩٤ . الفوضى فيها كانت تعم كل شيء و حتى تفتقر إلى أبسط السجلات الإدارية والفنية للعتاد الصاروخي و من هنا بدأت عملية الإصلاح مع التشديد على مواد التعيينات والمطبخ و صيانة الآليات والمركبات و بالدرجة الأولى عصب الحياة وشريانها في الصحراء وهو صهريج المياه . لن أخوض هنا فيما عانيته من مصاعب والأسلوب والجهد المضني الذي استغرق مني لإعادة تشكيل الكتيبة ورفع الروح المعنوية فيها وتحويلها إلى قطعة عسكرية انضباطية متجانسة والنهوض بالمستوى التدريبي والجاهزية القتالية فيها . لكن باختصار أقول كنت قاسيا وصارما جدا و حازما أضرب بيد من حديد على كل مظاهر الفوضى وعدم الانضباط لا فرق في ذلك بين عسكري او صف ضابط وضابط حتى صار الجميع يلقبوني فيما بينهم ب أبو غضب ، وكنت اسمعهم يتهامسون : اجى أبو غضب وأضحك في سري وأقول الغضب الساطع أت و انا كلي ايمان ..

كثيرا ما كنت أتناول الطعام مع العناصر في خيمهم وأشرب الشاي معهم في زيارات ليليه خاطفة و أدعهم يتحدثون عن أنفسهم على سجيتهم وهذا ساعد على خلق جو من الثقة فيما بيننا . اتبعت سياسة العصا و الجزره معهم ، على سبيل المثال : يحق للعسكري حسب قانون الخدمة ٢١ يوم اجازة متفرقة على مدار السنة ، كنت اعطيهم ٣٠ – ٣٥ يوم بدون علم قيادة اللواء مع منحة طريق مادية ( من أموال الندوة ) لأصحاب السفر البعيد . كل هذه العوامل أدت إلى رفع الروح المعنوية وتنمية الشعور والاعتزاز والفخر كونك من الكتيبة ٥٩٤ و نمو الرغبة إلى التمايز والتفوق في التدريب والانضباط ، لقد حاز قائد الكتيبة الجديد على إعجابهم و احترامهم في احساس مختلط من المهابة والمحبة والتآخي . النتيجة التي فاقت التصور : الكتيبة ٥٩٤ في نهاية العام التدريبي ١٩٨١ احتلت المركز الأول في اللواء ، من القعر إلى القمة في سنة واحدة . في منتصف أذار ١٩٨٢ صدر قرار بنقل الكتيبة بكاملها وكل ما فيها لتبدل وتأخذ مكان الكتيبة ٥٩٦ من مجموعة فداء على قمة جبل النبي هابيل والتي ستحتل موقع كتيبتي في المنفى الصحراوي الذي كنت فيه . كان ذلك عقابا لهم لانخراطهم و تورطهم في تهريب و تعفيش المواد الكهربائية و غيرها من لبنان عبر الطريق العسكري إلى سوريا ، بدأ من قائد الكتيبة إلى أصغر مجند ( لن أدخل في التفاصيل ) . أذار ، نيسان وأيار في الموقع الجديد الذي لم تتأقلم معه بعد ، من صحراء قاحلة إلى جنة خضراء ، حتى جاء الخامس من حزيران حيث بدأت حفلة السمر : بداية العدوان والاجتياح الإسرائيلي للبنان .

images (1)

كان استبسال الجيش السوري في الدفاع عن أرض و سماء لبنان لا نظير له مقدما الكثير من الشهداء ( جدير بالذكر أن أخي الملازم احتياط مدفعية ميدان كان له أيضا شرف المشاركة ) . أن كان هناك من تسمية تطلق على هذه الحرب تليق بها فهيا ” مفخرة حرب الحوامات القتالية و خاصة الغازيل صيادة الدبابات الإسرائيلية و تفوق وحدات الكوماندوس للقوات الخاصة ” . خسرنا الكثير من الطائرات المقاتلة في هذه الحرب والخسارة الأكبر لنا فيها تدمير كتائب الدفاع الجوي الصاروخية في مجموعة فداء ، فولغا بتشورا و كفادرات ، قبل أن تطلق صاروخ واحد كما دمر مقر القيادة في مجدل عنجر . هذا السلاح الذي كان مفخرة و معجزة و مفاجأة حرب تشرين ١٩٧٣ الذي أذل الطيران الإسرائيلي و قطع يده الطويلة ، هذا السلاح مني بهزيمة نكراء في حزيران ١٩٨٢ بشكل كاد أن يمحو معه ذكرى تشرين ١٩٧٣ . السبب في هذا الفشل الذريع والتدمير الشامل له هو استخدام العدو منظومة متطورة أمريكية لأسلحة الدقة العالية بعيدة المدى PLSS ولم نكن نعلم عنها شيئا ، و هو ما دفع مناحيم بيغن قبل بدء الحرب بأشهر إلى القول أنه سيمحي عن الوجود المجموعة الصاروخية على حدود لبنان و داخله ، وهذا ما كان . كافة الكتاءب دمرت في أول يوم الحرب ٥ حزيران و كان نصيب الكتيبة ٥٩٤ فيه سقوط ٤ صواريخ متتالية ذات قدرة تدميرية عالية سقطت جميعها حول الكتيبة قرب مواقع المطبخ و تجمع المركبات و المحطة ب ١٥ و سرايا المدفعية م/ ط بدون خسائر تذكر في العتاد مع استشهاد طاقم مدفع ٢٣ مم م/ط .

unnamed (1)

في ظهيرة هذا اليوم كنت كبين محطة القيادة مع الطاقم القتالي من قائد سرية الرادار و ضابط توجيه الصواريخ وعمال الملاحقة الإلكترونية ( صف ضباط برتبة مساعد أول ) و ضباط فنيين نتابع الموقف الجوي على شاشات الكشف و تتبع الأهداف و توجيه الصواريخ . كان هناك تشويش الكتروني معادي شديد مصدره المرصد المعادي في جبل الشيخ . تمكنا مع المعالجة الفنية للتشويش من اكتشاف أهداف معادية فوق الأراضي اللبنانية في منطقة دير العشاير و كانت ضمن مجال التدمير ، التقطنا أحداها و اعطيت أمر بالاطلاق و مع صرخة ضابط التوجيه الملازم أول رشيد وسوف : الله أكبر ضغط على زر الاطلاق فانطلق صاروخان بفارق ٥ ثواني و بسرعة ٧٠٠ م/ ثا باتجاه الهدف وما هي إلا ثوان معدودة حتى تحول إلى حطام متناثرة مع صيحة كامل الطاقم : الله أكبر الله أكبر . تابعت كشف الأهداف في سماء المنطقة على شاشات الرادار و الرؤية البصرية ( تليفزيون ) حتى تم اكتشاف مجموعة من أربعة طائرات تحلق بشكل دائري كالطاحون و تقصف كتيبة فولغا على جبل عال غير بعيد عن سرغايا لإنزال أكبر الخسائر البشرية بعد خروج الكتيبة من المعركة بفعل صاروخ بعيد المدى ( حملت هذه الكتيبة بعد الحرب اسم : مطحنة اللحمة لكثرة ما سقط فيها من شهداء ) ، تم التقاط أحد الأهداف راداريا مع مشاهدته تلفزيونيا ومع صرخة الله أكبر أطلق ثلاث صواريخ ( مدى التدمير ٢٥ كم على أقصى ارتفاع ١٨ كم ) ، لاذت الطائرات بالفرار فورا أما هدفنا الملتقط فقد كان يناور بشكل حاد للتملص ولكن تم تدميره أيضا . هدأت بعد ذلك الأجواء طيلة اليوم وحتى ظهر يوم ٦ حزيران ( كنت الوحيد الذي بقي سالما حتى هذه اللحظة في مجموعة فداء و بدون قيادة مركزية ، صار الوضع عسكرية دبر رأسك ) . في الساعة ١٢،٢٠ كان دور رئيس أركاني مع طاقمه بالمناوبه في كبين القيادة بينما انا كنت في موقع نظارة الرصد البصري المزدوجة مع رقيب و عنصرين محاطين بأكياس رمل بارتفاع نصف قامة على بعد سبعة أمتار من مجموعة هواءي الكشف والملاحقة والتوجيه ( طولها ٩ م و وزنها ٧ طن ) . سيطر في الأجواء الخالية من الطيران المعادي هدؤ ما قبل العاصفة . ظهرت في السماء بالعين المجردة طائرة استطلاع على ارتفاع عال جدا خارج نطاق نيراننا مخلفة خيط أبيض رفيع فوق سلسلة جبال سوريا- لبنان . توجست خيفة و صرخت في مكبر الصوت : الجميع إلى الخنادق عدا طاقم المحطة المناوب القتالي الذي كان برئاسة رئيس الأركان يتابع الموقف الجوي بينما الصواريخ في استعداد رقم واحد مشرئبة رؤوسها إلى السماء تتوق إلى الانطلاق و تنتظر أمر بالاطلاق .

في الساعة ١٢،٤٥ سمعت صفيرا حادا مفاجئا مر من فوق رأسي تلاه انفجار رهيب مدوي على بعد ستة أمتار يصم الأذان على أثره هوت مجموعة الهوائي العملاقة بكامل ثقلها على سقف كبين القيادة و بداخله طاقم العمل القتالي . بدأ الهوائي بالانفجار مطلقا شظاياه كمدفع رشاش في كل الأتجاهات . كما أدت موجة الانفجار إلى سقوط صاروخين إلى الأرض من على قاعدة إطلاقهما و تحطمهما وكذلك محطات الديزل لتوليد طاقة التغذية و انتفاخ جدرانها الحديدية و تحطم خزانات الوقود و انسياح ٣ آلاف لتر مازوت على الأرض واشتعال النيران فيها تحرق كل ما وصلت إليه . انا والرقيب و العنصرين لحظة الانفجار سقطنا في أرض دشمة النظارة التي لا يتجاوز قطرها متر و نصف متقوقعين على بعضنا البعض و ابواطنا العسكرية في رؤوس و بطون و مؤخرات بعضنا . كنا نسمع أصوات الشظايا تنهش اكياس الرمل من الخارج جاهدة الوصول الينا . أذكر جيدا أني نطقت الشهادة في سري وسلمت أمري إلى الله . بعد دقايق عم هدوء مطبق يتخلله أصوات فرقعة الحديد و راءحة الحرائق الناجمة عن المازوت الملتهب حولنا .

2020_2_3_21_36_27_925-740x470
للحظات أصابني ما يسمى في علم النفس زمن الحرب ما يسمى الصدمة النفسية الناجمة عن انفجار ضخم ، ممكن في كثير من الأحيان أن تؤدي شلل في التفكير وعدم السيطرة على النفس و فقدان الإحساس بالمحيط . لكن صراخ المساعد أول حسن عويد أفاقني و انتشلني من ذهولي المؤقت : وين الرائد ، مين شاف الرائد . قفزت واقفا وقد امتلكت نفسي تماما و نظرت حولي محاولا تقدير الموقف و اتخاذ القرار المناسب ، طبعا الكتيبة تعتبر مدمرة و أصبحت خردة حديد . اول شيء لفت انتباهي هو جثث شهيدين متفحمه تشتعل فيهما النيران كانت لعمال الديزل برتبة رقيب و عريف قذف بهما الانفجار من داخل محطة الديزل إلى سطح الأرض . بلا وعي وإدراك أخذت أحوال أطفاء الجسدين بيدي العاريتين بدون نتيجة إلى أن لمحت رفش قريب فأخذت أهيل التراب عليهما حتى سكنت السنة النيران ، و من ثم أعطيت أمرا بتشغيل محركات دخان التمويه الأبيض دلالة على أن الكتيبة قد دمرت .

في نفس الوقت شاهدت عناصر الطاقم القتالي يخرجون من محطة القيادة وهم يترنحون مصابين بجروح و رضوض بسيطة . لم أكن خائفا على الإطلاق ، كنت اتحرك و اعطي الأوامر بشكل أوتوماتيكي من وحي واجبي وضميري في المحافظة على أرواح العناصر المؤتمن عليها وأخشى ما أخشاه مصير كتيبة سرغايا من قصف طائرات الطاحونه الذي قد يأتي ، لذلك صرخت بأعلى صوتي : الجميع إلى الخنادق و الملاجىء ، ومن كان يسمعني يكرر إلى من حوله . صرخ أحد الضباط : سيدي أنظر إلى أسفل التل ، نظرت وإذ كالجراد كان سكان بلدة الديماس يتسابقون على السفح الينا حاملين المعاول و الرفوش ( دمعت عيني ، منظر لن أنساه ما حييت ) فزعه و نجده و مساعدة بعدما سمعوا صوت الانفجار وشاهدوا الهوائي يسقط و يختفي بعد أن تعودوا على رؤيته شامخا أعلى التل . هاد يللي كان ناقصنا ، قلت و في ذهني الطاحونه المرتقبة ، اختطفت بندقية كلاشن من يد أحد العناصر وأفرغت المخزن في الهواء فوق رؤوسهم صارخا مع اثنين من الضباط : عودوا ارجعوا ، جمدوا في أرضهم وعادوا . بعد إحصاء الخسائر و إجلاء الشهداء و الجرحى إلى مشفى ٦٠١ في المزة قمت بأعداد تقرير عن الأعمال القتالية و رفعه إلى قيادة اللواء ٥٥ . في ليل ٦-٧ حزيران تم إخلاء المربض المدمر بالكامل بحضور مجموعة كبير مهندسي اللواء وعلى رأسهم المقدم عبد الغني الجبان إلى موقع تبادلي خالي في الدلبه جانب مطار دمشق الدولي . في نهاية حزيران طلب مني قائد اللواء العودة إلى مربض الديماس المدمر مصطحبا معي ضابط التوجيه و قائد سرية الرادار وعمال الملاحقة و الانتظار هناك . انتظار ماذا ؟؟؟؟؟!!!!

بعد وصولنا إلى هناك استرجعت شريط الذكريات و وجوه الشهداء في ذاكرتي إلى أن لفت انتباهي ضابط التوجيه قاءلا : سيدي يبدو أنه لدينا ضيوف قادمون !! نظرت وإذ رتل من سيارات المرسيدس واللاندروفر يصل الينا بصحبة الشرطة العسكرية . توقف الرتل وترجل منه اللواء علي الصالح مدير إدارة الدفاع الجوي و بصحبته ضباط من الإدارة و ……. خمسة جنرالات سوفييت !!!!! حفلة سمر في ٥ حزيران ١٩٨٢ كانت هزيمة نكراء لسلاح الدفاع الجوي السوفيتي أوصلت سمعته إلى الحضيض . تبين أنهم لجنة تقصي الحقائق ودراسة أسباب و واقع ما حصل وأدى إلى هذه النتيجة . أرادوا استجواب و سماع قاءد الكتيبة الوحيدة التي أطلقت صواريخ قبل تدميرها . أديت التحية العسكرية معرفا عن نفسي والى جانبي على نسق معي عناصري وفي مقابلنا لجنة الحكماء الخمسة ( هكذا أسميتهم في سري ) ومعهم مترجم سوري و خلفهم اللواء و فريقه . بدأ طرح الأسئلة من قبل السوفيت حول مجرى وظروف العمليات القتالية بالتفصيل مع اسئلة فنية و أنواع التشويش الذي تعرضنا له و طرق تعاملنا معه و استثمارنا لطاقة و خصائص العتاد الفنية والتكتيكية . اول جنرال منهم يسأل سؤال يليه من آخر سؤال ثاني وهكذا إلى أن يصل الدور إلى الخامس الذي يعيد طرح السؤال الأول ، لعلي أناقض نفسي في الجواب . ساعة وربع من الاستجواب الذي لا يرحم مع صمت اللواء و من معه . في النهاية تقدم مني أقدمهم بالرتبة و صافحني و هو يشد على يدي مع كلمات المترجم : شكرا لك أيها الرفيق الرائد ، لقد قمت بعمل ممتاز و أديت واجبك على أكمل وجه ، ثم غادروا جميعهم .

النتيجة على الصعيد الشخصي والعبر مما حصل :
‏‫١ – في الحروب يوجد خسائر مبررة ومدروسة ، يغفرها لك التاريخ إذ يعقبها نصر مبين ( اجتياز قناة السويس ، خط بارليف في الجولان و تحرير مرصد جبل الشيخ ) و خسائر غير مبررة لا يغفرها لك التاريخ كان من الممكن تفاديها لو تم أتباع ألف باء العلم العسكري وفن إدارة الحرب . خسائرنا في الدفاع الجوي ١٩٨٢ لن يغفرها التاريخ لنا .

٢ – الضابط القائد الناجح يجعل المستحيل ممكنا ، لا يوجد جندي فاشل أو جبان يوجد قاءد فاشل و جبان .

٣ – إسقاط طائرتين للعدو و حصولي على وسام الشجاعة من الدرجة الأولى انضم إلى أخيه الوسام الحربي من الدرجة الأولى في حرب تشرين ١٩٧٣ برتبة ملازم .

٤ –  بعد شهرين من انتهاء حفلة سمر في ٥ حزيران ١٩٨٢ تم ايفادي بعثة ٤ سنوات دورة أركان حرب عليا إلى الاتحاد السوفيتي أكاديمية الدفاع الجوي في مدينة أوديسا على البحر الأسود .

=================================

أرجو أن تصل هذه الذكريات إلى رفاق السلاح في الجيش العربي السوري لتكون دروس و عبرة راجيا أن أنقل لرجال الدفاع الجوي الابطال شيء من خبرتي المتواضعة ، والمجد والخلود لشهداءنا القديسين الأبرار

 

download

هذا المنشور نشر في آراء الكتاب, المقالات. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to آراء الكتاب: حفلة سمر في ٥ حزيران — ١٩٨٢ الحرب المنسية … – بقلم: محارب قديم في الجيش العربي السوري

  1. Aboabdalaa.sa كتب:

    إهداء لقائد الكتيبة هذه ٥٩٤
    له ولجميع القوات العربية السورية
    ليعلموا مالهم من أجر عند الله فيزدادوا قوة وثباتا ونصرا :
    يقول النبي عليه الصلاة والسلام

    من شابَ شَيبةً في سبيلِ اللَّهِ تعالى ، كانت لَهُ نورًا يومَ القيامةِ ، ومن رَمى بسَهْمٍ في سبيلِ اللَّهِ تعالى بلغَ العدوَّ ، أو لم يبلُغ ، كانَ لَهُ كعتقِ رقبةٍ ، ومن أعتقَ رقبةً مُؤْمِنَةً ، كانت لَهُ فداءَهُ منَ النَّارِ عضوًا بعضوٍ
    الراوي : عمرو بن عبسة | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح النسائي
    الصفحة أو الرقم: 3142 | خلاصة حكم المحدث : صحيح
    التخريج : أخرجه الترمذي (1635) مختصراً، والنسائي (3142) واللفظ له، وأحمد (19437) مطولاً.

    في هذا الحديثِ يُعدِّدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم أبوابَ الفَضلِ والخيرِ الَّتي يَنبغي أنْ يَحرِصَ عليها المسلِمُ في تَحصيلِ الأجرِ والثَّوابِ العَظيمِ، فيقولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “مَن شابَ شَيبةً في سَبيلِ اللهِ تعالى”، أي: استوطَن الجِهادَ والغَزوَ حتَّى يَبدُوَ الشَّيبُ في شَعرِ رَأسِه أو لِحيتِه، وقيل: سواءٌ كان في الغَزوِ أو الحَجِّ أو طلَبِ العِلمِ، أو في الإسلامِ- كما في رِوايةٍ أخرى- “كانت له”، أي: كان أجرُه بكلِّ شَيبةٍ، “نورًا يومَ القيامَةِ”، أي: تُضيءُ له ظُلماتِ يومِ القيامَةِ.
    “ومَن رمَى بسَهمٍ في سَبيلِ اللهِ تعالى بلَغ العَدوَّ”، أي: أصاب به أحَدًا مِن العَدُوِّ، “أو لَم يَبلُغْ”، أي: لَم يُصِبْ به أحدًا مِن العُدوِّ، “كان له كعِتقِ رقَبَةٍ”، أي: كان جَزاؤُه وأجرُه كأجْرِ مَن أَعتَق وحرَّرَ مملوكًا مِن العبوديَّةِ. وفي روايةٍ: “مَن بلَغ بسَهمٍ في سَبيلِ اللهِ، فهو له درَجةٌ في الجنَّةِ”، وفي حديثٍ آخَرَ أخرَجَه مسلمٌ في صحيحِه قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: “أَلا إنَّ القُوَّةَ الرَّمْيُ، ألا إنَّ القُوَّةَ الرَّميُ، ألا إنَّ القوَّةَ الرَّميُ”؛ فبيَّن أنَّ الرَّميَ هو مِن القوَّةِ الحقيقيَّةِ في الحَربِ؛ لأنَّه أسرَعُ وصولًا للعدوِّ، وأكثَرُ إصابةً لهم مع حِفظِه للمسلمين والدِّفاعِ عنهم مِن بعيدٍ.
    ثمَّ قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: “ومَن أَعتق رَقبةً مؤمِنةً”، أي: حرَّر مملوكًا مِن العبوديَّةِ، “كانتْ له فِداءَه مِن النَّارِ عُضوًا بعضوٍ”، أي: يَنجو بعِتقِه للمملوكِ مِن النَّارِ، حتَّى تكونَ أعضاءُ المملوكِ فِداءً لأعضاءِ مَن أَعتقَه وحرَّره.
    وفي الحديثِ: فَضلُ مَن شابَ وهو على الجِهادِ، والحثُّ عليه، وكذلك
    الرَّميُ في سَبيلِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وعِتقُ الرِّقابِ .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s