حرب اوكرانيا .. عقدة أفغانستان تهزمها عقدة تفكك الاتحاد السوفييتي

ان الخطيئة هي أن تظن ان الخطيئة تردع الخاطئين .. فلايردع الخاطئين سوى أن يقعوا في خطايا أكبر .. فخطئية الاميريكيين في فييتنام لم تردعهم عن خوض خطيئة العراق وارتكاب شهوة القتل والتدمير حيث هزموا ثانية .. وخطيئة الروس في دخول أفغانستان لاتعني انهم لن يدخلوا أبدا في اي حرب .. بل ان خطيئة تفجير الاتحاد السوفييتي هي الخطيئة التي طغت على خطيئة افغانستان ..


لذلك اذا كنت متعلما ومتكلما وترتدي الياقات البيضاء وتتعطر بالعطور الغالية الثمن فلا تظنن انك تعرف في السياسة اذا كنت تصدق كل مايقال .. ونصيحتي لك – اذا بقيت مصمما على انك (فهمان) في السياسة وتريد ان تظهر براعتك في التحليل – ان تذهب الى أحد المقاهي القريبة وان تطلب لنفسك أركيلة وان تلعب النرد وأن تتجادل مع خصمك او مع النادل الذي يشرف على نار الأركيلة لانه أهملها .. ولكن اياك ان تتحدث في السياسة .. فمن ينقل مايسمعه في اعلام الناتو ويدخله الى قصباته مع دخان الاراكيل ويصدقه قلبه في السياسة عليه ان يدرك انه يستحق ان يلعب مع الاطفال ..
مدخنو المقاهي في صالونات الاركيلة يحدثونك بثقة كيف ان روسيا وقعت في الفخ وأن بوتين فوجئ بردة فعل العالم وقدرة الناتو على هذا الحشد الهائل فقد ظن انه سيدخل بهدوء الى أوكرانيا كما دخل في الحرب السورية ولم يزعجه أحد الا ببعض العتب .. ولكنه اليوم وقع في كمين محكم سينهيه وينهي روسيا .. وطبعا هذا يذكرك بنظرية وليد جنبلاط في تفسيره لمقتل الحريري من ان النظام السوري قتل الحريري ولم يتوقع هذا الرد العاصف من العالم وشباب الحئيئة والاستئليل .. رغم ان جنبلاط الذي كان يتحدث كما سكان المقاهي يعرف ان الموضوع مرتب ومتفق عليه قبل قتل الحريري .. وأن سورية فاجأها قتل الحريري لاردة الفعل على قتله المدبر في تل ابيب ..


فلاديمير بوتين ليس من رواد مقهى وليد جنبلاط .. وهو رجل كي جي بي اولا .. وعقل رجل المخابرات مصمم على ان يكون في منتهى الحذر والدهاء والقسوة في الحسابات .. فهذا الرجل لايثق بأي شيء في الغرب وهو عندما كان يدعى الى الغرب كان لايشرب في كؤوس مقدمة له في اي منتدي .. حتى ماء الشرب كان يأتي به في عبوات من روسيا لأنه كان يعلم ان الغرب غدار جدا وهو قتل العديد من الزعماء بالسموم مثل ياسر عرفات ومثل هوغو تشافيز .. وهذا العقل المخابراتي ليس ساذجا ليصدق ان دخول أوكرانيا سيكون مثل دخول سورية .. ولكن المفاجأة التي ستذهل رواد المقاهي السياسية وهم ينفخون أراكيلهم السياسية وكأنهم في نادي الاتجاه المعاكس سيعجبون ان الغرب هو الذي فوجئ بحركة بوتين ونقلته العسكرية .. فالرهان في الغرب كان ان بوتين حذر جدا لدرجة انه وافق على التدخل في سورية بعد 4 سنوات من التردد .. ولكنه لم يرسل من يقاتل على الارض كي لايقع في فخ افغانستان .. ولذلك كان الغربيون على يقين أن من المستحيل على اي روسي ان يفكر بتكرار فخ افغانستان الذي لايزال كابوسا يخيف اي قائد وسياسي روسي .. وكانت تقديرات الغربيين ان اوكرانيا ستفعل ماتريد وان الغرب سيتموضع فيها ولن يتحرك الروس لأن الطريقة الوحيدة لايقاف هذا المشروع الغربي هو الدخول البري او اعلان حرب عن بعد بالقصف والصواريخ .. فالروسي لن يدخل أرضا ومعركة كبيرة بعد اليوم .. ولذلك كان هناك نوع من الاسترخاء الغربي امام هذا الاستتناج بسبب تردد روسيا عام ٢٠١٤ رغم رغبتها العارمة في التدخل.. وسبب التردد هو ان الروس لم يكونوا جاهزين لتغيير عقدة أفغانستان عام ٢٠١٤ .. وهذا مااقنع الغرب ان روسيا لن تغامر ولن تقامر.. وما عزز من هذه القناعة تضليل استخباراتي روسي اوصل انطباعات عن عدم اتفاق القادة الروس على دخول اوكرانيا وترددهم خشية من تكرار عقدة افغانستان وان بوتين صار يخشى الفكرة .. واذ بالغرب يفاجأ بأن الروس صمتوا بضع سنوات وجهزوا 200 ألف جندي لاقتحام اوكرانيا .. وانهم لايفكرون بعقدة أفغانستان بل بعقدة تفكك الاتحاد السوفييتي التي تحولت الى العقدة الأكبر وعقدة الذنب الوحيدة في الضمير الروسي النخبوي ..


ففي العقل النخبوي الروسي ان ماحدث في الثمانينات كان غلطة شيوعية قاتلة عندما ترك غورباتشوف الساذج يعبث بألغام التفجير دون تدخل القوى الحزبية والعسكرية .. وهو الذي ظن بسذاجة مفرطة انه سيأخذ الاتحاد السوفييتي الشيوعي الى نموذج الغرب ويتحالف معه ويصبح شريكا له ولامانع لديه من أنه كان سيمنح عضوية في الناتو الغربي .. ولكن الاتحاد السوفييتي تفكك لأن القيادة الروسية تحت وحول غورباتشوف كانت مترددة وضعيفة في اقتلاع المتمردين والفوضويين ولم تتصرف كما تصرفت الصين بحزم ضد ثورة الصين الملونة في ساحة تيان أنمين التي كانت سيناريو مبكرا لتفكيك الحزب الشيوعي الصيني وتفكيك الصين نفسها من ساحة تيان أنمين ..
ولو تصرف السوفييت بحزم امام انفلات الوضع في بداية الامر وتمت ازاحة غورباتشوف مبكرا قبل ان يتغلغل النخر والضعف لتغير التاريخ كله وربما كانت روسيا قد غيرت نهجها الاقتصادي ليكون مماثلا للصين وكانت اليوم محل الصين في الاقتصاد بقوة عسكرية عاتية .. ولكن عملية الانقلاب على غورباتشوف كانت متأخرة جدا وفي الوقت الضائع وضاع معها الاتحاد السوفييتي .. وعقدة خسارة الاتحاد السوفييتي هي العقدة التي هزمت عقدة أفغانستان في عقل النخبة الروسية ومنهم القادة الروس الحاليون وفلاديمير بوتين نفسه .. وهؤلاء يرون ان تكرار سيناريو تفكك الاتحاد السوفييتي قادم اذا لم تقمع اوكرانيا النازية التي تحكمها طغمة صهيونية ناتوية الهوى ستدخل الى داخل روسيا بكل انواع الفتن والتدخلات .. ولذلك فان الاتحاد الروسي لن يتأخر كما تأخر الاتحاد السوفييتي في معالجة ظاهرة غورباتشوف الذي كان مثل (زيلينسكي) داخل الحزب الشيوعي السوفييتي وأفسده .. والروس يعلمون ان تفكك روسيا قادم لامحالة اذا بقيت اوكرانيا تتصرف بهذه الطريقة بلا ردع او عقاب .. فحزموا أمرهم .. وهم محقون فهم الآن امام نفس الخطيئة التي اهملت الاتحاد السوفييتي وتفكك لأنهم لم يكونوا حاسمين .. وان الخوف من عقدة أفغانستان سيعيد انتاج عقدة تفكيك الاتحاد الروسي كما تفكك الاتحاد السوفييتي ..


السؤال الذي يجب ان يكون مفتاح التفكير هو: من الذي فوجئ وأخذته المفاجأة؟ خروج روسيا من عقدة أفغانستان ام خروج الناتو بهذا القدر الهائل من رد الفعل؟ المنطق يقول ان الغرب اليوم هو الذي فوجئ بحركة موسكو .. وردة فعل الغرب الهائلة تدل على انه يريد ان يتدارك شيئا لم يكن يتوقعه ..
غالب الظن ان ردة فعل الغرب ليست لأنها تستجيب لوقوع الروس في الفخ .. بل لأن الروس رفضوا الوقوع في فخ الخوف من عقدة أفغانستان .. يظن البعض ان روسيا وقعت في الفخ وأن الامريكيين يريدون ان يرسلوا شحنات السلاح الى اوكرانيا لاستنزاف روسيا .. وهذا الحشد والتهويل ايماء انها الحرب العالمية الثالثة .. فالعالم كله في اوكرانيا يتقاتل .. ولكن في الحقيقة على الارض هناك فقط الجيش الروسي هو الذي يتحدث .. وكل شحنات الاسلحة هي مواد تجميلية لاظهار ان الناتو مصمم على قهر روسيا وابقائها تتعذب في أفغانستان الثانية .. ولكن أين الناتو؟ الناتو كله ذهب يوما الى ليبيا .. وذهب الى العراق بكل جيوشه وذهب الى أفغانستان .. ولكن الناتو توقف في حرب سورية وخاضها على الطريقة الاوكرانية .. اي اعلام وسلاح وحصار .. ثم أرسل جنودا وطيارين وشارك في الغارات على الجيش السوري واستمات من أجل دعم داعش والنصرة .. ولكنه أحجم عن خوض القتال لأن الناتو لايقاتل حيث سيخسر خسائر كبيرة .. وحيث ان أسرائيل ستدفع ثمنا باهظا ..


روسيا اليوم هي اكبر قوة عسكرية في العالم والروس درسوا الحرب بدقة وهم ليسوا بالسذج الذين لم يتوقعوا رد الفعل الناتوي .. وهم يعرفون حدود تدخل الناتو .. الذي منذ ان تراجع في سورية تبين انه لايقدر على خوض حروب الخسارات الكبيرة .. فالناتو يضرب بقسوة الطرائد الضعيفة .. فبعد انهاك العراق بالحصار والمفتشين الدوليين الذين أخذوا كل اسلحة العراق استعرض الناتو عضلاته امام شعب اعزل وجيش بلا سلاح .. وادعى الانتصار .. وفي ليبيا التي كان قوام جيشها لايتجاوز فرقة عسكرية واحدة سورية تمرجل الناتو واجتاحها بقصف جوي غير مسبوق قتل فيه عشرات الالاف من السكان المدنيين .. وفي كل البلدان الضعيفة مثل أفغانستان يتسلى الناتو بالاجتياح والسلاح .. ولكنه في سيناريو ايران وسورية تلعثم وانتظر وحاول ان يكرر تجربة افغانستان حيث المسلمون يقاتلون بالنيابة عنه .. الا ان الحرب في سورية كانت دليلا على ان الناتو لايجرؤ على دخول الحروب الكبرى .. لأن الهجوم على سورية كان سيعني دخول ايران وحزب الله على الأقل في المعركة وتدمير نصف اسرائيل على الاقل .. وزادت صعوبة الامر عندما دخل السلاح الروسي المتفوق في لمعركة .. وتمكن بوتين بستين طائرة ان يقلب كل شيء بمساعدة الجيش السوري ..


الناتو اليوم ليس في مواجهة دولة محاصرة مثل سورية بل في مواجهة روسيا القوة العظيمة .. ويحاول الناتو ان يقلل من شأن روسيا ويقول ان جيشها صغير وان اقتصادها صغير وستنتهي من دون قتال .. اي ببعض القنابل والصواريخ المشحونة للاوكرانيين .. وبتفكيك تمثال بوتين من متاحف الشمع .. وتمثيليات خروج المندوبين من القاعات عندما يتحدث لافروف .. واغراق العالم بالكراهية ضد حرب بوتين وجيش بوتين وجنون بوتين وروسيا بوتين وجنرالات بوتين .. وكل شيء صار ينسب الى بوتين .. لجعله يحل محل هتلر وجيش هتلر وقوات هتلر والمانيا هتلر ..


حسابات الناتو مرتبكة جدا .. مثل حساباتهم في سورية .. وحرب الاستنزاف ليست الحل في اوكرانيا وهي أقل واقعية في اوكرانيا بدليل ان الناتو يبحث عن مرتزقة في العالم لشحنهم الى اوكرانيا لأن الغرب يدرك ان حرب الاستنزاف لن تنجح لأن النازيين الاوكران وحدهم لن يقدروا على مواجهة الروس وهم محاطون بشعبية روسية وكثير من الاوكرانيين الذين لايريدون النازيين .. ولكن المرتزقة لن يكونوا مثل الجهاديين المسلمين الذين قاتلوا الروس باستماتة من أجل العقيدة الاسلامية وذريعة مساندة المسلمين ضد حكم الكفار الملاحدة الشيوعيين .. ولكن من هم المجاهدون الذين سيقاتلون من أجل أوكرانيا؟؟ المرتزقة لايفيدون دون عقيدة .. فمرتزقة داعش كانوا مترزقة ولكنهم مدفوعون بعقيدة قتال وشحن طائفي ..


الوحيدون الذين يمكن ان يقاتلوا في اوكرانيا هم المسلمون ويبدو اردوغان هو مرشح الناتو لتجنيد المسلمين .. وعلى الفور صار هناك من يعيد انتاج فيديوات قديمة عن الشيشان المسلمين تحت حكم الروس وعن ابادة المسلمين في البوسنة والهرسك بيد السلافيين أقرباء الروس عرقيا .. وان الروس هم الذين قتلوا الثورة السورية .. ويحاول هذا الشحن الايحاء أن الانتقام من روسيا حان الأن في اوكرانيا ..


ولكن التاريخ يتزحزح ويتغير .. ولن توقفه قوة على الارض .. روسيا خرجت من عقدة أفغانستان .. وستخرج من عقدة تفكك الاتحاد السوفييتي .. منذ أن عبرت عبر الثغرة السورية .. الناتو لن يقدر على ايقاف التغيير القادم .. الذي بدأه رجل اسمه فلاديمير بوتين .. الرجل صاحب النظرة الثاقبة .. الذي يحمل في قلبه الاتحاد السوفييتي .. وسيخرجه الى العالم من أوكرانيا ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s