تركيا أمّ الفرص الضائعة .. من الرجل المريض الى المرأة المجنونة – بقلم: نارام سرجون

الجنون والمرض لايقتصران على الافراد بل يتحولان الى وباء وجائحة تصيب الامم .. ويكفي ان يكون في الامة مجنون واحد على رأس الهرم حتى تصبح كل الامة مصابة بالجنون .. ومنذ مائة عام أصيبت الخلافة التركية بالمرض العضال ورقدت في فراش المرض وأقفل عليها العالم غرفتها كما يحجر على المرضى المصابين بالأمراض المعدية كالسل والجذام .. والكورونا .. ولكن عندما فتح الباب بعد مئة سنة انبعثت من الداخل رائحة عفنة وأصوات مضطربة .. فعرفنا أن المريض اشتد عليه المرض وأصابه الهذيان والجنون ..

عندما أنظر اليوم الى الأتراك أعرف انني أنظر الى دولة تستحق بجدارة لقب أمّ الفرص الضائعة .. وهذا ليس بغريب على الرجل المريض الذي تركناه على فراشه في الحرب العالمية الاولى والذي لايزال مريضا بل ان الحقيقة هي ان مرضه اشتد أكثر واذا لم يسعف بسرعة فانه سيصير الرجل الذي أصيب بالجنون ..
الجنون هو ان يظن الانسان ان ثروته من الطيور ليست التي في يده بل هي التي على الاشجار والتي تحلق في السماء مهاجرة من قارة الى قارة .. بل ويفتح الاقفاص للطيور التي في حوزته كي تحط على الاشجار او تهاجر لأنه يملكها اينما كانت اجنحتها تخفق في أي سماء او فضاء ..

a010e7f61351f7d90238


تركيا وصلتها أكبر واثمن فرصة في تاريخها الحديث منذ ان سقطت السلطنة .. وهي سلطة القوة الناعمة وسلطة الحاجة اليها .. فالعرب والشرق كانا بحاجة ماسة اليها .. لأنها كانت ستجعل توازن الشرق مع اوروبة معتبرا اذا ماانضمت الى الكيان الشرقي بقوميتيه الرئيسيتن العربية والفارسية .. وكان بالامكان تشكيل اكبر سوق مشرقية بين البحار الخمسة تحوّل فيها تركيا الى حجر الرحى ..

وكانت الحاجة الى تركيا ماسّة لتحدث توازنا في الصراع مع المشروع الصهيوني .. ولو انضمت الى محور المقاومة لأحدثت خللا كبيرا في الموازين لصالحه ولتحولت تركيا الى أهم دولة تحكم الصراع وتتحكم فيه وتكون القاضية فيه ..تصبح غاية اوروبة ان تساومها على العضوية الفورية مقابل ان تبيع هذا التحالف ..

وكانت حاجة الشرق الى تركيا ماسة في الصراع السني الشيعي الذي أطلقته الولايات المتحدة في غزو العراق .. ولذلك تهافت اليها الجميع لأنها كانت عضوا وعاملا حاسما في اخماد هذا الصراع بما تمثله من ثقل سني وتاريخ عثماني يدغدغ الاسلاميين السنة ويجعلهم يحسون انهم ممثلون في المنطقة وليسوا محرومين منه كما صورت لهم اميريكا الامر عندما صورت انهاء حكم صدام حسين انه مشروع لتحجيم السلطة السنية في الشرق وأتبعته بمؤامرة قتل الحريري لتثبيت هذا الشعور بالايحاء ان قتله خدم الهلال الشيعي .. ولو نزلت تركيا الى الارض بصدق واخلاص وأخذت الوجع السني من يد اميريكا لما وقعت الكارثة المذهبية التي راح ضحيتها مليونان من العراقيين وعشرات الالاف من السوريين ولكانت زعيمة الاسلام السني بلا منازع والمدللة لدى الاسلام الشيعي ..

أهمية الدول والامم والجماعات والحاجة الى أدوارها هي التي تعطيها قيمتها وفرصها النادرة في التاريخ .. وهذه هي التي تسمى الفرص التي تأتي مرة في العمر .. فاليهود اقتنصوا فرصتهم التاريخية من حاجة اوروبة الماسة للبقاء في الشرق عبر وكيل معتمد يمثل رأس حربة وجسر على الارض في المشرق .. دون الحاجة للاوروبيين كي يبقوا ويحاربوا .. فقبل اليهود بوظيفة حارس مصالح الغرب مقابل عقد تخادم مع الغرب واقتنصوا تلك الفرصة التاريخية وقبلوا ان يسكنوا اكبر قاعدة عسكرية في التاريخ هي اسرائيل الثكنة عسكرية والتي كل من فيها محارب وحارس مسلح ويصله مرتبه من دافعي الضرائب في الغرب ..

فلذلك فان تركيا وصلت اليها – بعد مئة سنة من الاذلال في معاهدة لوزان – فرصة العمر المتمثلة في انها كانت حاجة ماسة للشرق في محور المقاومة الذي انفتح عليها .. وحاجة ماسة لاقتصاد الشرق الذي وضعها في مقام العضو الحيوي الأثير في مشروع البحار الخمسة .. وحاجة ماسة في الصراع العربي الصهيوني الذي تمثل في اصرار السوريين على منح تركيا دور الوسيط المطلق الثقة في مفاوضات السلام .. وكان اي عرض يصل خارج الوساطة التركية يرفض ويحال ليعرض على الاتراك ليقدموه للسوريين باسمهم .. وذلك من أجل ان يخرج الرجل المريض من غرفة المرض ومن اجل ان ننعشه ونبعث فيه الامل ونعيد اليه ثقته بنفسه ونعطيه فرصة العمر ليعيش بكرامة في الشرق كصديق وليس كعدو .. ولكن ذهب كل ذلك ادراج الرياح .. فقد أخطأ الاتراك الحسابات وباعوا كل شيء مقابل الوهم .. الوهم الذي لايقبل به الا المجانين ..

فكيف صدق الاتراك ان الغرب الذي دمرهم ودمر امبراطوريتهم سيساعدهم على الخروج من اطار معاهدة لوزان ويعيد اليهم املاكهم في الشرق العثماني القديم؟؟ وكيف صدقوا ان الغرب دمر الشرق في مشروع الربيع العربي كي يقدمه لهم ملفوفا بعلبة حمراء ويترك لهم امر تصريف أموره ..؟؟ وكيف صدقوا انهم سيكونون وكلاء على طرقات التجارة في الشرق والماء والنفط والغاز ويملكوا قرار 200 مليون مشرقي تحت راية عثمانية دون ان تخشى اوروبة من هذه القوة الكبيرة التي بيد عدوهم القديم؟؟ بل وكيف ستقبل اسرائيل بأي كيان كبير وموحد ينافس سيطرتها على الشرق وهيمنتها العسكرية؟؟ وكيف نسي الاتراك ان مشروع الوحدة بين سورية ومصر أجهض .. وبين سورية والعراق أجهض .. لأن اي قوة اقليمية كبيرة سيهدد من نفوذ اسرائيل وهيمنتها .. فكيف سيسمح لتركيا بكسر القاعدة؟؟ وكيف نسي الاتراك ان العراق الكبير لايزال يزعج الغرب ويعمل على تقسيمه كل يوم مرة بمشاريع داعشية ومرة بمشاريع كردية ؟؟ وكيف نسي الاتراك ان سورية نفسها ولبنان تعتبر كيانات كبيرة طالما انها موحدة ويمكن ان تشكل خطرا .. فمرة يحاولون تقسيم لينان ومرة تقسيم سورية؟؟ فلماذا يصدقون انهم سيتركون لهم مشروع توسيع تركيا وفق الميثاق الملي يتمتعون به؟؟

ErdoganTrumpSpatterOctover

مايدعو الى الشفقة والرثاء هو تلك الصورة للرجل المجنون اردوغان .. الذي يمثل تركيا وريثة الرجل المريض العثماني والتي صارت اليوم (المرأة المجنونة) .. فهو يعرض على الاتراك مشروعه الملّي وتوسيع الاراضي الذي سيتحقق في خارطة عام 2023 على حساب سورية والعراق بعد نهاية اتفاقية لوزان .. وهو يوزع الجنون على الشعب التركي ويبيعه الوهم دون ان يقول له كيف سيحقق هذا الحلم فيما سورية والعراق وايران في طريقه عداك عن روسيا .. وكيف سيحققه وهو يعلن الحرب على السعودية ومصر وقبرص واليونان وليبيا؟؟

المجنون لو كان حصيفا وعاقلا فانه كان يمكن ان يحقق مشروعه بسلاسة ودهاء وبقوة ناعمة ويتحدى اوروبة والعالم فيما لو تحالف مع محور المقاومة ولو اقتصاديا عبر مشروع البحار الخمسة ومشروع الانخراط الصحيح في الصراع العربي الصهيوني دون الخوض في الحروب والصراعات المذهبية .. فالسيطرة غير المباشرة هي الاهم كما تفعل بريطانيا واميريكا في دول الخليح التي تتصرف كأنها مستقلة ولكنها مربوطة بسلاسل اتفاقيات وحماية مع الغرب ..

thumbnailلات

اردوغان ليست في يديه اية عصافير .. ولكن في عقله عصافير كثيرة .. وحول تركيا الى عصفوية .. واذا كان اردوغان يظن انه في عام 2023 سيمسك بكل العصافير التي طارت عام 1923 وحطت على الشجرة او التي تطير في السماء فلاشك انه مجنون سيقود تركيا الى تجربة صعبة هي تجربة الجنون الاممي وهي أعلى مراتب الجنون .. ولكن لاأشك انه لن يصل الى عام 2023 وستتم ازاحته بطريقة او بأخرى .. لأن من يفكر في تغيير الخرائط القديمة للحربين العالميتين الاولى والثانية لاشك انه يمس عصبا قاتلا لاوروبة التي لن تسمح للرجل المريض ان يخرج خارج غرفته .. ولو اقتضى الامر حقنه بجرعة قاتلة في تنفيذ حكم بالاعدام من بعد طول العمر .. هذا مايستدعي ان يطلق على تركيا (أمّة الفرص الضائعة) .. او اليوم (المرأة المجنونة) ..

هذا المنشور نشر في المقالات, بقلم: نارام سرجون. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s