آراء الكتاب: الهدية الهندية – بقلم: محمد العمر

لا بد من وجود أسلوب للحديث أثناء الأزمات غير أسلوب احتواء البسطاء المتبع منذ قرون يفرز له أشخاص ينتقون بعناية يتكلمون على قدر سمع المتأزمين ، لا أعلى منه حيث نعيم الشعارات و لا أدنى حيث يزيدون سعير المعاناة ، نحن في أزمة و أزمات معنوية قبل أن نكون قيد معاناة الحصار ، و الحماس الأجوف و العاطفة المبتذلة لن يخلقا جوا حميما أو حسنا نكون فيه معا و صفا
زمن غريب ضاقت فيه فسحات الأمل و تضاءل فيه الطموح و تدنى فكاد ينقلب خشية على طعام الغد بعد أن كان الدم يقدم دون قيد على مدار ساعة الأمس .. زمن فقدت فيه ذاكرة البعض و لا أسف عليها إذ غاب عنها أن سورية احترقت و احترقت حتى أنهكت النار
من هؤلاء البعض مسؤول يسارع كلما تعاظمت آثار قيصر للتأكيد على توفر مادتي الرز و السكر في السورية للتجارة ، لم ينطق منذ سنة بغير حديث الرز و السكر كأن غاية الناس القصوى قد تحققت و أعظم همهم قد انزاح ..

و من هؤلاء البعض و من ذات الفصيلة شخص يسارع لالتقاط خبر هدية الرز المقدمة من الهند و بيع الحكومة لها ، فينشره دليلا يؤكد شكه أن هناك من يسرقه و يتاجر بحقوقه ليساهم بدوره دون قصد في تحويل الأنظار عن مكمن المأساة .. تلك ثرثرة مزعجة لا خطر منها و يجب توجيه الغضب على أمريكا التي خلقت ظروفا اختلطت فيها التصريحات باللعاب و الفكر بعصارات المعدة .. أمريكا التي تعاقب دولا عظمى كالصين و روسيا و دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة أو فرادى لا تترفع عن معاقبة مالك سفينة شحن تحمل دواء أو حليب أطفال و لا تتوانى عن حرق محصول زيتون أو قمح .. من يذكر أخبار دعمها للإرهابيين من الشعب السوري يعلم أن عبارة ” دعم أو هدية للشعب السوري ” قد يتخذ عنوانا للالتفاف على العقوبات لتصل المستوردات و يتم بيعها .. و بحساب بسيط قد يخجل الثرثار من الحصة التي كان سيتلقاها من الهدية فيما لو وزعت مجانا على شعبه لأنها لا تكفي لتجعل منه ثائرا و صاحب حق و فكر قادر على التشكيك بمنظومة عبقرية تسعى في ظل حرب الإبادة المعلنة للإبقاء على البلد قيد الحياة لو في حدودها الدنيا حتى تتهيأ له فرصة يعاود فيها الإمساك بزمام أمره .. أن نتمكن من الاستمرار في ظل أعقد الظروف و أخطرها هو ملخص الاستراتيجية الحالية .. أمريكا تريد إنهاك الدولة و تعجزيها و تبديدها و ليست الغاية الأخيرة من هذا الحصار شق الصف الداخلي فالشقوق متوفرة و الدولة تعلم و تبني على نواة صلبة أفرزها مخاض الحرب ، ما يحدث أشبه بضغط هائل مديد يطبق على كرة مطاطية ليصار إلى خرقها فجأة برأس حاد ليحدث ثغرة قاتلة تتناثر عبرها ذرات الهواء التي كانت تقاوم .. علينا الحذر و العمل على ما هو أبعد من عناوين الحصار و تداعياته .. هناك مثلا مشيئة القدر
من مفاعيل قيصر ظهور حقيقة فئة أخرى من المؤمنين الجدد أكثر حداثة من مؤمني الخلافة و أكثر فطنة يؤمنون بالخبز وحده و يأخذون على وطنهم محاولات إفقاره و كسره و يلومون عليه تعثره في طمأنة بطونهم و قلقهم لأجل غد لا يجدون فيه ما يملؤها و لم يقدموا شيئا له شيئا ربما غير نعمة وجودهم .. هناك شهداء قضوا و هم يواجهون أشد الحصار دون أن تتوفر لهم لقمة أو قطرة ماء صالحة للشرب و لم يستسلموا و لم يهنوا و أنهكوا الحصار و صاروا أيقونة حربنا و صبرنا و سيبقون .. إن لحظة تضيع فيها الكرامة يرافق الذل عمرا بأكمله

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s