آراء الكتاب: ماذا يحدث؟؟؟!!!- بقلم: ابراهيم الحمدان

في هذه المقالة لن أعود إلى السنوات العشر من عمر الاعتداء على سورية، ولا إلى تفاصيل الحرب الشرسة، ولن أجرد قلمي من غمده ليقارع الخونة والإرهابيين . بل أريد لقلمي في هذا المقال، وفي هذه المرحلة، الخروج من ساحة الحرب، ليكتب عن ملف يصعب الكتابة فيه، لما له من سرية، وغرف مغلقة، ويعتمد على التوقعات والتحليل السياسي البحت ، خاصة ونحن على أبواب التشافي من هذه الحرب.
فمن الملفات الصعبة والشائكة والحساسة ، كان ملف التفاوضات والتسويات الإقليمية والدولية، إن كان التفاوض مع وكلاء الحرب في الاعتداء على سورية ( تركيا والخليج) وإن كان مع الأصلاء في هذه الحرب، وهذا الاعتداء السافر ( أمريكا و إسرائيل) ، هذا الملف الصعب والمعقد، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تديره بشكل مباشر القيادة السورية، لارتباط هذا الملف مع أعداء سورية ، ولا تستطيع أيضا إيران أن تتولاه، ولا يمكن أن يقوم به حزب أو مجموعة أشخاص، بل يحتاج إلى دولة قوية، ذات هيبة عسكرية و َسياسية فاعلة، لها تواصل مع تلك الدول، وتحظى بثقة سورية . من هنا تفردت روسيا بهذا الملف بالتشاور والتنسيق مع القيادة السورية.
روسيا أدركت التخبط وعدم التوازن الأمريكي في الشرق الأوسط، إن كان من فشلها على الساحة العراقية، وإن كان بفشل مشروعها في الشرق الأوسط ( الربيع العربي)
ففي مصر شكل سقوط الإخوان المسلمين، فشل ذريع لهذا الربيع الإخونجي.
ليأتي الصمود السوري ، وتتوجه الانتصارات العسكرية المذهلة في ساحات القتال للجيش العربي السوري ليقضي على أحلام أمريكا وإسرائيل بإعادة ترتيب الشرق الأوسط بما يتناسب مع طموحاتهم.
من هنا استطاعت روسيا أن تدير المفاوضات بقوة وثبات، وأن تعكس انتصارات سورية العسكرية بملف المفاوضات، وتديره ليس فقط على مستوى الساحة السورية، بل استطاعت أن تديره على مستوى الساحة الإقليمية أيضا، والتي ظهرت نتائجه قبل رحيل ترامب عن البيت الأبيض، وأعتقد لو لم يهزم ترامب في الانتخابات الأمريكية ، لكانت التسويات قد أعلنت وخرجت للعلن .


فما الذي حدث؟؟؟
ترامب ( رئيس الولايات المتحدة الأمريكية سابقا) بالتأكيد لم يكن صاحب القرار الفصل في الملفات الخارجية وخاصة ( ملف الصراع في الشرق الأوسط) ، لكن ما حدث بعد سقوط ترامب بالانتخابات الأمريكية ورفضه لنتائجها ، وحماقته التي أظهرها، أجلت مسيرة تنفيذ ما توصلت إليه روسيا وصناع القرار في أمريكا، خاصة أن اليمين الإسرائيلي المتمثل ب نتنياهو الذي حاول استغلال خسارة ترامب في المعركة الانتخابية ليدفع به إلى حافة التهور بضرب إيران وتوريط أمريكا بحرب جديدة في المنطقة، والتي إن نشبت ستؤدي ،إلى حرب عالمية لا أحد يستطيع توقع نتائجها،أو على أقل تقدير ستحرق الشرق الأوسط دون استثناء.
ومع رحيل ترامب، وقدوم بايدن كمستجد للبيت الأبيض، ركض نتنياهو مرة جديدة، واستطاع أن يخلق حالة من التوتر بين روسيا وأمريكا ، من خلال تهجم بايدن على بوتن، ومن خلال افتعال حركشات عسكرية في أوكرانيا وتصعيد اللهجة ضد دمشق وطهران وموسكو، وترافق كل هذا مع استمرار الضربات الإسرائيلية على سورية، مما دفع بالرئيس بوتن إلى اتخاذ موقف حازم وواضح وقوي اتجاه كل من أمريكا وإسرائيل، لمحاولة القول أن ما تم الاتفاق عليه سيستمر، وسينجز.
فما هو السيناريو المفترض، والذي تم الاتفاق عليه بين روسيا وصناع القرار في أمريكا ،.
السيناريو المحتمل الذي يستطيع بوتن أن يجمع الأطراف كلها باتجاه قبوله، والذي بات ضرورة ملحة لجميع الأطراف في الشرق الأوسط،وحاجة ملحة لروسيا، وإعطاء الفرصة لعودة التوازن الأمريكي في الشرق الأوسط، هو إنهاء الصراع على عدة جبهات. أهمها الصراع بين محور المقاومة من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، والذي يضع حد ( للصراع العربي الإسرائيلي) وللغطرسة الإسرائيلية، (التي باتت مكشوفة السماء والجغرافية أمام صواريخ المقاومة) وإنهاء الصراع بين إيران ودول الخليج، وإنهاء الاعتداء على اليمن، ، وطرح معادلة جديدة، من خلال ثلاث محاور :
المحور الأول _ إعادة إحياء الملف النووي الإيراني،بين أمريكا وإيران تترافق مع إعادة تطبيع العلاقات الإيرانية الخليجية، ضمن صفقة شاملة مقبولة من قبل حلف المقاومة على تسوية شاملة تشمل سورية ولبنان، وإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

المحور الثاني – فرض عملية سلام بين سورية ولبنان من جهة وبين إسرائيل من جهة ثانية، مقابل عودة الجولان وما تبقى من مزارع شبعا.
وأعتقد من هنا تم طرح قانون قيصر، بموافقة روسية، بل بمساهمة روسية لتمهيد الأرض السورية، للقبول بالذهاب إلى عملية سياسية تتوج بعقد عملية سلام مع إسرائيل، مع تعهد بوتن بإجبار إسرائيل على الانسحاب من الجولان وما تبقى من مزارع شبعا.. مع وعود بإعادة الإعمار وتعويض سورية خسائر الحرب من دول الخليج.
اليمين المتطرف الإسرائيلي المتمثل ببنيامين نتنياهو الوحيد من بين كل الأطراف، غير راضي عن هذا السيناريو، وحاول ويحاول وسيحاول بشتى الوسائل أن يفشل هذا المشروع من خلال اعتداءاتها المتكررة على سورية ..والتواجد العسكري الإيراني في سورية، لجر المنطقة إلى حرب تخلط الأوراق من جديد .
المحور الثالث – إيجاد حل للقضية الفلسطينية ( يتوافق عليه الفلسطينيين، وأعتقد أنه يضمن عودة إسرائيل إلى حدود ٦٧) .
بإيجاز ،ما حدث، اتفاق روسي أمريكي لعقد اتفاق سلام بين سورية وإسرائيل، بقبول وتنسيق سوري إيراني، وإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي، مقابل انسحاب إسرائيل من الجولان وما تبقى من مزارع شبعا، وإيجاد حل للقضية الفلسطينية، يتوافق عليه الفلسطينيين، وإنهاء الحرب على سورية، وإعادة الإعمار بمشاركة خليجية أمريكية، ودفع تعويضات عن خسائر الحرب إلى الدولة السورية، مع الاعتراف بالانتخابات الرئاسية في سورية، وعودة سورية إلى الجامعة العربية .
وتمهيدا لهذا السيناريو تم فرض قانون قيصر، بموافقة ومساهمة روسية، كي تمهد الأرض السورية للقبول بهذه التسوية. وأعتقد تمت الموافقة السورية الإيرانية على هذه التسوية، مقابل عودة الجولان وما تبقى من مزارع شبعا… واعادة العمل بالاتفاق النووي، وإيجاد حل مقبول للقضية الفلسطينية.
ماذا يحدث اليوم إذا؟؟؟
ما يحدث اليوم هو عبارة عن ضغط روسي، على كل من أمريكا ( بايدن) وإسرائيل نتنياهو ( اليمين المتطرف، حيث بدأ هذا الضغط بعد قدوم بايدن للبيت الأبيض، وتصريحاته ومواقفه الغير مدروسة والمتأثرة برغبة نتنياهو بإفشال المشروع، فقبل أن يستقر بايدن في البيت الأبيض، وقبل دراسة الملفات، صرح تصريحات عدائية تجاه روسيا وإيران وسورية، مما خلق أجواء مشحونة . واعتبره بوتن خروج عن الاتفاقات مع صناع القرار الأمريكي، فما كان من بوتن إلا إظهار قدرته على ضبط الحركة وإظهار قدرة روسيا على إفشال أي مخطط ستنفرد فيه الولايات المتحدة إن حدث ذلك، فكانت الخطوات متتالية ومتلاحقة :
١ – بدأت بفك الحصار الاقتصادي المتمثل بقانون قيصر، تمهيدا لإفشاله.
٢-التهديد بفتح النار على إدلب، وهذه إحدى الملفات التي تعتبر خطر كارثي على أوربا وأمريكا وتركيا، (فإدلب يجب أن لا تنفجر، ولا تحسم عسكريا قبل إيجاد حلول ٱمنة، فمجرد الهجوم العسكري السوري مع حلفائها باتجاه إدلب، هذا يعني انفلات الإرهاب من تحت السيطرة، وفرار الٱلاف من الإرهابيين، باتجاه تركيا، وانتشارهم في أوربا وكل أنحاء العالم، وهؤلاء تعتبرهم تركيا وأمريكا وأوروبا قنبلة جرثومية، يجب القضاء عليها في أرضها، أو استخدامها في ساحات حرب جديدة ، فهؤلاء يشكلون خطر بما يحملوه من أسلحة كيميائية، وخبرات إجرامية، لذلك ملف إدلب وتسويته ليس بالأمر السهل، بل لابد من ضبطه، ولهذا الموضوع محور خاص.
٣- عدم تأجيل استحقاق الانتخابات لمنصب الرئاسة في سورية، بل المضي قدما بتولي الرئيس بشار الأسد قيادة سورية للمرحلة القادمة
٤-التلويح بعمليات عسكرية ضد القوات الأمريكية في الشمال السوري.
كل هذا أجبر بايدن على طلب اللقاء مع بوتن، وإعادة العمل على السيناريو المفترض، وهذا ما جعل من أمريكا إعطاء الإشارة إلى دول الخليج لإعادة التوجه إلى أبواب دمشق وقرعها وإعادة العلاقات معها،
( ولم يبق في الميدان إلا حديدان)
وحديدان هو بن يامين نتنياهو، ممثل اليمين الصهيوني المتطرف، والذي يعتبر إعادة الجولان وما تبقى من مزارع شبعا، والقبول بإيران كدولة نووية، وإعادة العلاقات الخليجية مع إيران ودمشق، والعمل على إيجاد حل للقضية الفلسطينية ، كارثة على رأس اليمين المتطرف وتجار الحروب في إسرائيل . فكان لا بد من تطويق إسرائيل بالنار، وخلق حالة جديدة في الشارع الإسرائيلي يعلم ويقدر أن السماء الإسرائيلية باتت مكشوفة، والأهداف الإسرائيلية الثابتة تحت مرمى صواريخ إيران وسورية وحزب الله. وأن أي عمل متهور لليمين الإسرائيلي سيؤدي إلى فناء إسرائيل. وتمثل ذلك بخطوات متلاحقة، ورسائل حربية عديدة، من الصاروخ السوري الذي انفجر قرب مفاعل ديمونا، إلى التفجير في مصفاة حيفا، إلى العديد من العمليات العسكرية داخل فلسطين المحتلة. إضافة إلى الانتفاضة الجديدة التي أربكت إسرائيل، ونجاح عمليتين عسكريتين خلال أسبوع واحد . كل هذا مجرد إنذار للشعب الإسرائيلي، ، واتوقع سنشهد عمليات عسكرية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ، للتخلي عن اليمين المتطرف، ونبذ مخططات بنيامين نتنياهو وإبعاد صقور الحرب عن القرار الإسرائيلي، وإيجاد حكومة، وهيكلية جديدة تقبل بعملية سلام مقابل إعادة الجولان وما تبقى من مزارع شبعا، والقبول بالعودة إلى حدود أربعة حزيران ٦٧، أو حل يتوافق عليه الشعب والفصائل الفلسطينية. وكل هذا تحت إشراف بوتن، وموافقة أمريكا التي باتت تدرك أن محور المقاومة يمتلك القدرة على هزيمة إسرائيل، وأن أمريكا وأوروبا وحلف الناتو عاجزين عن حماية إسرائيل، وأن الحل الوحيد هو السلام الحقيقي. فلا التطبيع مع دول عربية حقق معادلة الأمن لإسرائيل، ولا القبة الحديدية حققت الأمن لإسرائيل، ولا الربيع العربي حقق الأمن لإسرائيل، ولا الحرب على سورية أبعدت سورية وإيران وحزب الله عن محور المقاومة، ولا حل إلا بالسلام العادل، الذي يعيد الجولان ومزارع شبعا، ويعطي الفلسطينيين حق الحياة.
وفي الختام نتساءل،جميعا ماذا سيحدث؟؟ ماذا سيحدث؟؟؟؟ فهذا السؤال تأتي أهميته من ارتباطه بلقمة عيش ورغيف الخبز للمواطن ، مرتبط ، بدفتر ومريولة ولعبة أطفالنا، مرتبط بقدرتنا على النوم دون خوف من ذبح أطفالنا وسبي نسائنا، لذلك نحن نكتب، لذلك نحن نهتم، لذلك نحن نقاتل، فالوطن ليس شعارات ومزاودات متسلقين ، بل الوطن مصدر رزق للفقراء، مصدر دفء في البرد، مصدر أمان وتعليم واستشفاء وكرامة، فلا أحد يزاود على الفقراء، لأن من صمد وقاتل وقدم الشهداء هم الفقراء، لذلك نحن نكتب، عن الوطن لأن الوطن وطننا.
فالوطن مثل الحب الأول في حياتنا، حتى لو أبعدنا الزمن عنه وابتعدنا, تبقى بذرة الحب المزروعة والممتدة في الذاكرة.
وإن كان الفرد منا صمد وقاتل ليدافع عن بيته و أطفاله ومصدر رزقه في وطنه ، خرج منا رجل اسمه ( بشار ) قاد صمودنا، ونسق حركتنا، وأعطانا الأمل بالتغلب على عدونا، شكل التحالفات التي ناصرتنا، وقاد الجيوش ( الجيش العسكري، والجيش الدبلوماسي، والجيش السياسي) كي لايفكك هذا الوطن ويقسم ويباع كخردة للأمريكي والإسرائيلي والتركي والخليجي،ويتحول من مصدر رزق للمواطن إلى مصدر استرزاق للخونة والأعداء.. فسورية لم تقسم ولن تقسم، ولن تفكك ولن تباع، وما فككه الإرهابيين منها سيعود وتعود معه الجولان قريبا… وتتحول سورية إلى درة الشرق الأوسط، ورئيسها بشار الأسد إلى قائد وزعيم عربي.


ابراهيم الحمدان

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s