من أنا؟؟ مقالة مشعّة .. احتفاء بالمفكر والباحث العربي الدكتور عمر ضاهر ..

لاشك ان كثيرين منا لايزال يذكر المفكر العربي العراقي الدكتور عمر ظاهر الذي كان يكتب عن دمشق كأنها بغداد .. وعندما كان يكتب عن بغداد كنا نحس انه يعني دمشق .. هذا المفكر الأصيل لم يتعب وظل يلاحق الأمل .. ويخاطبه .. ومنذ أيام تواصلت معه وحصلت على مقالة بديعة من مقالاته الجميلة الوجدانية التي تشبه الاعترافات والخلاصات .. الخلاصلات التي تختصر جيلا وتجربة وعصارة فلسفية كثيفة جدا .. كأنها مكتوبة بعناصر مشعة لاتتوقف عن الاشعاع الا بعد بضعة آلاف سنة ..

عندما أرسلت أسأل الدكتور عمر ضاهر عن سبب غيابه رد بهذا المقال الرائع …ربما ستجدون ان هذه المقالة هي مقالة يتمنى كل واحد منكم ان يكون قد كتبها .. لأنها قادمة من أعماق قلبه التي لايراها ولكنها يحس بها ويسمع الصدى منها .. اقرأ واستمتع

بقلم: الدكتور عمر ضاهر:

عندما حُشرتُ في السياسة كان عمري ثماني سنوات. دفعتُ في ذلك العمر ثمنا باهضا لكون أخوّيَ تلميدين في الثانوية العامة، مما كان يعني أنهما – وفقا للموظة في ذلك الوقت- شيوعيان. لا أعرف أية حياة كنت سأعيش لولا انقلاب تموز 1958 وما تلاه من مد شيوعي تبين لاحقا أنه كان كاذبا، فالمد نفسه تلون بلون حزب البعث العربي الاشتراكي، وتلون بعد الاحتلال الأمريكي الصهيوني للعراق بألوان الطائفية البغيضة. أنا عوملت في المجتمع المسلم المنافق كشيوعي وأنا في الصف الثالث الابتدائي، الناس والمعلمون، والأقرباء عاملوني كشيوعي وأجبروني على أن أعتقد أني شيوعي، ومخلوق كي أصبح شيوعيا. لكني لم أصبح شيوعيا قط، مع أني انتميت إلى الحزب الشيوعي العراقي لفترة قصيرة. وهذا ما أفخر به، فالشيوعيون كانوا، على طريقتهم، وباء لعبت به الأصابع الصهيونية، وساعدت على نشره مثل الكورونا!
والآن بعد أكثر من ستين سنة من التمرغ في الصراعات التي لحقتني، أو لاحقتها بنفسي حتى في أوروبا، حان الوقت لأقدم لنفسي الحساب النهائي: من أنا؟ وماذا أريد؟ وماذا سأترك ورائي؟ وإجابتي بسيطة، وفي غاية البساطة: أنا عربي، ليس بالدم، بل بالثقافة والفكر، واللغة، والانتماء. أريد دولة عربية يعيش الإنسان فيها بكرامة مثلما يعيش الدنماركي في دولة تتولى المسؤولية عنه منذ النشوء في رحم الأم إلى الاستقرار في قبر له حرمة. وسوف أترك ورائي الكلمة الصادقة، لا أريد عليها لا جزاءً ولا شكورا.

أما أني عربي، فأنت تعرف، بلا شك، أن العروبة لا ترتبط عندي لا بالدم ولا بالدين. لكن ربما تتذكر مقالاتي عن كوني بدويا. ذلك أني أرفض أن تكون سياسة السعودية وقطر والإمارات وكل كيانات الأباعر مبررا لفصم عرى ارتباطنا بالعروبة. وربما لا تعرف أني لا أعتبر نفسي مسلما إلا بقدر ما أعتبر نفسي مسيحيا، ذلك لأن الدين أصبح موروثا وليس خيارا. وقد تركت لأولادي حرية اختيار دينهم، إن أرادوا دينا، شريطة ألا يفعلوا ذلك قبل بلوغ الأربعين من العمر. لكن المساس بمحمد وبالمسيح لا أطيقه، فهما من عباقرة المفكرين الثوريين في تاريخنا. وأنا لست مع الشريعة، لكن المساس بالقرآن سلوك طفولي ممجوج.

المسيحية والإسلام جزء أساسي من تراثنا ومكون أساسي في هويتنا. وهذا التراث، على علاته، أنبل من التراث الفرنسي بكل غروره الفارغ، ومن التراث البريطاني الاستعماري الجشع، والتراث الأمريكي المعجون بالجريمة والقتل الجماعي منذ استعباد الأفارقة وإبادة “الهنود الحمر”، مرورا بهيروشيما، وفيتنام، والعراق، وغير ذلك. لن نقاتل أبدا من أجل دولة إسلامية، ولن نتنكر لحرية الرأي، لكن جعل تراثنا وهويتنا هدفا للهجوم والتسفيه هو خدمة مجانية للصهيونية.

لذلك فإني لا يمكن أن أكون على خط واحد، أو في خندق واحد، مع أشخاص من أمثال نضال نعيسة أو نبيل فياض، مثلما لا يمكن أن أكون في خندق واحد مع القرضاوي أو مقتدى الصدر وأمثاله.

أما الدولة العربية، فلست طوباويا حتى أرسم لها خارطة تمتد من المحيط إلى الخليج، بل أؤمن بما هو واقعي، سوراقيا التي يمكن أن تحتضن كل عربي حتى من المغرب ومن عُمان. دولة لها كيان وقادرة على حماية نفسها.

سأترك ورائي كلمة صادقة، فأنا كنت أراهن على حماية الدولة السورية كآخر معقل للعروبة، ونواة لدولة عربية قوية. لا أريد لنا أن نكون محكومين لا من اسطنبول، ولا من طهران، ولا من موسكو، تماما كما لا أريد أن نكون محكومين من واشنطن، أو لندن، أو باريس.

لكن هل عندنا مشروع قومي ينهض بين المشاريع الأخرى؟ وينافسها؟ ويستفيد منها، بدلا من أن يستغلنا الآخرون في تحقيق أحلامهم المريضة؟

سورية والعراق جناحا نسر يمكن أن يحلق في الآفاق.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

1 Response to من أنا؟؟ مقالة مشعّة .. احتفاء بالمفكر والباحث العربي الدكتور عمر ضاهر ..

  1. محمد عياش كتب:

    افتقدت كثيرا الدكتور عمر ضار وبحثت عن مقالات جديدة له منذ زمن وأنا الذي كنت من متابعيه. شكرا من القلب للدكتور عمر بما أثرى معارفنا وتفكيرنا وأتمنى له دوام الصحة والعطاء.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s