عظة اليوم لمن لايتعظ .. من مذكرات حلب

كم يكون الواعظ مكروها عندما يعظ من لايبحث عن العظة .. وعندما يعظ الغرقى وهم يتغرغرون بالماء .. وعندما يعظ المحتضرين وهم يلفظون أنفاسهم ..

وللأسف فان هذا هو ما تحاول ان تفعله بعض الصفحات والمنشورات التي تستغل الضائقة التي يمر بها الناس والازمات الخانقة وتحاول ان تحول كل من يهدئ من روع الناس ويطلب منهم الهدوء الى واعظ مكروه بيع الاخلاق في زمن الحرب .. ويهدي الورد لمن يبحث عن لقمة الخبز ..

لن نعظ الناس وعم في آلامهم .. ولكن سنقف في وجه كل من يريد ان يحرض الناس بالأزمة وقلة المتاح ويطلب منهم ان يتحولوا الى واعظين للوعاظ بنكهة الغضب .. أي ان يضرب الجائع كل من يقدم له وردة بوردته .. وأن يحشو معوز كتاب الاخلاق في فم واعظ .. هناك من يريد ان ينشغل الناس عن الهدف الرئيسي للحصار االامريكي الصهيوني العربي المضروب على البلاد وهو اسقاطها من الداخل بنفس السلاح الذي حماها ضد الهجمة الهمجية للاسلامويين والاتراك والامريكيين .. بالتركيز على كم الاخطاء والازمات التي أنتجها الحصار .. ولكن انفلات أعصاب الناس استجابة لهذا التحريض سيوصلهم الى نقطة لايريدونها وهي الفوضى الخلاقة وهو قرة عين الامريكيين والاسرائيليين .. وسيعيدهم الى زمن حلب ودير الزور اثناء الحصار القاسي المتوحش الذي تعرضتا له .. عندما انتشرت فصائل لانهاية لها .. كل يريد ان ينشر الفضيلة على طريقته .. وكل يريد ان يرغم الناس على ان تنهار وتسقط على طريقته ..

في زمن حلب المحاصرة يتذكر الناس معنى ان تكون جائعا ومعنى ان تعيش البرد ومعنى ان تنتظر الموت .. ومعنى ان تعود الى زمن الحطب والعصر الحجري .. فالى كل من يتأفف من هذه الازمات والضائقات عليه ان يتذكر ان مامر على البلاد كان فوق حدود التحمل البشري أيام حكم الفصائل والميليشيات الاخوانية والوهابية والبلاكووتر الامريكية ووجدات المستعربين الاسرائيليين التي ارتدت ثيابا عربية وداعشية وقادت عمليات الهجوم من خلف الصفوف ..

ان اي خلل في مسيرتنا نحو النصر بذريعة الضائقة والحاجة وتطاول الدور على الافران ومحطات الوقود هو دعوة لعودة زمن فصائل حلب وحصار دير الزور .. ملايين الناس في حلب ودير الزور كانوا محاصرين بالفعل وسمعنا أشياء لاتحدث الا في كتب التاريخ حيث يفقد حتى الملح من الاسواق ويصير القش ثروة .. وحيث يموت الناس من الجوع والبرد وتتبعثر جثثهم في الطرقات .. وحيث تصل المعونات بالمظلات .. 

ولمن لايتذكر .. فهذه نبذة صغيرة جدا جدا من قصاصات هانز خليل وذكريات حصار حلب .. ذكريات لم تستحضر الا راس الجبل الجليدي مما حدث لمدننا التي حوصرت .. وماستكشفه الايام من أهوال ورعب لم تمر عليه مذكرات المؤرخين ولا معسكرات الابادة .. امام هذه الذكريات على كل واحد يقف في طابور بانتظار خبزه او وقوده ان يهدأ وأن يعلم ان النصر على زمن حلب المحاصرة هو معجزة أهديناها الى البشرية .. وتنازلت لنا ستالينغراد ولينينغراد عن بطولتهما وانفرادهما في قهر الزمن …اقرؤوا هذه القصاصة المؤلمة من يوميات الحصار في حلب .. وتذكروا ان هناك من يتلاعب اليوم باعصاب الناس كي يفقدوا النصر والامان الذي تحقق .. لتعود أزمنة الفصائل والفوضى ..         

من يوميات الحرب على سوريا  (حصار حلب)    – بقلم: هانز خليل

 ======================================


في شباط سنة 2013 تمكن الارهابيين من تطويق وحصار مدينة حلب بالكامل واستمر الحصار لآواخر ايلول لما تمكن الجيش من فك الحصار عنها بعد حرب شرسه جداً ومواجهه مع لايقل عن 5 آلاف ارهابي مدعومين بكل أنواع الأسلحة الثقيلة والحديثة، كتبت وقتها عن الحصار وفك الحصار منشورات كتيره راح حط بالتعليق الأول واحد منهم عن فك الحصار!.

المهم انو ماعاد في منفس لحلب إلا معبر “بستان القصر” يلي راح يبقى بذاكرة الحلبيين للأبد لأنو كان معبر الموت!. كان فيه قناصين محترفين ولاد شـ***** من **** !. كنت مضطر مرتين بالأسبوع اروح لطرف الأوباش عالمعمل بالشيخ نجار يعني اطلع السبت وأرجع الخميس عالبيت وانا وحظي يابرجع عمودي او افقي!. لأنو احياناً كان يصير اشتباكات بينهم والعالم بنص الطريق ومره حصلت وانا بالطريق لكن كنت قريب من طرف الدوله ونفدت لكن الضحايا والجرحى كانو بالعشرات رجال ونسوان كبار وصغار!.

صار المعبر هو مصدر التموين الوحيد لحلب يلي كان فيها حوالي مليونين ونص بني آدم!. كان ادخال الأكل من خبز وخضار وخلافه خاضع لمزاج الفصيل المسيطر على المعبر، كانو تلات فصائل يتناوبو عليه، الجيش الكر وداعش والنصره، كل فصيل اسبوعين، داعش والكر كانو يسمحو بالتموين لكن بشكل مقنن يعني ربطة خبز وحده وكيلو واحد من كل نوع خضار أما الوقود بنزين مازوت غاز والدخان فكان ممنوع منعاً باتاً ويلي يحاول يهربهم وينكشف كان يتعرض للضرب إذا كان شاب وللاهانه اذا كان كبير بالعمر او كانت مرا!. كان عندهم برميل جنب باب الخروج فيه نار مشعوله دائما يرمو فيه الدخان المصادر!.

النصره لما يجي دورهم عالمعبر كان ممنوع اتطالع أي شيء ابداً!. قال انو هي فتوى من شيخهم قياساً إلى حصار قريش للرسول مع انو بالدين مافي هيك شي بالمره ولو كان كانت داعش أولى بتطبيقه؟.لذلك أيام دور النصره كنا نموت من الجوع رسمي!. بحلب كان متوفر معلبات وطحين ومعكرونه وكل انواع البقوليات من عدس وفول وحمص الخ، لكن المصيبه مافي غاز ولاكهربا شلون بدنا نطبخ؟. صار وقتها الناس تطبخ عالخشب وصار الخشب بكل انواعه من دف السحارات لدف الشجر ينباع بالكيلو او بالكومه حسب المتوفر وبعد فتره حتى الخشب انتهى واختفى!.

بالبيت ياما خبزنا عالصاج بنار الحطب لحتى اضطريت مره اخلع باب المطبخ وكسرو وطبخنا عليه معكرونه وقتها وعملنا شاي بعدها لأنو محسوبكم مدمن عالشاي بشكل كبير، بس بتعرفو وقتها كانت اطيب معكرونه وكاسة شاي دقتهم بحياتي لأنو كانو على جوع وخريم!. تاني يوم صرنا نغازل باب الصالون انو مالو لزوم على طول مفتوح صيف وشتا؟.لكن وقتها تغيرو عرصات المعبر وتهرب غاز واشتريت جره بمبلغ 15 الف ليره وقتها كان الدولار تحت المية ليره يعني اكتر من 150 دولار!.بالنسبه للسيارات تقريباً نسينا انو عندنا سياره مع انو كان يتهرب بنزين بس الأسعار فلكيه والبنزين كان تكرير يدوي يعني مابتعرفو بنزين الا مازوت الا كاز؟. كنت احياناً اشتريه لأنو اضطر لمشاوير بعيده؟. أما عن الشتويه والبرد كانو كارثه علينا بكل ماتعنيه الكلمه!. تحت بتشوفو صورتي بأحد ايام الشتويه!. مابقي شي ماحرقناه لندفا، دف بلاستيك قناني الكولا الفاضيه ورق خرق؟.

كنا نلبس كل شي بالبيت ونبقى بردانين مع ذلك؟. هي ماحكينا بالقذائف يلي كانت تنزل علينا بكل مكان مابتعرف ايمتى؟.منطقة الجميليه سوق كبير كانو يقصفوه من بستان القصر، لايمكن يمر اسبوع إلا والضحايا فيها بالعشرات!!.تلات سنوات لايمكن ينساها الحلبيين ابداً، كان الموت يترصدنا بكل زاويه ومفرق عدا عن الكهربا والمي المعدومه، المي كنا نعبيها من الآبار يلي من لطف الله كانت متوفره ونحمل البيدونات حارات وشوارع لنوصلها للبيت وكنا نتحمم بنص بيدون لكل شخص والمصيبه كانت بتسخين المي بالشتويه؟. ماعاد نهتم اذا طلعت ريحتنا وبقينا اسبوعين بلا حمام عادي كنا نقول نحنا بحرب بكرا بتفرج؟…

هانز خليل

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s