آراء الكتاب: لبنان بين وعي المقاومة و بلاهة العبيد – بقلم: محمد العمر

كنت دائما أرى في قبائل الخليج عار هذه ” الأمة ” ، و مهد عارها ، و لم أمنع نفسي عن الشعور بالنفور من أخويتهم كل مرة أرقب فيها أعمالهم و مواقفهم ، أخويتهم التي لم تتجاوز يوما حدود العاطفة المقززة المبثوثة في الكتب و الخطاب الإعلامي كمحاولة لاستثارة الحماس الخالي من المضمون و تكريس قرابة لا تمت للواقع بصلة .. إن التاريخ و الدين و الدم ” و حتى لحم الخنزير ” كان لها دائما حكاية أخرى تفعل غير المرجو من ذكرها و تردادها كعوامل مقربة ، و قد يظهر هنا ما في لفظة ” أمة ” من التباس فهي ليست جامعة و مكوناتها لم تقبل الاجتماع يوما ، هذه حقيقة و ليست تهمة أو تعديا على مقدس ، إنها في واقعنا لفظة منقوصة المعنى و تكاد أن تكون مصطلحا لا يدل على شئ يعتد به في معايير وجود الأمم و إذا ما قصد بها للدلالة على الأكثرية عددا فمعناها وقتئذ يستدعي الخجل لا أكثر ، أقول هذا و أنا أعلم أن ما هدف إليه أعداؤنا هو إضفاء صفة اللامعنى و العبث على وجودنا من خلال ما تظهره الأغلبية المجنونة من أتباع القبائل ، و أقول هذا و لا شئ يثني يقيني الذي تأكد بأضعاف خلال السنوات الأخيرة من وجود أمة أصيلة حية تمثلها قلة أخلاقية إنسانية مقاومة منتشرة بإرادة ما في كل الأرض العربية ، قلة لا تؤخذ بالأديان كما تؤخذ بالعروبة و لا تؤخذ بالعروبة كما تؤخذ بالإنسانية بكل بهائها مجلية صفات الكرامة و التضحية ، هي فقط ما يعتد به و لا عبرة أبدا بالكثرة التي كما قال نيتشه ” الكثرة تغلب ” .. الكثرة عندنا الأشبه بالحشرات التي وجودها يحجب الضوء الذي يكفي منه أن يظهر شعاع 

thumbnail (1)

لبنان هو امتداد لذلك العار ، هو خلاصته و أبرز تجلياته و مثال مصغر عن القبلي العبد كائنا ما كان دينه ، و لكي تنظر إلى لبنان ” العار ” عليك أولا أن تبعد جانبا تيار المقاومة الأشبه بخمار جميل ، خمار من ذهب ، ألقي عنوة على وجه امرأة قبيح ، فترى لبنان بأسره يبدو كالمؤامرة ، كإسرائيل الفكرة المزروعة لتثبيت الفتن
سأقتصر بكلامي السريع على نخبه لأنهم الصفوة و الزبدة التي تسارع للظهور إثر كل خضة يتعرض لها ذلك الخليط المتجانس من أحط الأخلاق الذي تسوده البلاهة كسمة بارزة ، النخب اللبنانية تظهر البلاهة مجسدة ككائن حي ، بله في تصريحاتهم و بله في عنترياتهم و في ابتساماتهم التي يتصنعونها ليزيدوا مريديهم افتتانا ،  يتفقهون بالكرامة و هم رموز للتبعية ، يحاضرون بالديمقراطية و ينتقدونها لدى الآخرين و أحزابهم تورث للولد و لولد الولد ، يسعون للظهور بمظهر الإنسان المتحضر و ترحيل زبالتهم يخضع للتوازنات الطائفية .. في لبنان إذا كان البواب من طائفة ما فعلى الباب أو الشباك أن يكون من الطائفة الأخرى و إلا اهتز توازن العالم و تعرضت ” الحالة اللبنانية النموذج ” التي يفاخرون بها للخطر ، إذا تحدث أحدهم في شأن ما فعليه أن يقحم كلامه بمفردة أجنبية فيشعر الحاضرون أنهم من سكان باريس أو لندن و تغمرهم حالة من الفرحة و الرقي
ربما لا حاجة لذكر المزيد من تفاهاتهم المعهودة و لكن استوقفني في الأمس خبر تجمع بعض اللبنانيين أمام السفارة الأمريكية و هم يرفعون علم أمريكا بفخر تعبيرا منهم عن رفضهم ” للتوجه شرقا ” رغم أن أمريكا لم تقدم يوما لهم أي مساعدة تدعم اقتصادهم أو قوتهم و لمطالبتها بتطبيق القرار الخاص بنزع سلاح المقاومة ، الذي بما يعنيه يمثل مصدر شرفهم الأوحد ، كأن الشرف عبء ثقيل لا يحتمله اللبناني ، حدث هذا في ذات اليوم الذي كان يحرق فيه العلم في أحد شوارع أمريكا في ذكرى استقلالها ، دون مقارنة بين الحدثين و لكن كإشارة لمدى السخف الذي يتشبع به الطبع اللبناني و الذي أصبح كغريزة أساسية لا يستوي وجودهم بدونها ، و تلاحظ عندهم حالة عجيبة تثير الاشمئزاز هي أنهم في اندفاعهم الدائم للتعبير عن تبعيتهم يشعرون بشئ من التملك ، التبعية تزيدهم شعورا بالقوة
كان التمهيد الإعلامي لقيصر يترافق مع إجراءات فعلية على الأرض تمثلت في جانب منها بأخذ لبنان كله بأيد لبنانية نحو الانهيار الاقتصادي ، أخلي المركزي اللبناني من الدولار و أختفت الودائع و أوقف تمويل القطاعات الحيوية كالدواء و الوقود حتى وصل الأمر بنبيه بري أن طالب مرتين زعيم المركزي بمعرفة مصير الودائع ، تم هذا ترافقا مع احتجاجات شعبية محقة رفعت إحداها شعارا رائعا ” لا لحكم المصرف ” قبل أن تبتلعها المطالب المذهبية و السياسية التي لا تمت لأزمة لبنان المتفاقمة بصلة ، و تمت تغطية أفعال رياض سلامة ثلاث مرات تباعا و تم إفراغ قرار المحاسبة من مضمونه حتى صار فكرة تهدد السلم الأهلي .. الأولى حين صرح الحريري الزعيم الفذ أبو السنة أن رياض سلامة خط أحمر ، و الثانية حين زار البطرك رئيس الحكومة و حدثه بمنطق الأب الروحي الواعي بأنه من غير المقبول أن تحتمل طائفة بعينها يمثلها سلامة مسؤولية الفساد الذي كان سائدا لعقود ، و الثالثة حين هددت سفيرة أمريكا بأن أي مس بموقع سلامة سيتسبب بعواقب كارثية على لبنان .. لا حاجة لذكر أخبار لبنان افتح على أي وسيلة إعلامية و استمع لذات الأخبار التي كنت تسمعها منذ أن كنت حديث السن أنت أو أباك لا فرق
كان جبران خليل جبران يسمي ” الأمة السورية ” في بعض لحظاته الوجدانية و كان يصف طبيعة لبنان في عزلته في سياق انجذابه الروحي لطبيعة سورية الكبرى المقدسة لديه .. هنا في زمن الأقزام لا مكان لروح جبران ، حيث برع اللبنانيون في ممارسة أشد أنواع الغباء و حب تدمير الذات حين لم يتركوا مناسبة إلا استغلوها للتهجم على سورية و التزموا بكل طواعية بخطة الحرب المحكمة عليها و كانت سياسة النأي بالنفس الأشبه باستمناء معتوه و ما يرجونه منها بإلحاق الضرر بها رغم الدمار الملحق بكيانهم
قال أحد المنظرين اللبنانيين في مقابلة معه إن التعامل مع الصين سيجعلها تستفيد من الخبرات اللبنانية
بعد أن أبعدت تيار المقاومة و رأيت ما يحدث هناك و لو فكرت بالحل المجدي الوحيد لقلت على الفور إن لبنان يجب احتلاله

thumbnail

…………………

كما العادة حين الحديث في أي شأن يخصنا نحن العرب يجب التنويه و الملاحظة و إلا وقع المرء في قبضة أصحاب الفكر المتقدم
ملاحظة :
– أقصد بالقبيلة الطباع و الأخلاقيات و ليس القومية أو العرق
– كل الخير للبنان كان الله في عون المقاومة

 

هذا المنشور نشر في آراء الكتاب, المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s