هل ينتحر قيصر أم يموت قتلا ؟ الامبراطوريات تنتحر ولاتموت قتلا .. – بقلم: نارام سرجون

بعض قصص التاريخ وحكاياته وعباراته ستبقى تجلجل وتومض رغم صخب المستقبل وضجيج الحاضر وجلجلة الحضارات .. ولاتختفي تحت ركام الزمن والايام ومن هذه الحكايات حكاية يوليوس قيصر الذي قضى غيلة ومات مقتولا من قبل رفاقه وأصدقائه وهو اغتيال بمثابة انتحار لانه اوصل الجميع الي خيار قتله.. وذهب بنفسه الي حتفه رغم كل التحذيرات من مؤامرة .. ولكن اذا كان قيصر قد مات قتلا او ذهب منتحرا فمن قتل الحضارة التي قادها ذلك الجيل من الرومان؟ يجيبنا على ذلك المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي الذي يضعه المؤرخون بمنزلة كارل ماركس الذي تنبأ بالثورات الشيوعية واهتزاز الانظمة الرأسمالية لأن توينبي تنبأ بالحربين العالميتين الاولى والثانية .. وتنبأ أيضا بنهاية دولة اسرائيل ان عاجلا او آجلا .. وفي سياق قراءته للحضارات يقول توينبي عبارة تقشعر لها أجسام الامبراطوريات الصلفة فيقول: ان الحضارات تنتحر .. ولاتموت قتلا .. والدول التي تعيش زمنا امبراطوريا لايقتلها عدو بل تتصرف بطريقة انتحارية فلاتجد نفسها الا وقد قتلت نفسها ..

لايخالجنا شك أن أميريكا انتصرت في العراق .. ولكن حرب العراق هي التي أضعفتها ففيها أفلست الخزانة الامريكية وهي تنفق بلا حساب لشراء كل تكنولوحيا النصر والبقاء في العراق .. وحسب ارقام ترامب فان اميريكا أنفقت 7 تريليونات دولار في العراق .. وفي النهاية اضطر رئيسها ان يهبط سرا وفي جنح الظلام في البلد الذي كلف احتلاله أكثر مما أنفقه العالم في الحربين العالميتين الى جانب ما أنفقته اميريكا لتدمير الاتحاد السوفييتي ..

hqdefault


صحيح ان أميريكا انتصرت وكسرت عقدة فييتنام في العراق وظن الاميريكون ان هيبتهم عادت وبقوة وهم يشنقون الرئيس العراقي ويدمرون دولته وشعبه ويفرضون دستورا من أحقر دساتير العالم لاتقبل به حتى قبائل الادغال البدائية .. بحيث ان كل مواطن عراقي لاينتمي الى العراق بل الى مكونات كاريكاتيرية فيه ليست لها هوية .. وهذا ما لاتقبل به حتى البطاريق في القطب الجنوبي.
ولكن هذه الهيبة سرعان ماكسرت وتم اذلالها والجيش الاميريكي يتعرض لأقوى حرب عصابات ومقاومة شرسة اشرفت عليها المخابرات السورية والايرانية .. وصارت صورة الأميريكي في الافلام الاميريكة ليست رامبو ولا تيرمينيتور بل الجندي المحمول في نعش ويطير عائدا الى اميريكا ملفوفا بعلم .. ففي العراق مات رامبو الأمريكي ..
اليوم من الواضح تماما ان قانون قيصر هو قانون الهروب من الحرب والمواجهة .. فليس هناك أي احمق او مجنون يفكر ان يعيد تجربة العراق وينفق في سورية او ايران 10 تريليونات دولار ليعود جنوده ملفوفين بأعلام في نعوش .. وفي النهاية يهبط رئيس اميريكا في جنح الظلام سرا في مطار دمشق ويغادر قبل ان يعلن عن زيارته ..فمن السخافة ان تكون كلفة هذه الرحلة السرية المليئة بالرعب 10 تريليونات دولار وعشرات آلاف القتلى..
ولكن المحور الذي كنا نلومه ونعاتبه انه لايحرك ساكنا ويكتفي بالمراقبة وصلت اليه الهدية التي كان ينتظرها .. انه قانون قيصر .. الذي يعني ان اطلاق حرب تحرير على غرار حرب تحرير العراق .. فالقرار الان صار مدعوما شعبيا وله أنصاره في مختلف المستويات حتى على مستوى الحليف الروسي الذي يرى ان حليفه السوري انتظر حتى آخر لحظة لكي يخرج الاميريكي باتفاق يحفظ له كرامته وماء وجهه فلم يفعل .. واحترم السوري كل التزاماته التي لم تحاول احراج الجانب الروسي .. وهو اكثر تحررا منها الان .. ولايستطيع الروسي ان يعد الاميريكي انه لديه اي ذريعة ليطلب تهدئة الغضب السوري وعدم تفعيل حرب التحرير والمقاومة ..

downloadلارلا

الاميريكي ارتكب خطأين قاتلين في توقيت قاتل ولم يترك خيارا يحميه .. فهو بعد ان أعطى القدس والجولان لاسرائيل لم يترك خيارا للسلام يشاغل السوريين ويعدهم به كما فعل غيره أيام كلينتون وبوش الاب .. فعلى ماذا سيفاوض السوريون اليوم؟ والخطأ الثاني انه لأول مرة يمنع عنهم ماءهم ونفطهم وقمحهم في الجزيرة السورية ويؤسس لحكم انفصالي ويهاجم عملتهم الوطنية ورغيف الخبز .. وفوق هذا أطلق قانون قيصر ..
ومعادلة الوضع السياسي صارت واضحة للجميع وهي ان الاميريكي لايريد حربا ولايريد مفاوضات بل ابقاء الوضع على ماهو عليه .. فيما ان الجانب السوري لم يعد لديه سوى خيار الواجهة وهو الممر الاجباري الباقي والمتاح .. لأن غير ذلك يعني استسلام الدولة والمجتمع وهدر دماء عشرت آلاف الشهداء الذين استشهدوا في معركة استقلال القرار السوري ورفض الخضوع للارهاب الاميريكي في الربيع العربي ..
الآن صارت المعركة التي طال انتظارها مبررة ولها شعبيتها وجمهورها ووسائلها وحلفاؤها ونضجت كل ظروفها النفسية والموضوعية والعسكرية .. والشعب السوري وقف الى جانب دولته في قرار التحرير من الارهاب طالما انها التزمت به وأثبتت ذلك ولم يكن مجرد شعارات .. ولكن تراجعها امام قانون قيصر دون حرب تحرير سيضعف التفافه حولها ويجعلها تبدو وكأنها لاتكترث .. بل على العكس فان قانون قيصر سيساعد الدولة السورية على تحشيد الراي العام السوري لدعم مواجهة مع الاميريكيين في الاراضي السورية على شكل حرب عصابات شرسة .. لأن حرب التحرير ماقبل قانون قيصر كان من الممكن ان يقول البعض فيها ان الدولة استفزت الاميريكيين لاطلاق قانون قيصر وهي التي تسببت به وبكل تبعاته .. ولكن الصبر الاستراتيجي السوري كان في محله .. فالشعب السوري يرى انه لم يتم استفزاز الاميريكيين رغم انهم قوة احتلال ويرعون قوى انفصالية .. ولكن قانون قيصر جاء كهجوم شامل وسلاح تدمير شامل على الناس دون ان يستفز أحد الوجود الامريكي سوى بشكاوى الى مجلس الأمن .. وسيكون قانون قيصر وقود العمليات العسكرية .. ولاأظن ان هناك وقتا افضل لها من الآن حيث يخشى الرئيس الامريكي منظر النعوش الملفوفة بالأعلام قبل الانتخابات الامريكية .. وغالب الظن ان الامريكي سيلجا الى المعطف الكردي حيث سيدفع بالاكراد ليكونوا في المواجهة في الصفوف الاولى لتلقي الضربات ريثما تنتهي الانتخابات الامريكية وهو يورط الاكراد في قرارات الحصار ويستدرجهم ليوجه الانتقام السوري اليهم .. وأوعز سلفا للسعوديين بشراء العشائر العربية بالسخي من المال للوقوف على الحياد .. فوقوف العشائر على الحياد سيقلل من فاعلية تحرك النشاطات المقاومة .. اي كما فعل الجنرال بترايوس لمواجة المقاومة حيث اسس الصحوات التي كانت مشاريع استيعاب للعشائر العراقية في كيانات مقاتلة تقف حائلا بين الاميريكيين والمقاومين الذين نسبوا ظلما الى القاعدة .. وكانوا في معظمهم وطنيين عراقيين .. وستكلف تركيا بالتباطؤ في ملف ادلب وتركه مفتوحا كي يتم ابتزاز السوريين به في حال حركوا تمردا في الجزيرة والتنف ..
من خلال معرفتي بالديبلوماسية السورية فانها تحركت حتى اليوم بخطوات محسوبة .. ولذلك لايستطيع الاميريكي المراهنة على الاكراد والعشائر .. فهناك من يعمل بنفس طريقتهم .. ولايستطيع ان يراهن على ادلب كثيرا لأن هناك كثيرا من التسريبات التي تقول ان تركيا افرغت جزءا من ادلب من المقاتلين وان روسيا لم تناوئها في ليبيا لان تركيا تطلب ان تترك لها حصة في ليبيا مقابل الخروج النهائي من سورية .. اي سيبيع الاتراك ادلب مقابل عظمة في ليبيا .. واذا صح ذلك فان تركيا قد تظن انها تمكنت من الحصول على صفقة .. ولكن اخراجها من ليبيا سيكون ملفا آخر يتولاه فريق آخر..

اذا كسرت أميريكا في الشرق السوري وهو اليقين الذي سيكون فانها ستكون قد تحولت الى امبراطورية مثقوبة بالهزائم والمسامير على طول السنوات العشرين الاخيرة .. وهي اليوم تخوض مواجهتها الكبرى مع الصين .. وتستعدي روسيا والصين وايران وكوريا الشمالية وفنزويلا ودولا اخرى في العالم .. وهذا وحده نصف العالم .. وسيصح فيها ماقاله توينبي عن نهايات الحضارات .. بأنها (تنتحر ولاتموت قتلا) .. فهي تقاتل على كل الجبهات وتخسر ..

وهذا ماحدث مع الاتحاد السوفييتي الذي وصل الى الفضاء قبل الجميع فصار يتصرف على اساس انه لايقهر طالما ان نبيّه ماركس تنبأ له ان الرأسمالية تحفر قبرها بيدها .. فلم يبادر الى تجنب الفخاخ الكثيرة التي اعترضته وكان بامكانه تجنبها .. فلم يجد نفسه الا وقد انتحر بالبيريسترويكا والغلاسنوست .. واميريكا ظنت بغباء انها بلغت نهاية التاريخ .. ولكنها في الحقيقة نهاية تاريخها كامبراطورية ..

ان قانون قيصر سيقتله السوريون ولكنه هو نفسه قانون انتحار امريكي في الشرق لأنه سيكشف وهن اميريكا التي لن تقدر على الخروج الى اي حرب ولن تقدر على البقاء .. فهل هذا الا مظاهر الانتحار الامبراطوري للامريكيين ؟

هذه الارض المعروفة بالهلال الخصيب التي يريد الامريكيون اذلالها هي الأرض التي عرف فيها العالم معنى الخلود واكتشف طريق الخلود الامبراطوري وامسك فيها اوتانبشتيم نبتة الخلود .. هذه الارض هي المكان الافضل لانتحار الامبراطوريات الخرقاء والتي تعيش رعونة أخلاقية .. فهل يدرك الامريكيون أي ورطة وقعوا فيها؟

هذا المنشور نشر في المقالات, بقلم: نارام سرجون. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to هل ينتحر قيصر أم يموت قتلا ؟ الامبراطوريات تنتحر ولاتموت قتلا .. – بقلم: نارام سرجون

  1. غ ر كتب:

    شكرا لكم الإستاذ نارام

    كما قتل قيصر القديم بالخناجر العديدة سيموت قانون قيصر بعدد من الخناجر وافضلها الخنجر السوري المصنوع من الفولاذ الدمشقي الشهير(Damascus steel). ولاكن قبل الموت سيظهر قيصر ك ملكة بثينيا ( Queen of Bithynia) لالدواعش(Nicomedes) ليتكفلو به حسب الرواية*.

    https://en.m.wikipedia.org/wiki/Julius_Caesar

    Indeed, Suetonius says that in Caesar’s Gallic triumph, his soldiers sang that, “Caesar may have conquered the Gauls, but Nicomedes conquered Caesar.”[147] According to Cicero, Bibulus, Gaius Memmius, and others (mainly Caesar’s enemies), he had an affair with Nicomedes IV of Bithynia early in his career. The stories were repeated, referring to Caesar as the Queen of Bithynia, by some Roman politicians as a way to humiliate him.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s