عيد الجلاء الناقص .. بندقيتي عاتبة ام غاضبة مني؟ كيف نسترضي البنادق؟


منذ طفولتي وأنا اشارك في مناسبة عيد الجلاء .. نحتفل في المدرسة .. ونقيم الاحتفالات .. ونلقي الكلمات .. ونستمع لكلمات المعلمين والمدير .. ولانسمع منها شيئا .. ولا نفقه كأطفال ماذا يقول الكبار .. نغني كما تطلب منا معلمة الصف وتنتقي بعضا ممن لهم أصوات قوية وجميلة لنغني الأغاني الوطنية امام الطلاب والاساتذة والمعلمات .. ثم ننصرف في حماس اكبر من حماسنا في القدوم للاحتفال بعيد الجلاء .. وننسى كل الكلمات التي القيت علينا .. ولانعرف ماذا قيل في الكلمات .. ولانتذكر كلمة واحدة مما كان يتردد على أسماعنا في الميكروفونات طوال ساعات .. نعرف فقط انه عيد الجلاء وفيه عطلة رسمية .. وهذا أجمل مافي عيد الجلاء للأطفال .. انه اعطانا يوم عطلة من المدرسة ومن الدروس ..
وكبرنا وصرنا نعرف اكثر عن عيد الجلاء .. ولكن لم نتذوق طعمه لأننا لم نشهد الاحتلال ولم نعش في ظل المندوب السامي الفرنسي .. ولم نخرج في المظاهرات ولم نشاهد العسكر الفرنساوي يتجول في الاسواق ويعتقل الوطنيين السوريين .. ولم نر الخيالة الفرنسيين يتجولون في الاسواق ببزاتهم الفرنسية وقبعاتهم الشهيرة وهم محاطون بالعملاء والخونة السوريين الذين يقودونهم .. وظل عيد الجلاء شيئا من الطقوس التي نفتح فيها التلفزيون ونستمع لممثلي الدولة يتلون علينا أحداثا لم نعشها ويمجدون المجاهدين الابطال .. ويصفق الحضور بتكاسل .. ونسمع عن تلك الشخصيات المجاهدة من البسطاء .. نسمع عن اول الثوار الشيخ صالح العلي .. وعن آخرهم سلطان باشا الاطرش .. ومابينهما نسمع عن ثوار جبل الزاوية وابراهيم هنانو وعن حسن الخراط في الغوطة .. وكثيرين غيرهم .. ولكن طعم عيد الجلاء يبقى مثل حديث الجنة وأنهار العسل واللبن والانهار العذبة .. وحولها الغابات الخضراء .. نسمع عنها ولانعرف مذاق العسل ولا اللبن .. فمن عاش في الجنة ليس كمن عاش خارج الجنة .. وهكذا يمر طعم الجلاء في ذاكرتنا ..


نعم لم أتذوق في حياتي طعم الجلاء وظل مجرد يوم نمر عليه كما نمر على اي عيد مقدس في الذاكرة الشعبية لانعرف متى بدأ ومن وضعه .. وهذا ليس عيبا ولاينقص من وطنيتي .. لأنني لم اعش تحت الاحتلال يوما .. وبقيت نفسي حرة جدا .. ولم أحس بطعم الاستقلال على انه شيء رائع المذاق ولايشبهه مذاق .. ولايضاهيه الدخول في الجنة .. لأنني عشت في زمن الحرية والاستقلال الوطني مهما حاول البعض ان ينال من هذه الكلمة .. نعم لم أخف في حياتي من دورية فرنسية ولا انكليزية ولا امريكية .. ولا اسرائيلية .. كنت ارى جيش الوطن وعساكر الوطن وشرطة الوطن .. وهؤلاء أهلي وجيراني وابناء القرى والمدن السورية .. ليس بينهم غريب .. يتحدثون لغتي ولساني ولونهم من لون بشرتي ويعرفون عني ماأعرفه عنهم .. كما كل سوري يعرف عن كل السوريين ..


اليوم وبعد هذه التجربة الوطنية العظمى .. أعرف معنى عيد الجلاء .. وطعمه تحت أسناني وعلى لساني .. لأنني عشت ذلك القلق الذي عاشه جيل الجلاء .. كنا في هذه الحرب الكونية تحت الاحتلال الأرهابي الغربي في كثير من المدن والقرى السورية .. رأينا الغرباء يتجولون في شوارعنا .. وراينا الغرباء يقتلون جيراننا .. ويعلقون المشانق ويوزعون المذابح .. ورأينا العملاء منا يستقبلون الغرباء ويفرشون لهم بيوتهم .. ويفتحونها لتكون معتقلات وسجونا لأبناء وطننا الذين يتكلمون لساننا ولهم لون بشرتنا ونعرفهم ويعرفوننا .. رأينا القهر والذل الذي كان يمارسه الارهابيون القادمون من أصقاع الارض .. تركمان واتراك وفرنسيون وبريطانيون وافغان وباكستانيون وشيشان وايغور .. هؤلاء كانوا قوة الاحتلال الرئيسية والباقي كانوا من العملاء السوريين الذين كانوا كذلك أيام الاحتلال الفرنسي ..

مائة عام بعد ميسلون - عربي برس


الجيل الذي عاش لحظة عيد الجلاء يتذكر ان دمشق كانت تقصف بالمدفعية والدبابات والطائرات الفرنسية .. وكان مئات الشهداء يسقطون في الطرقات وفي بيوتهم .. ويتذكر ذلك الجيل مشانق المرجة الفرنسية وعرض الجثث الذي كان الفرنسبون يمارسونه لارهاب الناس .. ونحن في هذه الحرب الكونية عشنا نفس تلك اللحظات .. فقد كانت دمشق تقصف بوحشية وعنف وكل يوم .. وكانت حلب تقصف بوحشية واجرام وحقد وكل يوم .. ويذكر الحلبيون أيام معابر القصر وبستان الباشا .. والرعب الذي عاشوه من القناصة والتفجيرات بمدافع جهنم .. وكما كان جيل الاستقلال محاصرا ويتم تجويعه كان الارهابيون يجوعون الحلبيين لاركاعهم كما تفعل اميريكا اليوم .. فلا فرق بين اليوم والامس .. وكان ارهابيو زهران علوش يمنعون منتجات الغوطة ويدمرون الزراعة عمدا وجهلا بحجة الانتقام من شعب النظام الذي لاينضم لثورتهم .. الارهابيون هم من كانوا يجوعون الناس بأوامر اميريكا .. واليوم الارهابيون يمارسون الحصار والتجويع ومنع القمح والغذاء والنفط بأوامر امريكية ايضا


اليوم أعترف انني ربما صرت أتذكر كل ماكان يقال في احتفالات عيد الجلاء .. ذاكرتني تأخذني الى بعض الكلمات والعبارات التي لم تقدر طفولتي الحرة ان تستوعبها أو أن تفهمها من أفواه الكبار والعجزة الذين كانوا يحكون لنا حكايات الاستعمار الفرنساوي .. وكنا كأطفال لانفهم ماذا يعني ان نتذكر تلك المرحلة .. لأنني مثل اي طفل من ابناء جيلي عشت الحرية الكاملة في طفولتي .. ولم اشاهد الاحتلال .. ولم أعش الحصار .. وكان مااعيشه من ترف الحرية يحعلني لااقدر ماذا يعني ان تخسر الحرية ..
الا انني اليوم صرت أفهم ماذا كان يقال لي في طفولتي والذي تأخرت في فهمه عقودا .. لانني عشت الحصار وعشت تحت الاحتلال الارهابي للناتو ..
نعم طعم الجلاء اليوم رائع ومذاقه مذاق جميل .. اليوم حرر شعبنا معظم الارض التي كانت محتلة بعساكر الأتراك والفرنسيين والبريطانيين المهاجرين والايغور والتركمان ومرتزقة آل سعود والمأجورين القطريين والخلايجة والفرق الاسرائيلية للاخوان المسلمين .. ودحرنا الفيلق الاسلامي في الناتو المسماة القاعدة وداعش .. وسيتذكر كل هذا الجيل الذي عاش الخوف والاحتلال الارهابي للناتو وعاش الحصار الارهابي لمجتمعنا .. سيتذكر كيف ان الاستقلال شيء ثمين جدا .. وأن الحرية التي نعيشها في وطن بلا غرباء ولا عملاء هي الحرية التي لم نكن نقدر روعتها وطعمها الرائع .. وصرنا نعرف ماذا كان الجلاء يعني لذلك الجيل الذي استفاق يوم 17 نيسان ليجد ان شوارعه ليس فيها عسكر فرنساوي ولا بزات عسكرية غريبة .. ولاخيالة فرنسيون ولا عملاء يحيطون بهم .. ولا لغة أجنبية تصدر الاوامر .. ولا مندوب سامي .. ولاأسماء من بلاد الغال توقع قرارات الحكومة وتصادق عليها .. كل شيء صار سوريا صرفا .. 100% .. انه الاستقلال الوطني ..

في تحرير كل مدينة سورية حررناها اليوم عشنا فيها لحظات التحرير والسعادة والفرح ومرت في قلوبنا كما مرت لحظة صباح يوم 17 نيسان عندما استيقظ ذلك الجيل وهو لايصدق انه صار حرا ومستقلا .. وانه سيجوب كل الطرقات والجبال ولن يتعثر بعسكري فرنساوي واحد .. ولن يؤخذ الى غرفة التحقيق الفرنساوية .. وأن وطنه له وحده لايشاركه فيه اي غريب .. ولا انتداب .. واليوم دحرنا الغرباء والعملاء .. ولن نسمع لغة غريبة ولهجات ولكنات اوروبية والتركية ولاخليجية .. واليوم صهرتنا الحرب في جديد وعدنا شعبا واحدا موحدا يستحيل ان يتمزق .. الكل دفع الدم والكل قدم الشهداء .. والكل عانى ..


رحل الشهداء وبقي بيننا الجرحى .. ولازال بعض من شبابنا مجهول المصير .. واشتعلت فينا جذوة الحرية من جديد .. وصرنا نحكي عن ذكريات الاحتلال الارهابي الناتوي .. وأطفالنا صارت لهم مذكراتهم التي سيحدثون بها جيلا لاحقا .. وسيكبرون وينجبون .. وسيحدث ابناؤهم أبناءهم في المدارس عن الاحتلال الارهابي الناتوي لمساحات واسعة من سورية .. لايهم ان كانوا سيستمعون .. أو سيفهمون .. او انهم سيصغون للمدير والمدرسين .. ولن يهم ان غنوا او أنشدوا .. او تململوا واستعجلوا ان ينتهي الاحتفال .. وسينصرفون بسرعة الى البيوت والحارات ليلعبوا بحرية في وطن حر .. لن يتذكروا فيه طعم الاحتلال ولا طعم الحصار .. ولم يعرفوا شيئا عن عساكر الايغور والشيشان والتركمان والاوربيين المهاجرين والعملاء السوريين .. ولم تقطع الرؤوس امامهم ولم تفرض عليهم الطائفية والجهل .. ولم يمنعوا من التمتع بالحياة .. سيلعبون في وطنهم الحر .. الذي حميناه لهم .. وسنسامحهم ان نسونا وهم يتمتعون بالحرية التي لن يقدروا ثمنها الباهظ الذي دفعناه .. وسنضحك ان ملّوا من سماع حكاياتنا الطويلة وآلامنا واحزاننا .. وان هديتنا لهم لايعرفون قيمتها ويظنون انها تحفة من التحف وحكاية من حكايات الزير .. ومع ذلك فاننا سعداء أننا حررناهم بدمنا .. وسيستمتعون بوطن لهم .. ولدوا فيه أحرارا .. ولم يعرفوا الاحتلال ..


رحل الشهداء وبقيت قبورهم مثل أختام الطابو لملكيتنا لارضنا .. كل ضريح هو ختم الأمة على الارض .. وكل جثمان مزروع فيها هو وتد يثبتنا في ارضنا مثلما الجبال مزروعة كالاوتاد .. وبقي بيننا الجرحى مثل الشهود والحكايات المتجولة الحية .. ولازال بعض من شبابنا مجهول المصير ونتمنى ان نسمع اي شيء عن أخبارهم .. ولكن اشتعلت فينا جذوة الحرية من جديد .. وعشنا الحرية .. واكلنا من طبقها الشهي الحلو المذاق الذي لاتضاهيه أطباق الجنة .. مذاق شديد الحلاوة .. فلا هو عسل بل أحلى من العسل ولاهو شوكولا بل ألذ بكثير .. انه سكّر الحرية ..
ومع هذا .. لازالت هناك بقية .. وثمالة في كأس الحرية .. نريد ان نشربه .. عيد جلائنا ناقص .. طالما ان ادلب غائبة .. ومختطفة ورهينة .. وطالما ان بقايا الاميريكيين في التنف وفي الشرق السوري .. وبنادقنا لاتزال معنا .. ولاتزال فيها ذخيرة .. وفي عيونها عتب وغضب .. فلايزال هناك من يجب ان يموت برصاصها ..


نفسي لم تشبع من سكر الحرية .. ونفسي ظمأى تريد الماء القراح .. فلايزال حلقي جافا للحرية .. لم اشبع من الحرية .. ولن أشبع الا من ماء ادلب تحت ظلال الزيتون فيها .. ولن أرتوي الا من ماء الفرات والخابور .. ولن أعرف الراحة ونكهة الايمان واليقين الا بعد ان أتوضأ من ماء طبرية ..
كل عيد جلاء وأنتم بخير .. فلا عيد يفوق عيد الحرية .. وعيد الاستقلال .. انه عيد الاعياد لجيل حارب كل الكون من أجل ان يبقى حرا ..

كل جلاء وأنتم بخير .. ولنقل: ان سورية قامت .. حقا قامت ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s