كي لاننسى بوسيدون البحر الابيض المتوسط .. جول جمّال

عندما ننسى جول جمّال .. بوسيدون البحر الابيض المتوسط

ربما رحل جول جمال منذ عقود كثيرة وبقي اسمه على بعض المدارس واللوحات والقصص المثيرة عن شاب عربي سوري مسيحي اندفع مستميتا للدفاع عن الشرق العربي بكل مافيه ومن فيه .. مثله مثل عيسى العوام الذي قرأنا عنه في كتب صلاح الدين الايوبي .. ولكن جول جمّال عندما رحل لم يدرك الكثيرون انه تحول الى بوسيدون البحر الابيض المتوسط .. لأنه باستشهاده الأسطوري من أجل وطنه ومشرقه العربي اختلط دمه بدم البحر الابيض المتوسط .. وفي ذلك اليوم تغير مزاج البحر المتوسط وكأنه حصان جامح رضخ لترويض ابن الشرق .. كما صار بوسيدون اله البحر الاغريقي الذي يقال ان اسمه الاغريقي اشتق من مدينة صيدون أو صيدا المشرقية ..
كي لاننسى جول جمّال وكيلا يتحول الى مجرد قصة عابرة دعونا نسترد تلك اللحظة التي كتبها قلم مصري عن هذا الشاب البهي المشرقي السوري الذي روّض البحر الابيض المتوسط وأنزل فرنسا عن صهوته في يوم 4 تشرين الثاني عام 1956 .. انه مثل كل الرجال الذين يعبرون على جسد المستحيل كيلا تكون لهم قبور عادية .. فيصبح الها للبحار ..

هذه مقالة نشرت في مجلة اليوم السابع المصرية جيدرة بالقراءة والتذكير لمن يريد ان ينسى ماذا جرى في 4 -11- 1956

مقالة جديرة بالقراءة: ذات يوم.. 4 نوفمبر 1956 – بقلم: سعيد الشحات

………………………………………………
استشهاد الرائد جلال دسوقى والسورى جول جمال وآخرين فى معركة «البرلس البحرية».. والمآذن تكبر والكنائس تدق الأجراس فى مدينة حلب
………………………………………
1
كانت زوارق الطوربيد المصرى تقوم بجولة تفتيشية على حدود ساحل البحر الأبيض، حتى لاح لها الطراد الفرنسى الكبير «جان بارت» يوم 4 نوفمبر، مثل هذا اليوم، 1956، وبين الطرفين دارت معركة «البرلس البحرية» الخالدة، فى اليوم السادس من أيام العدوان الثلاثى على مصر، حسبما يذكر محمد عبدالرحمن حسين، فى كتابه «نضال شعب مصر-1798-1956».
2
كان الطراد الفرنسى يحاول إنزال دفعة من الجنود الفرنسيين فى اتجاه بحيرة البرلس، وعلى بعد 10 كيلو مترات منها، فتصدى له ثلاثة زوارق طوربيد مصرية، وكانت الساعة حوالى العاشرة صباحا.. يؤكد حسين: «أطلق الزورق الأول، وكان تحت قيادة الرائد البحرى جلال الدسوقى طوربيدين عليها، ثم أعقبه الزورقان الآخران، فأصيب الطراد إصابة مباشرة، وأرسل استغاثات لاسلكية إلى قيادته يستنجد بها، وعندما قفلت الزوارق الثلاثة عائدة إلى قاعدتها فخورة منتصرة، لاح فى الجو سرب من طائرات العدو جاء على أثر الإغاثة اللاسلكية التى تلقتها، ونشبت بينها وبين الزوارق معركة رهيبة، وتمكنت الطائرات من إغراق زورق واحد، واستشهد الأبطال، جلال الدسوقى، الضابط السورى جول جمال، إسماعيل عبدالرحمن، صبحى نصر، على صالح صالح، عادل مصطفى، محمد ياقوت عطية، جمال رزق الله، محمد البيومى زكى، ومصطفى طبالة».
3
يؤكد حسين، «أنه من مفارقات القدر أن الزوارق الثلاثة، عندما خرجت للاستكشاف فى مساء 3 نوفمبر 1956، لم يكن مقدرا للرائد جلال دسوقى أن يذهب مع من ذهب لأداء هذا العمل الكبير، ولكنه عندما رأى الزوارق تتحرك قفز فى أحدها ليشارك زملاءه شرف قتال العدو، وكأنه كان يتعجل حكم القدر، وقاد جلال دسوقى إخوانه فى معركة البرلس واستشهد مع من استشهد من الأبطال».
4
كان لسوريا حضور خاص فى هذه المعركة بمشاركة من الضابطين «جول جمال» و«نخلة اسكاف».. يذكر حسين: «لقى جول وجه ربه، أما نخلة فتلقفه البحر الهائج بعد غرق زورقه، وظل إحدى عشرة ساعة يصارع الأمواج العاتية، ويقاوم قسوة الرياح، وبرودة المياه حتى وصل إلى شاطئ البرلس».
كان جول جمال يدرس فى الكلية البحرية بالإسكندرية ضمن بعثة تضم 11 من أبناء سوريا، حسب برنامج «صدى المواطنة» على الفضائية السورية فى حلقة خاصة عنه، يؤكد البرنامج أنه تخرج فى «البحرية المصرية» فى مايو 1956، وكان الأول على زملائه السوريين، وتأجلت عودته إلى سوريا ليتدرب على معدات بحرية حديثة حصلت عليها مصر، غير أن الأقدار كانت تحمله إلى مصير آخر وهو الاستشهاد فى مياه مصر.
5
يصف «شمس الدين العجلان» فى الموقع الإلكترونى السورى «الأزمنة» حال اللاذقية حين تلقت خبر استشهاده قائلا: «قامت المدينة عن بكرة أبيها لتقيم احتفالا غير عادى، فالناس فى هياج وفرح وحزن وغبطة، أصوات التكبير من المآذن والجوامع تدعو للصلاة على روحه الطاهرة، أطفال ونساء وشيوخ، مسلمون ومسيحيون يدعون للصلاة على روح الشهيد »، وأرسل الرئيس جمال عبدالناصر، قنصل مصر العام فى حلب جمال بركات إلى والده يوسف جمال، وكان من المقاومين ضد الاحتلال الفرنسى لسوريا، ومنحه براءة النجمة العسكرية، ووجه عبدالحكيم عامر القائد العام للقوات المسلحة المصرية رسالة إلى نظيره السورى اللواء توفيق نظام الدين، قال فيها: «إن مصر التى دافعت عن حريتها واستقلالها تسعى إليك اليوم فأنت فى دوح أمين فى رحاب كريم، لكى تقول إن الفكرة التى عشت من أجلها تزهو والدعوة التى استشهدت فى سبيلها تزدهر وتنتصر».
6
وفى احتفال تأبين له يوم 9 نوفمبر 1956 بالكنيسة المريمية بدمشق، وبحضور الرئيس السورى شكرى القوتلى وكبار المسؤولين السوريين.. قال القوتلى: «بين شاطئ اللاذقية وشاطئ بورسعيد أيها الإخوة الأعزاء، استطاع جندى سورى ثاقب بصره وعميق إيمانه وعظيم حبه لوطنه وعروبته أن يرى حقيقة لا تخفى ويجب أن لا تخفى على أحد، وهى أن البارجة الفرنسية المعتدية الغادرة لو أتيح لها أن تقهر بالأمس بورسعيد، فإنها غدا ستقهر اللاذقية. إن العدو واحد وإن الوطن العربى واحد أيضا، وعندما وجد هذا الجندى المغوار نفسه إلى أحضان الخط، كان على يقين كبير بأنه لا يدافع عن مصر وسوريا وحدهما، بل عن العروبة وسلامتها وسيادتها».
7
يضيف القوتلي :”ليس جول جمال وحيدا فى تاريخ نضالنا المشترك مسيحيين ومسلمين فى سبيل الدفاع عن أرض هذا الوطن، وفى سبيل الدفاع عن القومية العربية، فتاريخنا البعيد والقريب حافل بذكريات مشتركة سطر فيها السوريون والعرب فى جميع ديارهم مواقع غراء فى محاربة المغيرين الطامعين، والدفاع عن حرية هى للجميع، وعن أرض ورزق هما للجميع، وعن سيادة وعزة وكرامة هى للجميع”.
…………………………………….

ذاتيومسعيدالشحاتاليوم_السابع

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s