عشاء كشاشي الحمام .. ورأي لايجامل من قلب الشارع السوري

لايزال يقيني ان الفيسبوك لاتقبل شهادته ويصح فيه ان مصداقيته بسوية مصداقية كشاشي الحمام في سابق الأيام ولو انني على يقين ان كشاشي الحمام كانوا أنقى واصدق واطهر من هذا الذي أراه في الفيسبوك من ثرثرة وتزوير مخلوط بالحقائق وتناقل للشائعات وتلفيق الصور والاخبار .. وأنا منذ بداية موجة الجنون العربي المسمى الربيع العربي .. كنت أتجاهل احاديث وصور وكتابات منتشرة في وسائل التواصل كالنار في الهشيم عن الحرية والديمقراطية .. وعن الضحايا والقتل .. وكنت ألجأ الى الاحتكاك بالناس وأعرف الحقيقة منهم .. فللحقيقة فم لايعرفه الفيسبوك ليقبله .. وانان اريد تقبيل الحقيقة من فمها ..

في هذه الأيام التي يشتد فيها الحصار والضغط على السوريين .. قررت ان لاأقبل شهادات الفيسبوك على مافيها من حقيقة وتزوير لأنه يسبب الكآبة وهو يتحدث عن اليأس والسأم وينشر ثقافة جمعية عن الإحباط والبحث عن المهاجر والرحيل .. ونسيان الامل .. وقررت ان أقرأ في عيون الناس واحداقهم كي أسبر مافيها وكي أتسرب الى ضمائرهم باقترابي منهم .. لأن وزارة الاعلام السورية التي نجحت نسبيا في فترة الحرب فانها للأسف أخفقت وفشلت في مرحلة مابعد الحرب في فتح طريقة تواصل ذكية وفعالة لاستثمار الانتصار وقراءة التحولات التي طرأت على العقول والقلوب .. وتركت الناس للشائعات من جديد .. وجعلت الناس تفقد الثقة فيما يقال على وسائل الاعلام الرسمية في الأمور التي تتعلق بحياتهم اليومية وطرق معالجة الازمات ..

وانا في بحثي عن الحقيقة اسلك سلوك العلماء في التقاط العينات العشوائية .. ولااكتفي بما يريده قلبي بل بما تراه عيناي وعقلي .. ولذلك فانني لاأستطيع ان انسى مشاهد عندما نقل لي صديقي طفولتي مارأى وسط حديقة في دمشق كان قد سار بين جموع الناس الذين كانوا في الحديقة يجس العيون ويقرأ الوجوه بعضها متعب وبعضها مطمئن .. بعضها منهك حائر وبعضها مليء بالرضا .. ولكن لفت نظره انه رأى شبانا يافعين من الواضح انهم فقراء يلهون في الحديقة وهم يتضاحكون وكأن الدنيا ضحكت لهم رغم ان البلاد تعيش أجواء الحرمان من السعادة ومن الرفاهية .. والشباب هم سفراء المستقبل فيما المعمرون سفراء الماضي .. ودهشت عندما اقتربت منهم ورأيت انهم يتبادلون الدعابات بسبب افلاسهم وقد حولوا المأساة الى ملهاة .. ثم جمعوا مابقي من ملاميم معهم واشتروا نوعا من المرطبات وجعلوا يتشاركون ضاحكين .. كان من الواضح ان هناك شيئا لايدرك يجعل هؤلاء اليافعين يحسون ان في الحياة أشياء جميلة تستحق ان ننتظرها وان لديهم كما هائلا من الامل بشيء سيأتي بعد انتظار ..

وأضاف: عندما جلست على مقعد يتابع المارين لأقرأ وجوههم والتقط بعض احاديثهم اقترب مني رجل كهل واستأذن ان يستريح بقربي .. فوجدتها فرصة للحديث مع أناس لاأعرفهم ولايعرفونني .. وكان يراقب طفلتين تلهوان .. وتبدو عليه علامات السأم فجعل يسلي نفسه في لعبة على جهاز الموبايل .. ولما خسر ابتسم والتفت لي وقال لي: لايبدو انني سأربح أبدا ..

فتجاذبنا اطراف الحديث .. وهنا بدأت عملية السبر والتقصي في عيني عشوائية جلست بقربي دون تخطيط مني .. فعلمت انه من المنطقة المجاورة وجاء مع حفيدتيه الى الحديقة وانه يملك محلا تجاريا على طريق ببيلا .. فسالته ان كان العمل قد تراجع هذه الأيام فنفى وقال لي لايزال جيدا والحمدلله .. ثم أراني صور محله على الموبايل وكان جميلا يتلألأ .. فسالته ان كان بناه حديثا فنفى وقال انه منذ التسعينات ولكنه تحول الى رماد في الحرب .. وعندما تم تحرير المنطقة على يد الجيش السوري عاد اليه وصعق لانه كان مجرد هيكل عظمي .. حتى البلاط والسيراميك والاسلاك نهبت والجدران تهتكت وتفتتت وتخردقت .. ومع هذا فقد حمد الله وأثنى عليه لأن المحل التجاري الكبير لايزال واقفا ولم يتعرض للانهيار .. وقال لي: تلك اللحظة كانت لحظة تعلمت منها من ذلك المحل الذي وقف ولم ينهر وكان علي ان اتلقى تلك الرسالة بأن المحل يدعوني لكي أكون قويا مثله وأبحث عن التجديد والامل  .. وفي الحال استعنت بما كان بقي لدي من مدخرات ومن مال ارسله لي ابنائي وعاد محلي زاخرا بالحيوية والزبائن والحياة ..

وتابع صديقي قائلا: وهنا سألته ان كانت الحرب قد غيرت فيه شيئا او انه كان في بدية الحرب قد انجذب الى الشعارات البراقة للثورجيين فردّ على الفور معترضا وقال لي: لا .. انا منذ ان رأيتهم نصحت كل من حولي الا ينجروا اليهم .. لأنهم كانوا من الزعران واللصوص وكان من الواضح ان وصفتهم هي لتخريب البلاد ..

فسألته ان كان واجه اعتراضا من المحيطين به على هذا الموقف فقال لي بل على العكس ان 90% من الناس حولي كانوا مثلي ولم يتغيروا ..

فقلت له ولماذا هذا الموقف الذي لم يجعل لعابه يسيل لشعارات مغطاة بحلوى الحرية والكرامة .. فنظر الي معاتبا وقال لي: يابني انا رجل سبعيني من ريف دمشق وانا عاصرت كل العهود الحديثة ولكن علي أن أعترف ان افضل عهد عشته وتفاءلت به كان عهد الرئيس بشار الأسد .. فقد رأيت بأم عيني نكهة الحرية في السنوات العشر التي سبقت التدمير والحرب .. ورأيت الناس وقد انفرجت همومهم الاقتصادية والمعيشية .. وكنت اذا بحثت عن كرسي في أي مطعم في دمشق او على طريق المطار لما وجدته الا بصعوبة لأن السيولة توفرت مع الناس وخرجوا الى الحياة وبدأنا نتذوق طعم الحياة والاستثمارات وصار لعامل النظافة قدرة على شراء سيارة .. ولم نكن نعرف كيف نقضي اوقاتنا الجميلة في تلك البحبوحة والرفاه والحرية .. ولذلك عندما سمعت شعارات الزعران عرفت انهم مفوضون بتخريب هذه السعادة التي بدأت تتسرب الى المجتمع السوري .. هؤلاء لصوص ليس لديهم مايخسرونه كما هم الان في درعا .. فهم مجموعة يائسة من القتلة الذين يعرفون انهم مهزومون ومقتولون فيحاولون قبض ثمن باهظ بالدولار من مشغليهم السعوديين ..

فاستأنف صديقي استقصاءه وقال: سألته وهل فكرت في الهجرة؟ فقال نعم .. هاجرت الى تركيا مع اولادي الأربعة .. ولكني لم اطق العيش بعيدا عن بلادي سوى أشهر قليلة .. وأحسست انني لو صرت امبراطورا في تركيا فانني سابقى غريبا خاصة انني لمست العنصرية والكراهية في عيون الاتراك .. فلا شيء يساوي شعوري في بلدي .. وقد عاد اثنان من أولادي معي وبقي اثنان لأنهما أسسا محلا تجاريا هناك وهو يمدنا بالمال ان احتجنا.. ولكن صدقني ياولدي لو عاد الاستقرار والخدمات لعادا فورا للاستثمار في سورية .. وكما تعلم فان ضعف توفير الخدمات والطاقة والكهرباء آذى العمل التجاري والاستثمار .. وماعلينا الا ان ننتظر الفرج ..

فسالته: وهل انت متفائل ؟؟ فأجاب بايماءة قوية من رأسه وأضاف .. طبعا .. أنا متفائل لأن البلاد مثل الجسد الذي يفاجئه المرض والحمى والجلطة وفقر الدم والالم دون سابق انذار .. وهو يحتاج الى رحلة علاج طويلة كي يتعافى .. وبلادنا ستتعافى باذن الله .. وأنا متفائل بأن المهاجرين هم الذين سيعيدون الحياة بسرعة بما سيكونون قد اكتسبوه من خبرات واطلاع على التجارة والبزنس والعلوم والتقنيات التي ستسرع في نهوض البلد ..

وأحس صديقي بالقشعريرة من هذه الصوفية الوطنية وقال: في الحقيقة بدا علي الاندهاش من هذا الوعي الوطني العالي .. وسالته\ الرجل: ومارايك بما يقال عن الفساد؟؟ فقال نصفه صحيح ونصفه شائعات وتحريض .. ولكن هذا لايهمني .. فأنا واصدقائي عدنا الى اعمالنا وتلقينا الدعم من الدولة .. وان كان هناك فساد فلن يجعلني أطعن دولتي التي وقفت معي وساعدتني ومات نصف شبابها الجنود من أجلي ..

في الحقيقة ان هذا اللقاء العفوي المنظم مع هذا الرجل السبعيني جعلني احس ان المواطن السوري هو الذي يرسم سياسة الدولة وهو الذي يعلمها .. ولن ابالغ ان قلت ان لقائي معه كان اكثر فائدة ومعرفة من المسؤولين في وزارة الاعلام ووزير الاعلام الذي فشل في ان يخاطب الناس في هذه الازمة المعيشية كما فعل هذا الرجل الذي لم يكن امام أي كاميرا .. واظن انكم ربما ستجدون ان هذه المقابلة العابرة العشوائية كانت تعبيرا عفويا وافضل من مقابلة السيدة لونا الشبل التي حاولت ان تتحدث الى الناس .. ولكنها كانت تحتاج الى ان تمتلك تجربة ورؤية ذلك الرجل السبعيني كي تكون اكثر تأثيرا ..  

====================================

في الصورة نموذج لاولئك المعارضين الذين يعملون لارهاق الشعب السوري .. ووانا على يقين ان هذا الرجل السبعيني الريفي الدمشقي سينظر باحتقار شديد الى هذه الحفنة من المرتزقة التي تلتقط الصور التذكارية مع من يعذب بلاده ويحرق محله التجاري وجعله مشردا لأشهر في تركيا .. ويحرمه من متعة العيش والاستقرار والعمل هذه الايام .. هؤلاء هم من يقتل هذا الرجل ويريد قتل حفيدتيه بعد حفلة سخية مع ضيفهم الأمريكي التقطوا هذه الصورة التذكارية للاحتفال بالدعوة لتشديد الحصار على سورية .. من اميريكا .. وانقاذ قتلة درعا من عقاب الجيش السوري ..

صورة لبعض العملاء السوريين وهم يستضيفون السناتور بوب مينانديز رئيس لجنة العلاقت الخارجية .. فمن هو كشاش الحمام؟ السناتور ام العملاء؟؟ ان يقيني ان هذه الصورة جعلت السيناتور مجرد مرب للدواجن !!

بالمناسبة من هو الشخص (او كشاش الحمام) الذي يحس بالاريحية الى درجة انه يتجول في الحفل بجواربه .. العلاقة خوش بوش مع السيناتور على مايبدو ؟؟

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s