جوليان اسانج ونهاية نهاية التاريخ .. الرجل الذي أسقط اميريكا عن سطح القمر ..

اذا كان الانسان قد استهوته الشرائع والايديولوجيات فلأن قلبه المظلم يحب بريق الافكار الخلاقة كما تحب عيناه البريق الصادر عن الذهب والماس .. وكان ذكاء كل من يأتي بشريعة جديدة وفكرة جديدة انه يجعلها براقة تهوي اليها القلوب وتخضع لها كما يخضع السكون والليل لضوء الشمس .. ولو أدرك ليل الكواكب ان قلب الشمس أكثر ظلمة منه وأنها ترتدي رداء من الضوء لعرف انه أضاع عمره في عبادتها وانتظارها والدوران حولها .. وكذلك هي ايديولوجيات هذا العالم التي بهرت قلوب البشر قبل عيونهم وسحرتهم الى حد الجنون بها وعبادتها .. فرأينا الناس يتركون أديانا خف بريقها ويلحقون أديانا أكثر بريقا .. ويستسلمون لأفكار وكلمات ايديولوجيات أكثر لمعانا الى ان يموت البريق .. ويبحثون عن بريق جديد كما كان ابراهيم يبحث عن أله جديد كلما سقط اله عبده ..


لحق الناس ببريق حلم الجنة والنار والحوريات .. ولايزالون مبهورين بالحلم والكلمات البراقة للكتب المقدسة .. ولما وصلت الايديولوجيات الجديدة والفلسفات الحديثة هوت قلوب الناس نحو الاشتراكية والشيوعية وحورية العدالة الاجتماعية الى ان وجد الناس ان لاجنة ولانار في الشيوعية كما قبلها من ديانات وأن تلك الحورية الفاتنة عن العدالة كانت غير قادرة على المشي الا بعكازات .. وخفت الضوء والبريق وباخ اللمعان أمام لمعان الرأسمالية وصعودها الى القمر وجنة الحرية والديمقراطية وحورية الكلمة الحرة .. الى ان سقطت كذبة الصعود الى القمر .. وسقطت تلك الحكاية عن الحرية والديمقراطية عندما سقطت بغداد .. ففي بغداد سقطت أميريكا ولم تسقط بغداد ..


في بغداد سقط تمثال صدام حسين وظن الاميريكيون ان بريق الحرية والديمقراطية تأجج وتألق بالنصر المبين وان هبوطهم في بغداد يشبه هبوطهم على القمر حيث كان اسقاط كبرياء القمر ابعقل الامريكي وايديولوجية رأسمال مصدر الاعجاب والهيبة في العالم الذي خفت اعجابه بالشيوعية بعد ذلك النصر الاميريكي على سطح القمر .. وأن العصور اليوم انقسمت وانشطرت كما انقسمت العصور بسقوط القسطنطينية .. ولكن الحقيقة هو انه ليس تمثال صدام حسين هو الذي سقط بل سقطت كل حكاية اميريكا وانطفأ الضوء المتألق حول اسمها .. وفجع البشر بسقوط الديمقراطية من عيونهم وان الحرية ليست الا مومسا امريكية .. فالديمقراطية التي كانت تظهر كحلم ورسالة تبين انها تقتل بوحشية مثل غيرها وتنتج الكذب الديمقراطي وابوغريب وتكذب بشكل مخجل ومقزز أكثر من اي نظام فكري سياسي ..


ولكن كانت الديمقراطية الاميريكة ودعايتها تحاول النهوض من كبوة بغداد والادعاء أنها ضحية عقلية متطرفة هي عقليات المحافظين الجدد .. الذين تخلصت منهم اميريكا وتطهرت بأوباما الديمقراطي من ليلة سقوط بغداد التي لوثت ثوبها الابيض بالدم العراقي .. ولوثت ضوءها برذاذ الدم والكذب المخلوط برذاذ الضوء .. الى ان جاء جوليان أسانج .. وأطلق طلقة الرحمة على حكاية اميريكا الحرة والتي كانت تعلم الحرية وتوزعها مجانا في حكاياتها وأساطيرها ووثائقها ووصاياها المقدسة كما كانت أثينا توزع حكاياتها وأساطيرها يوما .. فقد نزفت أميريكا في ويكيليكس نزفا شديدا من سمعتها الباقية ولم تنفعها رقع اوباما والديمقراطيين .. وكانت الشقوق التي أصابتها بسبب ويكيليكس كبيرة وغائرة وتشق الشريان الأبهر للديمقراطية والحرية .. فأميريكا لاتختلف كما ظهر في الوثائق الاصدق في التاريخ عن أي وثنية وان اي هرطقة واي ديانة تلوثت بالدنيا والشيطان .. ولاتختلف عن اي همجية بشرية .. وان الجميع كأسنان المشط في الجريمة ولافرق بين اميريكا اليوم وبين الامبراطورية العثمانية وبين عالم القراصنة الانكليز وبين اي امبراطورية جشعة .. ففي قلب حرية اميريكا سم أسود .. ودم أمم .. وفي معدتها عظام دول طحنتهم أضراس الديمقراطيين .. ولحوم فقراء نهشتهم أنياب الجمهوريين .. وانها نوع فاخر وفاجر من الهولوكوست الذي لايزال يقتل منذ عدة عقود .. وأنها امتداد لتاريخها الذي بدا مع ابادة الهنود الحمر .. حيث تحول العالم بنظرها الى قارات يعيش فيها هنود حمر يجب ان تستمر ابادتهم ..


كم كان عملا في منتهى الشجاعة ماقام به جوليان أسانج في زمن كانت اميريكا مزهوة بنصر بغداد عندما سكتت العواصم والزعامات والمؤمنون بالله خوفا من اميريكا العاتية .. تلعثمت الالسنة وصار الكل يريد ان تظله اميريكا بظلها يوم لاظل الا ظلها .. وصارت مواجهة اميريكا مثل مواجهة مع كنيسة قروسطية .. كل من يعترض رؤيتها للعالم سيحرق .. ولكن أسانج الشجاع اقترب من وريدها وعنقها وفصده ليس بسكين بل بأوراق ويكيليكس ..ونزفت اميريكا من شرايينها واوردتها كل حكاياتها واساطيرها عن الحرية حقوق الانسان وحرية التعبير وعن حق تقرير المصير وحرية الصحافة على رصيف الفضيحة .. فما نشره جوليان اسانج كان يشبه مافعله غاليليه من تحد لعقل الكنيسة ومافعله مارتين لوثير في روح الكنيسة الكاثوليكية عندما رفض حكايات وخرافات الكنيسة وصكوك غفرانها التي تباع بالذهب .. وتمرد عليها في زمن لم يجرؤ مؤمن في اوروبة على ان يتحدى الكنيسة ولا أن ينتقدها .. فأسقط مارتن لوثير الكنيسة وشقها .. وكذلك جوليان الرجل الغربي الجريء الذي رفض هذه الوصاية الامريكية وهذا الدور الملائكي وكشف ان أميريكا لها قرنا شيطان وان مايجب ان يحمله تمثال حريتها هو تقارير ويكيليكس وليس اي كتاب خرافي عن الحرية الامريكية .. لاشك ان العالم اليوم يضحك ويقهقه عندما تذكر له حريات اميريكا وشعاراتها القديمة ..


وهاهي اميريكا التي هزمت وسقطت أخلاقيا وايديولوجيا لم بعد لها هم الا ان تنتقم من رجل أسقطها عن سطح القمر كما اسقط مارتين لوثير الكنيسة ولم يبال بعقوبة الحرق والاتهام بالهرطقة .. فهي تنتظر ان تستلم نسخة مارتن لوثير وغاليليه لتعاقبه قصاصا لما فعله لتمحو بمعاقبته ذكره وتمحو بالممحاة ماخبرنا عنها .. ولكن .. مافعله لن تقدر على ان تمحوه على الاطلاق كما لم تقدر كل كنائس الدنيا على ان تمحو غاليله ومارتن لوثير .. بل ان العالم كله اليوم يعرف ان غاليله كان على حق وان مارتن لوثير كان على حق وان لايوجد في كل وصايا المسيح وصايا للغفران مدفوعة الثمن بالذهب .. وأن الارض هي التي تدور حول الشمس .. فاحترقت كل الصكوك وبقيت الشمس في مكانها وبقيت الحقيقة .. كما سيبقى جوليان أسانج .. الذي اعلن نهاية اسطورة الحرية والديمقراطية .. وأعلن عن وصول نهاية اميريكا .. اميريكا التي نعرفها في الخمسينات والستينات والقرن الماضي .. لم يعد لها وجود .. فقد قتلتها بغداد صدام حسين .. ونزعت روحها ويكيليكس جوليان اسانج .. وللمفقارقة فان اميريككا كانت تكتب وتبشر انها نهاية التاريخ فاذا بوليان يؤكد ان نهاية تاريخ اميريكا قد وصلت .. وأن التاريخ لاينتهي ولايمكن ان تكون له نهاية طالما ان فيه رجالا شجعانا مثل مارتين لوثير وغاليليه .. وجوليان أسانج ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

3 Responses to جوليان اسانج ونهاية نهاية التاريخ .. الرجل الذي أسقط اميريكا عن سطح القمر ..

  1. ادواى كتب:

    الديمقراطية الامريكية كوسطية الاسلام

  2. mahrous47 كتب:

    كلام رائع امريكا هي التي سقطت بعد أن كانت ساقطة سابقا في عيون الكثيرين انها الارهابي الاكبر المدجج بكل الاسلحة والمعتدي على الحريات والذي يسرق الاموال والحقوق معتبرا ان ذلك حق له كشرطي معتدي

اترك تعليقًا على ادواى إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s