حروب الجيل السادس: سلاح البسطاء .. التكنولوجيا أو زاراداشت في مواجهة مع الله؟؟


للحروب سلالات وأنواع .. كما لكل شيء .. وزمن الحروب القديمة انتهى حيث جيشان يتلاطمان .. السيف بالسيف والرمح بالرمح والرجل للرجل .. ووصل زمن حروب الجيل الثاني حيث الجيوش لاتتلاقى بل تتقاتل عن بعد .. مدفعا بمدفع وطائرة بطائرة .. ثم وصل جيل حروب يوغسلافيا حيث الجيش القديم يتحارب مع التكنولوجيا فقط .. وكانت بوادر حروب الجيل الرابع قد ولدت في روسيا عندما سقطت الشيوعية بيد الشيوعية .. ولم تتداخل الجيوش وغابت الطائرات والتكنولوجيا .. بل دخلت علوم نفس الجماهير في المعركة وتسببت الحرب الاعلامية في تزعزع النظرية الشيوعية وانهيارها بعد ان خرج منها الناس أفواجا ..
وفي غمرة احتفال الغرب بمواليده الجديدة من الحروب الجديدة وسلالاتها الخطيرة ولد في الشرق الاوسط وفي جنوب لبنان تحديدا نموذج غريب لحرب جديدة .. وكان هذا الجيل من الحروب خارج الفهم والسيطرة .. وهو العودة الى الانسان في وجه التكنولوجيا .. وكان هذا التهجين بين الحروب القديمة والحديثة مفاجئا في حرب 2006 التي حدثت بعد صدمة هزيمة العراق واكتشاف تفوق التكنولوجيا الهائل والكاسح على الجيوش القديمة التقليدية .. ففي حرب 2006 ولد جيل جديد من الحروب لاينتمي الى أي شكل قديم او جديد .. وهو جيل حروب لاتصنيف لها .. انه طريقة فذة في مواجهة التكنولوجيا التي كانت في مواجهة مع الله .. حيث يتمترس حزب الله خلف اسم الله .. ويقوده نصر الله .. وتبين ان التكنولوجيا كانت في مواجهة أسلحة بسيطة مثل الانفاق .. وأن تكنولوجيا التنصت وفك الشيفرات العسكرية والتي كانت تغطي لبنان مثل شبكة عنكبوت لاتسمح لطائر أو لذبابة أن تطير دون ان تقع في الشباك لم تجد نفعا وكانت فارغة .. كل الرسائل الهوائية واللاسلكية كانت تعلق في شبكة عملاقة من تكنولوجيا التنصت والتجسس وتحليل الشفرات .. ولكن حزب الله لم يطلق اي رسالة لاسلكية ذات فائدة او واضحة .. ولم تصطد الشبكة العملاقة الالكترونية اي اشارة او ذبابة في كل سماء لبنان .. وكان كل ماأعدته التكنولوجيا بلاقيمة له لأن حزب الله اعتمد البساطة المطلقة في الحرب فالشيفرة التي استعملها هي ليست شيفرة عسكرية بل شيفرة أهل القرى البسطاء .. التي لايمكن تحليلها الا من قبل أهل القرى أنفسهم ولو اجتمعت كل اسلحة الاشارة في العالم ..كما ان الخطوط الهاتفية القديمة هي التي كنت وسيلة الاتصال وليس الهواء ..


هذا النوع والسلالة الجديدة من الحروب اعاد الحروب. التكنولوجيا الى حالة من الحيرة والفوضى .. حيث التكنولوجيا في مواجهة أكثر الاسلحة بساطة .. فأعاد الاميريكيون انتاج السلاح القديم ضد هذا النوع من السلاح البسيط .. واطلقوا القاعدة وداعش اللتين تعتمدان نفس الفكرة وهي (الانسان – أو الله – في مواجهة التكنولوجيا) منذ حرب أفغانستان .. ولكن الغلبة كانت لسلالة الحرب التي اخترعها محور المقاومة .. لأن القاعدة اعتمدت الجهل المقدس الى جانب أنها لم تكن تواجه التكنولوجيا بل ان التكنولوجيا هي التي كانت تساند القاعدة لأول مرة .. فاجتمع الجهل مع التكنولوجيا .. حيث ان القاعدة وجيوش الظلام التي تجندت فيها تسلحت بمعلومات الاستخبارات والاقمار الصناعية التي قدمها الغرب بسخاء لها.. وكانت لها أجهزة اتصال فائقة التطور وذراع اعلامي غربي .. وكانت القاعدة تنظيما نصف تكنولوجي .. فهي تنظيم ارهابي يمتلك صواريح التاو اكثر مما يمتلك البنادق ويمتلك سلاحا كيماويا وذراعا اعلامية تنشر افلامها المخرجة باتقان هوليوودي على مناشر الاعلام الغربي مثل اليوتيوب والفيسبوك والفضائيات مثل اي فرقة عسكرية امريكية .. الى جانب تجنيد اهم وسائل الاتصال والاعلام والبرامج الحاسوبية التي سخرت لها .. ونالت القاعدة اليد المطلقة وصك البراءة من كل الادانات فيما ترتكب جرائمها .. وهذا الافراط بالثقة بالنفس والتسليم والغطاء جعل القاعدة تخسر المعركة .. فالحروب تحتاج الثقة بالنفس وليس الثقة المفرطة بالنفس واستسهال الانتصار كما حدث مع النازيين الذين اجتاحوا غرب اوروبة بسهولة فاستسهلوا فتح جبهة اخرى في الشرق .. ووقعت القاعدة وداعش في هذه الغواية وهي تزاوج التكنولوجيا مع الجهل والثقة المفرطة بالنفس بسبب الانتصارات الاولى السهلة .. فيما حافظ محور المقاومة على مستوى عال من الثقة بالنفس والثقة الرزينة الواقعية ..
هذه الصدمة من افلاس سلاح الجهل المطعم بالتكنولوجيا أفضى الى اختراع سلاح الجيل السادس وهو سلاح البسطاء وحصان طروادة الالكتروني وهو تهجين الجيل الرابع بالجيل الخامس .. وهو أحد امضى الاسلحة الذي تملكه كل المجتمعات .. ولكن قد يستخدمه العدو ضد خصومه .. وهو السلاح الذي فتك بنا منذ قرابة قرن منذ ان اعلن عن اتفاق سايكس بيكو .. ووعد بلفور ..
ففي اي حرب وأي معركة يكون البسطاء هم اهم العناصر التي تقرر مصير الحرب .. لأن اقناعهم بتصورات تملى عليهم هو مايحدد مصير المعركة .. ولذلك تجد ان الغرب في هيمنته على العالم يعتمد على الاستيلاء على عقول البسطاء في مجتمعه وفي مجتمع الخصم في نفس الوقت .. وكل بطريقة ..

فالمواطن الغربي البسيط لن يحارب ويقبل بالموت فيما وراء البحار اذا لم يقتنع ان مايفعله هو الصحيح وانه لايموت سدى .. فهناك من يشحنه دوما انه مهدد وفي خطر ماحق اما بسبب النازية او بسبب الشيوعية او بسبب الاسلام او ايران أو العراق او الصين .. ولذلك تجد ان الحروب التي يشنها الغرب رغم انها تلاقي بعض الاعتراضات الداخلية فانها تتم دون قوة مضادة ذات شأن حتى لو عرف الناس انهم خدعوا .. فالفكرة التي تخدره هي انه يعيش ديمقراطية وانها أفضل خيار على الارض وهي لاتختلف عن الحق الالهي المقدس القديم ..أي ان الديمقراطيات لاتخطئ كما تخطئ الديكتاتوريات .. ولذلك فان مصطلح الاخوان المسلمين في ان العضو الاخواني يسلم نفسه للمرشد كما يكون الميت في يد من يغسله .. ينطبق تماما على الفرد الغربي الذي لايتمرد ويخضع لكل القوانين وهذا ليس لأنه مثقف ويحترم القوانين بل لأنه مدرب على الاذعان واطاعة القوانين لأنه في بلد ديمقراطي الذي لايأتيه الباطل طالما انه قرار الشعب .. ولذلك ترى الجندي الامريكي والبريطاني يودع ابناءه ليحارب فيما وراء البحار تحت شعار الدفاع عن قيم الديمقراطية والدفاع عن بلاده .. أين؟؟ على بعد 14000 ميلا من سواحل بلاده .. الديمقراطية أقنعته انه يلبي ارادة الديمقراطية التي صارت الدين الجديد الذي يخدر الناس ولافرق بين دين الديمقراطية و الديانات السماوية من حيث الخضوع الاعمى لها والقناعة انها نهاية الرحلة البشرية والمخلّصة من الشرور .. وازمة كورونا واللقاح فيها هي خير دليل ..
من جهة ثانية يسدد الغرب على الانسان في معسكر الخصم ويستهدف البسطاء منهم لأن اقناع هؤلاء أهم من اقناع المثقفين والنخب .. فهؤلاء بحجمهم الضخم وقدرتهم على التصدي للنخب بالجهل يجعلون النخب تخشاهم او لاتؤثر فيهم .. وهناك مقطع شهير لضابط مخابرات امريكي يتباهى ان الزعماء العرب مرتعبون من شعوبهم .. وكأنه يقول اننا نتحكم بشعوبهم ويمكننا ان نطلق هذه الشعوب عليهم أنى نشاء لأن معنا مفاتيح البسطاء .. ولذلك تركز كل وسائل الاعلام العربية الخاضعة للغرب والتي يوجهها الغرب على الامساك بقوة بسلاح البسطاء (مثل الجزيرة والعربية وسلالة الفضائيات المستعربة اللبنانية وغيرها) .. عبر الخطاب الديني والخطاب الترفيهي .. وكلاهما يخلق مواطنا بسيطا .. مهما كانت درجة تعليمه ..


في سورية لاتختلف فكرة قانون قيصر المهجن مع سلاح الجيل الرابع عن فكرة الامساك بسلاح البسطاء .. حيث تم تدمير العملة الوطنية .. وادخال المجتمع في حالة شاملة من الشعور بالفقر والعجز وذلك لسلب ارادته المطلقة وكسر رغبته بالقتال .. فالغريب ان ظروف الحرب كانت أقسى وأفظع من ظروف قانون قيصر .. وكانت حلب جائعة وعطشى وكانت غوطة دمشق تعض على عنق دمشق .. ودير الزور تموت .. فيما الموت يطوف في كل الشوارع والقرى .. ولكن ارادات الناس كانت فولاذية .. فكيف تدبر السوريون امورهم في أقسى حالات الحرب واليوم يرى انه خسر المعركة؟؟ ..
من الواضح لكل متابع ان هناك حالة تيئيس وهناك تكاثر لصفحات كثيرة في السوشيال ميديا وانتاج لامتناه لفقرات ومشاهد لارهاق الناس لاحداث موجة من الذعر والقلق .. وبث الشائعات .. واحالة كل من لاينضم للشكوى والألم الاقتصادي الى محكمة جماهيرية واتهامه بالتقاعس والانفصال عن الواقع والعيش في ابراج عاجية .. تماما كما كانت الحال في بدايات الربيع العربي المشؤوم .. فكل من لايقدس الحرية ولايدين الديكتاتوريات هو خائن للشعب ومرتزق ومجرم .. حيث صمت يومها كثير من الناس خوفا من العقاب على وسائل التواصل الاجتماعي والهجوم المقذع على كل من يعترض على الثورة او يحاول تهدئة هيجانها او حتى تصويبها .. واليوم يقع الكثيرون في الفخ المنصوب لهم .. فيساهمون في نشر الذعر واليأس بسبب الوضع الاقتصادي .. علما ان المصاعب الاقتصادية في الغرب بدأت تظهر بقوة .. فهناك شركات عمرها أكثر من 200 سنة في بريطانيا اعلنت افلاسها وانهيارها وتسريح عمالها الى سوق البطالة .. وانتشرت البطالة وارتفعت مستويات الجريمة ..
الغريب ان الاحصاءات الغربية تقول ان ملايين السوريين يعيشون خارج بلادهم اما لاجئين واما في حالة هجرة حيث الجميع اما انه يعمل او يتلقى معونات بالعملة الصعبة .. وحسب تقديرات غربية فان ثلث السوريين غادروا بلادهم ويعيشون في دول اخرى وهم سيقللون العبء الاقتصادي .. واذا افترضنا ان هذه الارقام حقيقية وغير مبالغ فيها فلنقل ان ربع السوريين هاجروا مثلا .. فهذا يعني ان ربع السكان لديهم دخول بالعملات الصعبة بأي طريق .. وجزء من كتلة النقد التي تصل الى هذه الكتلة السكانية يتسرب الى الداخل السوري .. بطريقة او بأخرى ويعيد عجلة الاقتصاد ولو بحركة بطيئة .. وهذا يعني ان معالجة المصاعب الاقتصادية والاقلاع بالاقتصاد مع تحريك النشاط الزراعي قريبا سيكون أكثر سهولة مما يتصور البعض ..
مايحتاجه الناس البسطاء وغير البسطاء في هذا النوع من الحروب الجديدة التي تبحث عن اسم لها اذا نجحت .. هو أن لاتترك من جديد فريسة في وجه موجات التحريض والتحشيد .. ولن يكون مقبولا القول ان للآخر ماكينة اعلامية ضخمة .. لأن آلته العسكرية وترسانته الهائلة واجهناها بطريقة بسيطة جدا ولكن ناجحة جدا .. ويجب ان نفكر بطريقة أكثر فعالية في ابعاد الناس عن تلك الموارد المسمومة للأخبار والتحليل .. وان نجترح طرقا جديدة للتواصل مع البسطاء واجتذابهم الينا والى خطابنا كما يفعل العدو والخصم الذي يتقنع بأسماء وطنية او يقدم مهرجين ليتحدثوا ويقدموا برامج للسخرية من العقلاء وخيارات العقلاء الوطنية .. او يدفع بقنوات أشخاص على اليوتيوب لاتحاكي الا البسطاء وتكتب لهم عناوين جذابة وتحكي لهم حكايات كأنها من ألف ليلة وليلة .. فيما ان خطابنا مع البسطاء لايزال مقتنعا ان الفطرة الوطنية والتجربة الوطنية ستكونان كافيتين لتحصين هؤلاء البسطاء في كل زمان ومكان .. وأن الشعارات يمكن ان تهزم حاجات الناس دوما .. كما تخيلنا ان انتصارنا العسكري في عام 2006 ورفضنا للتطبيع سيحصننا ضد اي تمرد وخاصة الاسلامي منه .. فمثلا لايزال اعلامنا يتحدث عن الصمود الوطني وفي نفس الوقت يتحدث عن المبدعين السوريين الكثر في الغرب وعن الفرص التي نالها اللاجئون وغيروا حياتهم وصاروا مشاهير وأثرياء .. وكأنه يقول للبسطاء ان وطنكم خذلكم وان من تركه نجا وأن الغرب هو الجنة وان شعاراتكم انتهت صلاحياتها وآن لكم ان تتخلوا عنها وعن المعركة .. وأن حظوظكم في الغرب وليست في الدفاع عن وطنكم .. هناك في الغرف السوداء من يعمل على افساد الفطرة الوطنية بالتلويح بالمعاناة الازمات الاقتصادية والفوارق الطبقية التي أنتجتها فترة الحرب .. والنجاح الكاسح لكل من يصل الى الغرب ..
سلاح البسطاء الطيبين هو أحد أخطر الاسلحة على الاطلاق الذي يعمل العدو ليل نهار على الاستيلاء عليه .. فاياكم أن تخسروه .. ان الله لايواجه التكنولوجيا هذه المرة بل ان الله يواجه الانسان فينا .. الانسان اليائس والبائس والذي كفر بكل شيء .. سيهرب من الله .. وقد يقتله .. كما قتل نيتشه الله على يد زاراداشت في كتابه .. هكذا تكلم زاراداشت ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to حروب الجيل السادس: سلاح البسطاء .. التكنولوجيا أو زاراداشت في مواجهة مع الله؟؟

  1. salihawateki كتب:

    ١ -نعلة الله على الخليج الصهيوني و علماؤهم
    ٢ -كثير من الجزاءريين رجعوا نهائيا من أروبا إلى الجزائر, حتى المغاربة التونسيين
    و العجب العجاب شباب فرنسيين الأصل تزوجوا من جزاءريات و الان عايشين بالجزائر

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s