تحية الى مصر .. من سورية – بقلم: نارام سرجون

اذا كان علينا ان نراجع فترة الحرب فان في المراجعات خلاصات وعبرا .. والخلاصة التي خرحنا بها في هذه الحرب هي ان معظم دول العالم انخرطت في نشاطات كريهة وحمقاء ورعناء وطائشة ضد الشعب السوري وتسببت بماساة الحرب وتفاعلاتها .. ولكن الى جانب الألم والموت والدمار فان الوجع الكبير تجلى في اذلال السوريين الهاربين من جحيم الحرب .. عملية عرض السوريين في أسواق العرض والدعاية والتجارة كانت في جانب منها للثأر من هذا الشعب الأبي العزيز الكريم الذي كان فخورا ببلده وبأنه لايتسول ولايركع ولاينحني الا لله .. ورغم ان هناك معارضين ومسلحين خرجوا الى دول مجاورة بانتظار العودة على متون الدبابات الامريكية وعلى أجنحة صواريخ كروز الامريكية فان غالبية كبيرة من السوريين تم تهجيرهم بالارهاب والتوحش الذي مارسته المنظمات المسلحة الاسلامية الوهابية والاخوانية الرهيبة التي كانت تشرف على تدريبها وتوحشها سرا شركة بلاكووتر الامريكية .. فكان هذا طبيعيا بحيث ان مدنا تعرض رؤوس الرجال على الارصفة وتستعرض المصلوبين وتقطع الايدي وتسبي النساء لابد ان يتركها أهلها المدنيون اذا لم تكن لديهم قدرة على القتال ..

egy


لكن السوري الذي غادر وطنه الى دول الجوار كان يعرض في اسواق الأمم المتحدة ومعسكراتها كما تعرض الحيوانات في الاقفاص .. وتحول السوري في هذه البلدان الى سلعة للتجارة والدعاية الرخيصة ووسيلة لابتزاز العالم والحصول على المساعدات والقروض والتسول باسم السوريين الذين كانوا يطلق عليهم اسم لاجئين للدلالة على انهم فقدوا صفاتهم كمواطنين لدولة موجودة .. وفي معسكرات التسول وأقفاص الحيوانات كان المهووسون بالخدم والجنس في مخيمات تركيا والاردن يتجولون ويشترون العمال الرخيصي الاجور والنساء كمن يشتري الماشية .. ويتشدق بعض المهووسين بالجنس عن زواج السترة فيتزوج التسعيني من فتاة مراهقة بذريعة سترها .. وكأن السترة لاتمكن الا في المضاجعة في الفراش ..

وفي تركيا حدث العجب العجاب .. فرغم ان كثيرا من السوريين احسنوا الظن بالجار المسلم التركي الاردوغاني فان الايام أثبتت انهم لم يكونوا على صواب .. فتركيا التي سرقت معاملهم ومصانعهم ومواردهم وقمحهم وكل منتجات أراضيهم وهربت اليها كل أموالهم واستثمروا فيها الا انها وبعد أشهر قليلة بدأت باستغلالهم ومعاملتهم بجفاء وقسوة وارتفعت بينهم كل اعمال الجريمة العنصرية التي قام بها العنصريون الاتراك .. وبلغ سوء استعمال اللاجئ السوري واحتقاره حدا مقرفا رغم كل محاولات الاخوان المسلمين اشاعة ماسموه الاخوة التركية السورية وحكاية المهاجرين والانصار .. فالسوري في السياسة الرسمية التركية تحول الى شخص متعدد الاستخدام .. فهي تذله في معسكرات اللجوء التي شبهها البعض بالزرائب الضخمة وتمنع تنقله كما حيوانات المحميات الطبيعية .. وكلما غضبت بلدية تركية من سلوك بعضهم تشحن السوريين فيها بالشاحنات وتلقي بهم خارجها .. واذا غضب اردوغان من اوروبة دفع بآلاف من السوريين ورمى بهم في البحر كما ترمى الجرذان وهدد بهم اوروبا .. ولايتوقف عن القائهم في البحر واغلاق المنافذ الا اذا قبض ثمنهم .. واذا اراد مالا عرضهم في أوضاع مزرية مبكية وقايض وفاوض على صفقات البيع .. واذا اراد النجاح في الانتخابات زج بهم واذا حدث انقلاب عليه زج بهم في المظاهرات والمعارك .. واذا اراد التشنيع على الروس والحكومة السورية رمى أطفالهم في البحر ثم التقطهم على ضفاف البحار ووزع المناشير التحريضية .. واذا اراد محاربة الاكراد أخذ ابناء السوريين كمقاتلين في الصفوف الاولى واستعملهم ككاسحات الالغام أمام قواته .. واذا اراد التوسع في شمال افريقيا اخذهم معه الى الصحراء ورمى بهم الى قلب التهلكة ولم يبال .. واذا اراد صنع حواجز ديموغرافية أخذهم معه بأطفالهم وحقائبهم وزرعهم كما تزرع أخشاب السياج في أرض ليس فيها من يحبهم .. واذا اراد احتلال او تتريك جزء من سورية أعطاهم جنسية تركية فقط كي يسرق بهم ارضهم .. واذا اراد الاتراك ممارسة العنصرية والاستعلاء وعقدة الكراهية ضد العرب لم يجدوا الا السوريين ينكلون بهم وينتقمون منهم ويقتلونهم ويرمونهم في الآبار والانهار ..

وفي لبنان الشقيق حدث ولاحرج عن التجارة بالرقيق الابيض السوري .. وسترى كيف ينام اللاجئون في خيام لاتنام فيها حتى الضباع .. برد وثلج وامطار واذا مرضوا ماتوا من دون علاج .. وسياسيوهم لايسمحون لهم بالعودة لأنهم يقبضون ثمن هذا اللجوء في أرصدتهم .. وفوق هذا يلقون عليهم اللوم في في كل مشاكلهم الاقتصادية والبيئية والارهابية والصحية .. حتى كلب وليد جنبلاط مات بسبب السوريين !!!
أستطيع ان أحدثكم عن كل بلد ومالاقاه السوريون من اذلال وغيرة وتشف .. الا في مصر .. فرغم بعض محاولات مبعثرة باهتة لاثارة الجدل بخصوص الوجود السوري على أراضيها فانها لم تتعمد الى اتخاذ اجراءات قاسية بحقهم .. وفيها لم تطلق عليهم كلمة لاجئين بشكل منفّر في الاعلام الرسمي للتحريض عليهم واذا ذكرت الكلمة فبشكل خجول .. وعوملوا كضيوف كرماء .. وأعطوا المجال للعمل والتجارة وتقديم مالديهم من ابداعات ونشاط .. ولم نسمع بأن مصر تشتكي من اللاجئين وأنها تطلب مساعدات دولية ولم ترم بهم في البحر ولم تستغل حاجتهم للملاذ فتجندهم في حروبها في سيناء او في اي مكان .. ولم تحرض عليهم ولم تشتك منهم ولم تلق عليهم باللائمة في اي مشكلة تعاني منها أو ضائقة بل انها نشرت ثقافة شعبية تدعم السوريين وتشيع الحقيقة بأنهم شعب خلاق ومبدع ومجتهد ووجوده قيمة مضافة ثمينة وليس عبئا ناهيك عن انها مكسب لمصر .. التي كانت متوازنة في احتضانهم مؤيدين ومعارضين .. وقلما سمعت شكوى من أحدهم ..

الحقيقة ان هذه التجربة تستدعي منا ورغم كل الخلاف في وجهات النظر حول السياسة الخارجية لمصر وتحالفاتها تستدعي منا أن نعترف ان الموقف الشعبي والرسمي للدولة المصرية من الوجود السوري على الارض المصرية كان لافتا وجديرا بالتقدير والاحترام .. ويجب ان نقدر أن الشعب المصري مع الجيش المصري قاما باقتلاع حكم الاخوان المسلمين في مصر اقتلاعا مثيرا للدهشة عندما قرر الاخوان اعلان الحرب على سورية في خطبة الملعب الشهيرة للخائن محمد مرسي الذي اراد ان يصادق شعب الله المختار ويعلن الحرب على الشعب السوري فقط لغايات اخوانية رخيصة .. ولولا ذلك كانت ضراوة الحرب على بلدنا أشد واقوى .. ولاشك أننا كنا سننتصر ولكن الحرب ستكون اطول وخسائرها أكبر على مستوى المنطقة التي كانت ستنجرف الى حرب دينية قذرة واسعة جدا ..

4f0cb8ba9c67ef5109b8a7b9de491433

واذا اردت ان تعرف حقيقة الوجود السوري في مصر وطريقة تناوله فما علي الا ان تستمع الى هذا البرنامج للفنان القدير والكبير محمد صبحي الذي بث في ذروة الحرب على سورية قبل سنوات .. وقد داخلني احساس عندما رأيت هذا البرنامج انني عدت وعشت ساعتين في زمن الرئيس جمال عبد الناصر .. وفي لحظات مؤثرة جدا لمست في مصر تلك الروح العروبية التي يحاول البعض اخفاءها .. وقررت أن أكتب هذا الاعتراف والتقدير لشعب مصر الذي نحبه .. ولجيش مصر الذي رفض ان يرفع سلاحه في وجه أخيه الجيش السوري .. ونتمنى ان تلتقي البندقيتان معا من جديد نحو نفس العدو .. الاسرائيلي والتركي .. ونتمنى أن تنهض مصر من هذه المرحلة من الحصار السياسي التي أدخلتها بها معاهدة كامب ديفيد .. والتي أوصلتنا جميعا الى مرحلة الربيع العربي وأوصلت مصر الى الحصار التركي من ليبيا والمائي في أعالي النيل .. فغياب زخم المشروع القومي الكبير شتت الأمة والجماهير وجعل التناقضات المجتمعية تظهر .. فبعد ان كان التناقض مع العدو الاسرائيلي يلغي كل التناقضات الداخلية فان غياب العدو عن الذهن جعل المجتمعات تتفجر من الداخل بتناقضات كانت طبيعية وصارت مرضية ..

تحية لمصر .. وتحية لشعبها .. ولجيشها ..

 

 

======================================

سؤال للمعنيين السوريين في وزارة الاعلام .. ألا يستحق هذا الفنان الكبير الملتزم الذي لم يتخل عن الالتزام بقضايا الانسان المشرقي ان تتم دعوته الى سورية؟ .. فهو الذي ذهب الى العراق أيام الحصار .. وهاهو في ذروة الحرب يعلن: هنا دمشق من القاهرة ويقدم برنامجا رائعا اسمه (في حب سورية) .. كان مخلصا فيه وصادقا ورائعا ومبدعا .. وانسانا .. ويستحق تكريما يستحقه الشجعان والفرسان فقط ..في زمن سقط فيه فرسان الخشب الذين كانوا على موائدنا ليل نهار .. نخلع عليهم ونلبسهم القصب الموشى بالذهب ونمنحهم الالقاب ..

هذا المنشور نشر في المقالات, بقلم: نارام سرجون. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to تحية الى مصر .. من سورية – بقلم: نارام سرجون

  1. سلمى كتب:

    “احسنوا الظن بالجار المسلم التركي”
    ذكرتني هذه الجملة بالمنهاج المدرسي في السبعينات لا أعرف إذا تغير الآن أو لا.
    في كتاب التاريخ درسنا الإستعمار الفرنسي في سوريا والحكم التركي العثماني! وكأن الأتراك الذين احتلونا 400 سنة ليسو بمستعمرين.
    الى اليوم مازلنا نرى مسلسلات على فظاعة الإستعمار الفرنسي الذي دام ٣٠ سنة وتقريبا لا شيء يذكر عن العثمانيين.
    طبعا السبب هو أن الأتراك هم مسلمون مثلنا!!!
    وكل شيء يمس الدين الإسلامي هو حساس جدا في مجتمعنا اللذي ما زال الدين يتحكم بحياته اليومية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s