الفيلم العراقي والفيلم السوري .. بدايتان ونهايتان .. في مواجهة قيصر – بقلم: نارام سرجون


منذ أن تعلمت القراءة والكتابة والتجول بين رفوف الذاكرة وأنا أتعثر بنفس القصص والروايات الكبيرة التي أعيد قراءتها وكأنني أقرأها لاول مرة .. ولكنني تعلمت ان ذات القصة تعاد كتابتها بقلم آخر وبناشر آخر مع أن الاحداث هي ذاتها والسجالات والابطال والبدايات والنهايات هي ذاتها .. ونفس الأمر في السينما فاننا نرى نفس القصة بنسخ سينمائية متعددة وممثلين مختلفين ولكن القصة هي ذاتها .. والحقيقة انه لايزعجني أن أشاهد نفس الفيلم ونفس القصة بين الفينة والفينة وخاصة اذا أعيد تقديم الفيلم والقصة بطريقة مختلفة وبقريق فني مغاير .. ولكن في السياسة لاأحب ان ارى نفس الفيلم ونفس القصة ..
في هذه الايام يتم الضغط بشدة فائقة على الاقتصاد السوري والانسان السوري .. ومن الواضح انها مرحلة متقدمة من الصراع انتقل فيها الخصم الذي لم يتكمن من احتلال القلعة الى محاصرتها وتطويقها لمنع كل شيء من الدخول اليها أو خروج اي شيء منها .. ولكن كأنني قرأت هذه القصة ورأيت هذا الفيلم الطويل أكثر من مرة ..
وكما نعلم يحاول صاحب أي مشروع ناجح ان يعيد انتاجه واستخدامه الى ان يفقد قدرته على النجاح ويصبح خاسرا أو فاشلا .. والاميريكيون والاسرائيليون تجار سياسة .. وكل مشروع سياسي ناجح يعيدونه وينتجون نسخا متعددة لبيعها .. ولن يتوقفوا الى أن تصاب عملية التسويق بالفشل ويتعرضوا للخسائر ..

في التجربة الامريكية في السيطرة على الشعوب كان من الضروري ايصال العملاء والقيادات الضعيفة الى مراكز السلطة والباسها ثيابا وطنية وتقويلها شعارات بطولية تدغدغ مشاعر الناس .. ولكن في الظلام يركع الزعيم ويتصرف كموظف أمام اي سفير امريكي .. وقد كان المشروع فعالا للغاية في الاردن حيث عمل الملك برتبة جاسوس ومحطة انذار مبكر لاسرائيل وكان جهاز تنصت متحركا أينما حل يسمع الاسرائيليون محاوراته .. وورث الابن سر أبيه .. وأعاد الاميريكيون التجربة مع أنور السادات الذي لايزال سر تعيين عبد الناصر له نائبا قبل ان يرحل بفترة وجيزة لم يلق تفسيرا شافيا .. وكان ان خطة اميريكا في السيطرة على مصر عبر ايصال رجلها السادات الى السلطة قد نجحت .. وتلك الخطة أثمرت في اتفاقية كامب ديفيد .. ومن جديد نجح المشروع .. وكان من الممكن أعادة انتاجه في مكان ما
وبالطبع فان كل دول الخليج مرسومة ومصممة بطريقة يكون فيها الشيخ او الامير او الملك في الواجهة ولكن القرار بيد شخصية امريكية في وزارة الخارجية او البنتاغون وأحيانا في السفارة الامريكية في ذلك البلد اذا كان صغيرا

وأعاد الاميريكون انتاج النموذج في تركيا حيث وبصورة مفاجئة غض الجيش التركي (حارس مصالح الناتو في تركيا) النظر عن وصول اسلامي الى السلطة فيما كان الجيش التركي يفترس اي شخص يقترب من السلطة له توجه اسلامي .. الا أردوغان الذي وصل في موعد محدد جدا وبشكل لايحتمل الصدفة .. انه موعد الربيع العربي الاسلامي .. وطبعا بقية القصة نعرفها ..
في العراق وسورية فان الوضع كان مختلفا وهو أن المطلوب من هذه الدول ليس أن يكون الرئيس مصنوعا وممولا في الغرب .. لأن القدرة القيادية في هذه البلاد (الهلال الخصيب) وثراء تاريخها بالتمرد وقدرة ثقافة هذه المنطقة على اجتراح مشاريع عصيان طموحة ووجود سوابق لبناء امبراطوريات عديدة (الاشوريون والبابليون والكنعانيون والتدمريون والعرب المسلمون) جعل تغيير القيادات لايفي بالغرض بل لابد من تغيير تكوين وتركيب الشعوب التي تعيش في هذه المنطقة .. لأن عنصر التمرد جزء من الثقافة ويرضعه الناس في الحليب من أثداء أمهاتهم ..

وكان ان خضع العراق لعملية تذويب استراتيجي .. فبعد حرب عاصفة الصحراء أصرّ الاميريكون على استنزاف كل مابقي في الشخصية العراقية عبر سياسة التجويع والحصار .. وبعد 13 سنة من الحصار والفقر والعزل تحولت الشخصية العراقية تحولا مذهلا فقدت فيه هويتها وانتماءها .. فكانت عملية اجتياح العراق من أسهل عمليات الغزو في التاريخ .. ولولا ذلك الحصار لما انتشر النخر في الانسان العراقي الذي صار يرى خلاصه في ان يدمر بلاده ويستقبل الغزاة .. لأن الغزاة واجهوا شعبا فقد انتماءه لنفسه وصار انتماؤه لمواجعه وأحلامه وصار بلا هوية .. فعن اي شيء كان العراقي سيحارب او يدافع وقد وصل الفقر الى كل بيت وانتشرت الرشوة والفساد والترهل في مؤسسات البلاد المنهكة .. ولم يفهم العراقي انه لم يكن يدافع عن صدام حسين بل كان يدافع عن نبوخذ نصر وحمورابي ونارام سن وعن الحسين وعلي .. وكان يدافع عن دجلة والفرات .. لكن التجويع والحصار كانا وسيلة لجعل العراقي يبيع نبوخذ نصر وحمورابي والحسين من أجل حفنة من الأوهام الامريكية الكاذبة .. والالغام التاريخية ..
السيناريو العراقي نجح بشكل مذهل .. وصار العراقي الواحد عدة عراقيين لأن فترة الحصار التي تلت الحربين الاولى والثانية دمرت انتماءه
واليوم يبدو لي الحصار المفروض على سورية مشابها لظروف الحصار التي مر بها العراق بعد حرب الكويت .. فالعراق الذي حارب ايران لثماني سنوات وخسر أفضل شبابه ووصلت طعنات الحرب الى قلب اقتصاده .. تم تعريضه لحصار قاس دمر القوة الاقتصادية للعراقيين الذين كانوا من أفضل الاقتصادات الناهضة في المنطقة .. وانتشر الفقر الشديد وتغيرت علاقة العراقي ببلده .. حيث اغترب العراقيون في وطنهم .. وتم اختراق العراق من فقرائه الذين باعوا وطنهم دون ان يدروا انهم باعوا وطنهم الاغلى
الحصار المفروض على سورية يتشابه مع ظروف العراق سابقا الى حد انك تحس انك تقرأ نفس القصة والاحداث وتظن ان القصة مسروقة وتشاهد نفس قصة الفيلم يمثلها أبطال آخرون ولكنها نفس السياق والحبكة والأحداث .. فالعراق كان في حرب طويلة ثم تلاه حصار ومحيط معاد عربي رسمي وحدود مع ايران التي حاربها سنوات ..ونحن حاربنا سنوات وعلى حدودنا تركيا وفي محيطنا عرب يحاربوننا .. والامريكان في القصتين موجودون بنفس الدور

وسورية خارجة من معركة طاحنة وحرب استمرت 9 سنوات لتتلوها عملية حصار محكمة جعلت كل الموارد شحيحة على كل الشرائح الاجتماعية تقريبا .. فالوقود بيد الاميركيين وكذلك حقول القمح وصوامع القمح .. ونافذة الاستيراد بالدولار عبر موانيء وبنوك بيروت ولبنان تعطلت .. ناهيك عن استمرار الحرب بتواترات متذبذبة .. والغاية من هذا الحصار هو تغيير علاقة المواطن ببلده ووطنه وارغام الفقراء على القبول ببيع وطنهم .. خاصة ان هناك مظاهر لتناقضات الحرب واثرياء المرحلة وهي نتيجة طبيعية لحرب عنيفة قاسية جدا على الجميع .. ولكن غيرالطبيعي ان لايكترث أثرياء المرحلة لضحايا الحرب وفقراء الحرب .. لأن هؤلاء هم الذين يغذون صفحات التحريض واثارة الفوضى
قانون قيصر هو قانون النفط مقابل الغذاء العراقي سيء الذكر بشحمه ولحمه .. ولكن مع تعديلات وأقنعة تخفي وجهه الحقيقي .. ولكن هنا تكمن اللحظة التاريخية .. التي يجب ان يكتشفها السوريون .. ويجب ان يعرفوا من أين تؤكل كتف الاميريكي .. لأن الفيلم يجب ان تتغير سياقاته وحبكته ونهاياته


لن نقبل ان تكتب اميريكا نهاية الفيلم كما رفضنا ان تكتب اميريكا نهاية فيلم غزو العراق الذي كان من المفترض ان يدوم مئة سنة فاقتصرنا مدة العرض الى بضع سنوات ونحن من رسم مشهد النهاية .. ولاتزال هناك مشاهد ملحقة لنهاية الفيلم العراقي ولكن يجب ان يتوقف عرض الفيلم السوري الذي تنتجه اميريكا في هذه اللحظة .. ويتدخل المخرج السوري .. ونهاية العرض يجب ان تنطلق مباشرة بعد الانتخابات الامريكية .. وهناك مشاهد كانت اميريكا قد شاهدتها في لبنان والعراق سنعيد انتاجها لها في الشرق السوري وفي العراق .. ونحن من يمك أهم أدوات الانتاج لهذا النوع من الافلام .. والبضاعة أمامنا تسرح وتمرح .. وهناك مشاهد يجب ان تكون فريدة لانها موجهة الى قلب قانون قيصر الذي سيبيعه الاميريكون مقابل حذف بعض المشاهد المرعبة من نهاية الفيلم الذي سيكتب قريبا ..

وهنا سأقول من لم يكتب سيناريو النهاية ويقرر الخاتمة .. فان عليه ان يعيش النهاية والخاتمة التي يريدها له الآخرون .. ونهايات القصص الامريكية كئيبة ورأيناها في حصار العراق .. لذلك فاننا نحن من سنكتب المشهد الأهم في الحرب السورية وسنكتب مشهد موت قيصر الامريكي قبل ان يقتلنا قيصر والحصار

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to الفيلم العراقي والفيلم السوري .. بدايتان ونهايتان .. في مواجهة قيصر – بقلم: نارام سرجون

  1. شكرا لك نارام على جرعة الأمل
    سؤال..
    هل احد السيناريوهات هو كلام بومبيو امس وتأكيده زيارة مسؤولين امريكان لدمشق بشأن اسراهم لدينا؟؟!!
    وهل نملك المزيد من تلك الاوراق؟؟

  2. salihawateki كتب:

    سلام عليكم
    الله يرحم حافظ الأسد و شهداءسورية و العراق
    الخليج الصهيوني و علماؤهم اكثر خطر من إسرائيل ,نعم أخطر من إسرائيل

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s