غزة غرفة الاعتراف .. هل تغيّرنا يا نتن ياهو؟؟

في الحروب تقاس الخسائر بمقدار ماتتغير القيم والافكار .. فالجانب الذي يغير قيمه ومعتقداته وايديولوجيته هو الذي يكون قد خسر الحرب حتى وان كان يتمدد جغرافيا او يتوسع ويحكم بالسلاح والنار .. ولذلك تجد ان العرب الذين دخلوا بلاد المشرق انتصروا عسكريا ولكنهم وبنجاح تمكنوا من تغيير ايديولوجية السكان وانتمائهم وقيمهم الروحية والمادية وأدخلوهم في معتقداتهم الجديدة التي اختصروها بالاسلام .. وهذا هو الانتصار الكامل .. ولكنهم في اسبانيا رغم انهم حكموها لثمانية قرون فانهم لم يغيروا ميل اهلها للنموذج المسيحي لأن غايتهم كانت ليست الايديولوجيا بل الأرض والاندلس .. وكان اخراجهم من اسبانيا دليلا على فشلهم في الانتصار على المغلوبين من الاسبان الذين حافظوا على لغتهم ومعتقداتهم وقيمهم الى ان وصلت لحظة تاريخية لاسترداد الحكم بالقوة العسكرية .. وكذلك نجد ان العثمانيين رغم انهم بقوا في ديارنا 400 سنة منتصرين ويحكمون بالحديد والنار الا انهم رحلوا ولم يقدروا ان يجعلونا أتراكا .. ولم نتعلم منهم اللغة بل اننا علمناهم كل شيء .. واعطيناهم الكثير .. فلغتهم وحروفهم كتبت بالعربية ودينهم عربي الهوية .. وكل العمران والثقافة كانا بيد عربية .. وعندما طغى الجانب العثماني على الثقافة العربية والاسلامية تراجع الاثنان وتقهقرت القيم الانسانية وتخلف الانسان .. وفي لحظة تاريخية حاسمة تخلص العرب منهم وتلاشوا وكأنهم لم يكونوا هنا 400 سنة .. لان لاايديولوجيا لدة العثمانيين سوى العسكر والارض وعقلية الاقطاع ..


اليوم اذا حاكمنا الربيع العربي المشؤوم وفق هذه الطريقة في التحليل فعلينا ان نسأل ان كان الصراع الذي حدث في الربيع العربي قد غير القيم والنفوس والعقائد والايديولوجيات .. فان تحقق هذا فالسؤال التالي سيبرز في الحال ليقول: هل التغير كان في صالح العدو ام في صالح معسكرنا؟؟ ..
العدو في الحرب على سورية ومحور المقاومة وفي كل خديعة الربيع العربي أراد تحقيق مجموعة اهداف خطيرة هي التي كانت يستعد لحصادها واول هذه الاهداف هي الفصل بين الاسلام والعروبة وتكريس العداء بينهما .. ثم الفصل بين فلسطين والشعوب العربية بفاصل اسلامي دموي .. واحلال شعار النأي بالنفس تحت عنوان (نحن أولا) .. وأخيرا تسميم الاسلام بمشاعر الناس التي تنفر منه وتكن له البغضاء وتحتقر كل ما يتعلق به ومايصدر عنه ..

نتنياهو: "حماس" و"الجهاد الإسلامي" ستدفعان "الثمن باهظا" - RT Arabic

قبل ان نواجه المسألة دعونا نقوم بزيارة خاطفة الى لتجربة العراقية البعثية حيث نجح الامريكي نجاحا منقطع النظير في تغييرها .. فقد جعل الشخصية العراقية الجديدة تنقم على العروبة بسبب حروب صدام حسين التي استدرج اليها .. وبعد احتلال العراق عززت القوة المحتلة ذلك النفور بقانون اجتثاث البعث بمجرد وصول بريمر الى العراق .. اي اجتثاث الايديولوجية التي تناقض المشروع الاميركي والاسرائيلي .. ثم فصلت دستورا طائفيا مؤازرا لاجتثات البعث او هو في الحقيقة دستور اجتثاث البعث والعروبة .. وهو الذي أسس لصناعة عنف داعش لتحدث ردة فعل عنيفة على الاسلام ونفور ابين السنة والشيعة وفواصل من الدم الغزير والكراهية بينهما .. وانتصر الامريكيون ايديولوجيا رغم ان الانطباع يقول بأنهم خرجوا من العراق مهزومين .. ولكن العراق الذي تركوه ليس العراق الذي دخلوه ؟؟ والعراقي الذي حاربوه في 2003 ليس العراقي الذي تركوه عام 2014 .. فعقله مختلف ودستوره مختلف وتفكيره مختلف ..
وفي تجربة اخرى في مصر نجح المشروع الصهيوني والامركي في انتزاع شأفة الناصرية والشعور القومي من شرائح واسعة مصرية صارت تنظر بازدراء للعروبة والقومية .. وتكتفي بشعار مصر اولا .. وسياسة النأي بالنفس .. والمصري الذي حارب المشاريع الغربية عام 56 وعام 67 وعام 73 ليس هو المصري اليوم فقد تغير كثيرا .. وتغيرت مفاهيمه وقيمه واولوياته ومشاعره ..


وهذا الميزان هو الذي سيقرر أحدنا عندما يجلس وحده وجها لوجه مع نفسه ليعترف ويقر دون ضغط او اكراه انه تغير او لم يتغير .. فاذا احس انه لايقدر ان يكون عربيا بعد اليوم ان كان مسلما او مسيحيا .. أو لايقدر ان يحدد هويته بانها اسلامية ان كان مسلما .. او انه ناقم على فلسطين لانها بسببها دفع ثمن هذه الحرب او لان حماس خذلته .. فليعلم ان ماقاتل من أجله قد انتهى وأنه هزم هزيمة نكراء .. وان احتفالاته بالانتصارات والتحرير لامعنى لها .. بل وان الثمن الباهظ من الشهداء ذهب دون فائدة ..والسبب هو ان كل أهداف العدو تحققت .. فهو كانسان تغير في أحد الركائز الاساسية التي بنت شخصيته وعقيدته ومفاهيمه وقيمه .. والربيع العربي هو استمرار لحروب سايقة بوسائل مختلفة ولنفس الاهداف والغايات ..

في الحرب على سورية ركز الغرب والاسرائيليون على تحطيم فكرة المقاومة والاسلام وفلسطين لأن محور المقاومة كان تحالفا قويا بين الايديولوجية الاسلامية في ايران والعقيدة البعثية القومية والعروبية في سورية .. وفكرة المقاومة الشعبية التي جسدها حزب الله .. وهؤلاء جميعا تجمعهم فكرة استعادة فلسطين .. ولكل غايته في هذه الاستعادة ومنطلقاته فيها .
في الحرب على غزة هناك طابور مندس في الجمهور السوري ومستعربون يتسللون بين الصفحات السورية يريدون ان يختبروا نجاح الحرب على سورية وان كان وقت الحصاد قد حان .. فهنا من يشمت بحماس وهناك من يحرض على فلسطين وغزة .. ويعيد التذكير بالسافل خالد مشعل ورفعه علم الثورة السورية .. والبعض يحرض ضد الوقوف الى جانب الفلسطينيين لأن بعض المقاتلين الاسلاميين الفلسطينيين كانوا ضمن المجموعات الارهابية في سورية ..


أنا لاأخفي أنني لم أعد احب حماس ولن اسامح قادتها منذ ان تورطت في لعبة الاخوان المسلمين وفقدت ذاكرتها .. واهدت فلسطين لأمراء قطر ثم اخذتها لتعرضها في اسواق استانبول لترقص بين يدي سلاطين بني عثمان .. ومافعلته حماس بقضيتها لايقل عما فعلته فتح في اوسلو .. لأنه لافرق بين خيار استانبول او الدوحة وخيار اوسلو .. فكلاهما تنكر لفلسطين ولحق هواه .. وكان من نتيجة هذا التهور والحماقة ان اسرائيل صارت تستدرج البعض من العرب والسوريين الى لعبة التشفي والنأي بالنفس عن فلسطين نكاية بحماس .. او انه يرى لم يعد يرى الفرق بين فلسطين وحماس ..


ان اي محاولة للنأي بالنفس عما يجري في فلسطين وغزة اليوم تعني ان اسرائيل نجحت في حصاد اول ثمار الربيع العربي فكما ان الناس استدرجت الى الحيلة الاسرائيلية المسماة الربيع العربي فان ثمار الحيلة ومرحلتها الاخيرة هي في فصل العربي عن فلسطين وهذا سيتحول بشكل آلي الى شعور باللامبالاة بوجود اسرائيل طالما ان البديل هو فلسطين ..


على كل سوري ان يختبر نفسه في هذه الايام ان كان سقط في الربيع العربي بالضربة القاضية ام لا بسؤال عن علاقته بفلسطين .. ولكن عليه ان يتذكر انه خاض حربا عظمى وطنية ليس من أجل شخص او رئيس او قيادة .. بل من أجل خيار واستقلال في الخيار .. وقفنا الى جانب الرئيس الأسد لأن خياره كان الاستقلال الوطني .. ولأنه كان خيارا ضد اسرائيل وضد ان نذعن لارادة الغرب في قبول هذا المسخ الذي يسمى اسرائيل رغما عنا .. وكان خيارا مع الاسد لأنه اصرار على ان فلسطين هي قطعة من سورية .. وكل من يقاتل من أجل فلسطين فانه يقاتل عن سورية نفسها .. ولذلك وقفنا مع حماس يوما عندما كانت تقاتل عن فلسطين وليس عن الاخوان المسلمين .. ولكن كما ان بعض الحمساويين أغوتهم الشعارات الخليجية التي دوخت العرب ودوخت كثيرا من السوريين الذين صاروا اتراكا في أهوائهم .. فان غالبية فلسطينية لم تكن منسجمة مع خيار حماس وانقلابها ..


انفرد بنفسك .. اغلق الباب .. وقف وجها لوجه مع ذاتك في لحظة اعتراف واسأل نفسك .. هل تغيرت؟؟ هل نجح الغرب في تغيير انتمائك الذي كنت عليه عام 2011 ؟؟ هل صرت تخجل من الاسلام او تناصبه العداء؟؟ هل صرت تكره العروبة والقومية؟؟ هل صرت منطويا على ذاتك وتحس ان ماقاله ملك فرنسا (أنا ومن بعدي الطوفان) هو شعارك في السياسة؟؟ هل تحس باللامبالاة بفلسطين والمسجد الاقصى؟؟

اذا كنت كل هذا فاعلم انك قد خسرت الحرب وان الاسرائيلي توج نفسه منتصرا عليك لأنه غيرك بلعبته القذرة .. وأنت صرت لست أنت .. وان منظومة القيم التي كنت تدافع عنها كخيار قد تبعثرت واحترقت وان كل ماضحيت من أجله ذهب أدراج الرياح وان كل تضحياتك وشعاراتك كانت صراخا في برية ..


هل انتصرت اذا كان الاسد قد بقي ولكن خسرت قضية الاسد وفلسفة الاسد وتوجه الاسد وخيار الاسد ورهان الاسد؟؟ هل ستمنح الاسرائيلين ونتن ياهو هدية رائعة بأن تقول له انه نجح فعلا في فصلك عن معاركه وقام يتحييد روحك وعقلك وعواطفك .. وقام بتمييع شعاراتك ومحوها من عقلك وذاكرتك كما لو انها كانت كتابات على الرمال ..


ماذا يريد نتنياهو غير ذلك؟؟ انها غاية الحرب التي جند لها كل مافي تراثنا من قذارات وكل مافي شعوبنا من سذاجة وطيبة وحماس وغباء .. واذا وقعت في هذا الفخ فماالفرق الآن بينك أيها السوري وبين منتجات كامب ديفيد؟؟؟ اليس هذا هو شعور أي واحد يعيش في مجتمعات وثقافة كامب ديفيد؟ أليس هذا هو شعور الاخوان المسلمين الذين تحول الاسرائيلي الى صديق عظيم ووفي وحليف ضد أهله واخوانه؟ ماالذي فعلته كامب ديفيد اكثر من ذلك من تحييد مشاعر الناس وتبليدها وتحنيطها وتبريدها وتحويلها الى لامبالاة وتحويل الجمهور الى متفرج نعسان على مشاهد افلام الرعب؟ اليست هذه هي الهزيمة الحقيقية حتى وان كنت تظن انك انتصرت؟؟ ألا تستحق الشفقة وان يضحك عليك نتن ياهو وافيخاي ادرعي؟؟


أنا لم اتغير .. ولن أتغير .. لأنني أعرف ان كل ماحدث وكل الحروب وكل الخراب وكل الدمار كان من أجل ان نصل الى نتيجة واحدة وهي ان فلسطين ليست قضيتنا بل هي ملك للأمم المتحدة والانوروا واسرائيل .. وان سورية أولا وفقط هي الخيار الصحيح للسوريين ..
العراق ضرب من اجل اسرائيل .. ولبنان ضرب من أجل اسرائيل .. ونيويورك ضربت من أجل ان تحرج فلسطين العرب والمسلمين .. وسورية ضربت وتضرب من اجل ان تتنكر لفلسطين وتسالم اسرائيل .. واليمن وليبيا .. وحتى مصر تحاصر في مياهها من اجل ان تبقى رهينة ولاتتدخل في اي صراع مع اسرائيل الى الابد .. وكل شيء مرتبط بهذه الاسرائيل والاصرار على ابقائها في أفواهنا كالحذاء ..


اذا أردت ان تعلن انتصارك في الحرب الوطنية العظمى في سورية .. فلتنظف مشاعرك وعقائدك من دخان الحرب .. ولتتطهر من التلوث الايديولوجي .. والتلوث الروحي .. ولتغسل جدران قلبك من آثار الغرف السوداء الاعلامية التي جعلت قلبك شديد السواد .. اياك ان تنتصر اسرائيل فيك على فلسطين .. او أن تبعدك حماس عن القدس .. واياك ان تسمح ببذور التشويه التي زرعت فيك ان تنمو وتكبر وتصبح أشجارا ..


اذا كانت اليوم غزة تقاتل اسرائيل .. فانها ليست حماس التي تقاتل .. ويحاول خالد مشعل من قطر ان يقنعنا انه هو من يقاتل .. بل من في غزة يقاتل هم لاجئون ومظلومون .. واطفال سرق منهم أباؤهم .. وشباب سرق وطنهم منهم وعاملهم العالم باهمال وحاصرهم كل العالم وتلاعب بهم كل العالم .. حتى تركيا دست السم لهم في أطباق حزب العدالة والتنمية .. والعرب اندسوا في عمائمهم .. وفي مساجدهم .. وفي بيوتهم من أجل اسرائيل .. اسرائيل التي رسمت الحرب على سورية .. وخاضتها بأذرعها ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s