مقال جدير بالقراءة: الصراع الأمريكي الصيني .. وفرصة قيام الدولة العربية الموحدة (2) – بقلم: الدكتور عمر ظاهر


ليس هناك ما يدل على أن الصين ورثت شعار التعايش السلمي من الرفاق السوفييت. الصين التي قال قائدها ومؤسسها، ماوتسي تونغ، عن أمريكا أنها نمر من ورق ما تزال على رأي مؤسسها، وهي لا تبدو أقل شراسة من أمريكا، لكن شراستها تصاحبها حكمة كونفوشيوس.
وماذا يهم العرب، في هذا الصراع؟
إننا نعرف، مع شديد الأسف، أن العرب في أوقات السلم لا يعتبرون إلا صفرا على الشمال، فلا يغيرون شيئا في معادلات السياسة العالمية، ويمكن التحكم فيهم وفي قدراتهم ومواردهم عبر عملاء محليين من أنفسهم، وعبر اللعب على خلافاتهم الداخلية. نستدل على ذلك من مقارنة بسيطة بين خمسينيات القرن الماضي وتحالفات العرب في مؤتمر باندونغ عام 1955 – حيث لم تكن سياسة خروشوف الرعناء قد اتضحت معالمها بعد، وكان شبح ستالين ما يزال يرعب الدول الرأسمالية. يومها تحالف مع العرب جواهر لال نهرو في الهند، وماوتسي تونغ في الصين، وجوزيف بروس تيتو في يوغسلافيا. وكانت دول أولئك القادة ودول عديدة في كل القارات تدعم قضايا العرب وحقوق شعب فلسطين وتستنكف عن الاعتراف بالكيان الصهيوني. كانت أمريكا نفسها تخاف من الضغط على العرب لأن ذلك كان سيدفعهم إلى أحضان السوفييت. واليوم، وبعد أن وقع العالم بين مخالب القطب الواحد الذي لا تتهدده الحرب، خذل الجميع العربَ نزولا عند رغبة القطب الأوحد.


الصراع الصيني الأمريكي صراع بعيد المدى | القدس العربي

الأمر يتغير في زمن الحروب، فنحن ذاكرتنا ما تزال طرية بالأحداث التي وقعت أيام الحرب العالمية الأولى، حين خدعت بريطانيا العرب بالوعود مقابل مساعدتها في القضاء على الدولة العثمانية، الأمر الذي ما كان ليحصل دون ما أطلق عليها “الثورة العربية الكبرى” تحت قيادة شريف مكة. وعدت بريطانيا “الشريف” بدولة عربية موحدة مقابل خدماته. ورأينا كيف أن بريطانيا، وهي دولة يدخل الكذب والخداع في تكوينها الجيني، نكثت بوعدها، وقسمت العرب بعد الحرب إلى دويلات لا تقوم لأي منها قائمة إن هي خرجت عن طاعة لندن. وأعطت بريطانيا الصهيونية وعدا باقتطاع فلسطين، وسلبها من شعبها، وجعلها قاعدة للعدوان على العرب. ربما يمكننا أن ننصف شريف مكة بأنه كان له هدف قومي طوباوي لكنه كان يتميز بنقاوة البدوي الذي صدق بلورنس العرب لأنه وضع عقالا على رأسه، وكان الشريف يتميز أيضا بسذاجة مخيفة لأنه لم يكن يعرف أن الدولة الحقيقية، خاصة مثل التي كان يحلم بها، لا تقوم بالنوايا الطيبة وبمساعدة دولة أخرى استعمارية .. تريد أصلا ابتلاع العالم بتقسيمه حتى تسهل السيطرة عليه.
ونتذكر أيضا أن بريطانيا وفرنسا وعدتا أثناء الحرب العالمية الثانية الدويلات العربية التي أنشأتاها بالاستقلال الناجز مقابل وضع أراضيها وقدراتها تحت تصرفهما، لتعودا بعد الحرب وتضعا العرب تحت رحمة أنظمة ملكية فاسدة، ثم دكتاتوريات عسكرية قمعية.
ما يجب أن يخشاه العرب
من حق العرب أن يقلقوا بخصوص الدور الذي يريد كل طرف في الصراع الحالي بين أمريكا والصين، والذي قد يجر إلى حرب طاحنة، جعْل الآخرين يؤدونه لهم. إن من حقنا أن نخشى أن أمريكا تفكر الآن في أن تعيد مع العرب نفس ألاعيب لورنس الانجليز إذ هي تقوم بتحضيراتها للحرب ضد الصين – وعود معسولة مقابل الدعم. إنها تعرف حق المعرفة أن مواجهة خصم مثل الصين تحتاج قبل كل شيء إلى جبهة داخلية متماسكة، وإلى ساحات حليفة مفيدة لها لوجيستيا، وخالية من المفاجآت غير السارة، مثلا الثورات المعادية لأمريكا. إن تأمين تلك الساحات سيكون أمرا حاسما في الصراع. ولكن كيف يمكن لأمريكا أن تؤمن ساحات عربية تغلي بالكراهية لها نتيجة سياساتها الامبريالية المتغطرسة تجاه العرب على مدى عقود من الزمن؟ بوعود كاذبة.
في زمن السلم لم ير العرب من أمريكا غير الغطرسة، والقتل، ونهب الثروات العربية، والعمل على إبقاء البلدان العربية في حالة من التخلف والضعف. إنها لا تحسب لهم أي حساب جدي. ولكن الآن، في صراعها القادم مع الصين ستقر أمريكا بأن العرب لديهم خزين هائل من القدرات، والإمكانيات التي يمكن أن تقلب موازين القوى العالمية. في هذا الصراع لا توجد فقط تايوان، ولا ورقة طريق الحرير التي ستكون في قطاع مهم منها تحت رحمة أصدقاء أمريكا القدامى/الجدد، طالبان، ولا النفط الذي ما يزال مصدر الطاقة، بل هناك أيضا ورقة المسلمين الأيغور الذين تريد أمريكا أن تقوم بمسرحية يكون لها فيها دور المدافع عن حقوقهم. إن خطب ود الساحات المسلمة، وخاصة العربية منها، وإغداق الوعود عليها، سيؤمن لأمريكا ليس فقط الهدوء، بل وأيضا، وبمباركة السعودية، تجييش جيوش المجاهدين ضد الصين بدعوى حماية حقوق المسلمين الأيغور. وقد تكون أمريكا تخطط لجعل طالبان طليعة هؤلاء المجاهدين.
وأمريكا تدرك بصورة جيدة أنه في ظل ظروف العداء الشديد لها فإن الساحات العربية مرشحة لتقبل إغراءات الصين لها، بالحرية، والازدهار الاقتصادي، والتخلص من الهيمنة الأمريكية وأداتها البشعة، إسرائيل. والصين نفسها تدرك خطورة هذه الساحات إن هي تُركت لألاعيب الأمريكان، وتدرك أهمية هذه الساحات وسهولة كسبها ضد العدو. الصين ليست نائمة، بل تعرف كيف تقلب اللعبة كلها – حتى أنها بدأت تحركات سياسية واقتصادية تجاه أفغانستان قد تجعل منها دولة صديقة، على عكس ما يخطط له الأمريكان. والصين بدأت بمغازلة العرب، والضرب على وترهم الحساس، فلسطين، فالرئيس الصيني صرح قبل بضعة أسابيع أنه يفهم أن فلسطين بالنسبة للعرب لها نفس أهمية تايوان بالنسبة للصين. وفي الواقع فإن الأمور بدأت تتبلور منذ الآن، وهناك بلدان إسلامية اختارت الخندق الذي ستقف فيه – يبدو أن إيران، مثلا، حسمت أمرها واختارت الوقوف في الخندق الصيني.
أين تكمن قوة العرب؟
بات واضحا، إذن، أن العرب كأمة سيكتسبون أهمية جديدة وفائقة في الصراع الأمريكي الصيني. إن العرب أصبحوا بحكم الظروف التاريخية في وضع الخيار الذي وصفه الرئيس الأمريكي السيء الصيت، بوش الإبن: “معنا أو ضدنا”. ولكن هذه المرة الخيار الفعلي هو للعرب، وهذا الخيار ليس مع الأمريكيين ضد عدو وهمي هو الإرهاب الإسلامي، وإنما معهم أو ضدهم في صراع مع عدو حقيقي مخيف. الصين ليست اتحادا متهالكا يقوده غورباشوف، وشيفرنادزة، وبوريس يلتسن. إنها الصين!
العرب لا ينبغي لهم أن يخشوا مما يريده الآخرون لهم، لكن عليهم أن يعرفوا ما هم فاعلوه أو قادرون على فعله في هذه الحالة. ينبغي للعرب، في الحقيقة، أن يستبشروا بهذه الفرصة التي يعطيها إياهم التاريخ، ويستفيدوا من تجاربهم الكارثية مع القوى الاستعمارية، ويحولوا هذه الفرصة إلى ما يمكن أن يُطلق عليه “القرن العربي”.


يتبع

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s