أهي قيصرية الروح والجسد ؟ ام هي غمرة الجوى .. وميلاد الذات؟ المسيحية العربية هي المسيحية كلها

كم أحب هذه الايام لو كنت أقدر ان أرش السكر على كل كلمة أو أرسلها بالبريد على ورق من عسل كما كانت العرب تحاول ان تكتب المعلقات بماء الذهب .. وكم أتمنى ان أغمس كل كلمة بالأمل والعطر قبل أن أرسلها .. ولكن كيف لي أن اجرؤ على أن اسكب عسلا في فم ظمآن؟ .. فليس هناك أكثر مرارة في فم الظمآن للماء القراح من مذاق العسل في فمه .. وليس هناك أردأ من رائحة العطر لمن يريد ان يشم رائحة أرضه ورائحة الخبز .. وليس هناك اصعب من أن تزرع أعصابك في جسد الكلمة وأن توصل أعصاب الكلمة بأعصاب من يسمع ويقرأ وهو في وجعه ..


نعم ليست لدي قدرة وجرأة على ان أرسل وردا لمن يريد دواء لألمه وخبزا لجوعه ودفئا لطفله .. وسيكون مهينا أن أقدم لمقاتل امسى بلا ذخيرة زجاجة عطر بدل قنبلة او رصاصة او رسالة من أمه أو فنجان قهوة ساخن منها وهو محاصر .. هناك نوع من الواجب الأخلاقي له سلطة الضمير تجعلنا نحس أن الكلام المنمق والمهندس لمن هو في حالة ألم جسدي يؤذي الأذن والروح ويجرحها مهما كان حلوا وناعما كالحرير.. وسيكون مليئا بالخطايا والذنوب .. فالكلام المنمق يجرح الجسد اذا كان الجسد في ألم .. ألم الجوع .. ألم المرض .. ألم الذل .. ألم الظلم .. ألم الفقر .. ألم البرد .. ألم الحرمان .. ألم الفقد .. ألم الكبرياء .. فاسمحوا لي أن أعتذر من كل من ينتظر مني ان لاأؤلمه اذا كانت اي كلمة تبدو مؤلمة بنعومتها وهي بلا أعصاب .. لأنها مجرد كلمة لاتشتري له خبزا .. ولا دواء .. ولا توقد له موقدا .. ولاتدفئ يدي طفله الباردتين وهو يكتب بقلم الرصاص وظائفه .. فكيف لي أن أصنع من الكلام دواء ونارا وقهوة؟ .. ومن هو ذا الذي يقدر أن يحول الكلام الى خبز ونار وأن يوصله بأعصاب القارئ .. او ينسجه من قماش الأعصاب؟؟


في نهاية كل عام أنصرف عن المجاملات وأتجاهل الاشارات الى بدايات الزمن الجديد لأنني أرى الزمن والأيام بلا حدود .. فأنا أكره الحدود الجغرافية التي تقسم البشر الى مجموعات حسب خطوط الحدود .. فما بالي بخطوط الزمن والحدود الزمنية ؟؟!! .. ربما كرهي للحدود بدأ منذ ان كرهت خطوط سايكس بيكو الحقيرة وأحسست انني أنظر كل يوم فيها كي أمحوها بالممحاة وبالكتابة فوقها بالقلم كأنني أردمها وأدفنها .. وأمحو معها كل مفرزاتها وكياناتها وعصورها المنحطة .. وصارت من يومها عندي عقدة الحدود التي يقررها عقل البشر .. أي حدود .. فالزمن كما الجغرافيا جاء من يقطعه لنا ويصنع له حدودا .. رغم ان الطبيعة هي التي تقرر الفصول وحدود الزمن والأحقاب ودورات الحياة .. وليس نحن .. ولكن كالعادة هناك سايكس بيكو لكل شيء .. هناك سايكس وبيكو يتلاعبان بالزمن ايضا .. ويتلاعبان بالعائلة .. ويتلاعبان بالدم .. ويتلاعبان بالجنس .. فيخلطون دماء الأمم ودماء الشعوب في قوارير الحروب وخليط الجغرافيا الدموية .. ويخلطون الجينات بالجينات ويحطمون حدود المورثات وترتيب الحموض الأمينية التي حفظت منذ ملايين السنين .. فتخرج علينا وحوش الفيروسات الهجينة والحروب البيولوجية والايدز والكورونا .. ويخلطون الذكر بالانثى .. وينقلون حدود الجنس لتأخذ الانثى من حدود الرجل وتدخل فيها .. ويأخذ الرجل من حدود الانثى ويدخل فيها .. فتخرج علينا مهرجانات الجنس والمثلية والاباحية التي تنقل خطوط الحدود بين الرجل والمرأة ولانعرف كيف نعيش مع هذه المخلوقات الجديدة ..


الارض تدور بلا توقف ولاتلهث في نهاية السنة ولاتعلن انها وصلت الى اي خط من خطوطنا الوهمية حيث نظن واهمين أن موظفي الهجرة والجوازات الزمنية يقفون عند حدود كل سنة يفتشون العابرين الى الزمن الجديد والعالم الجديد .. فالأرض لاتعرف حدود الزمن وتسخر منا ونحن نضع الروزنامات ولاتكترث لتقسيماتنا الزمنية .. وكأننا اذا ألغينا التقويم البشري فان الارض ستصاب بالارتباك والتشوش والارتعاش وتفقد البوصلة التي تقودها حول الشمس .. وقد تضل الأرض مسارها وتدور حول القمر او حول المشتري او تفيق فجأة كمن كان في سبات وغيبوبة في مجرة أخرى تحيط بها نجوم جديدة تحدق فيها بعيونها البراقة !! ..
المهم انني أدور مع هذه الارض حول الشمس وأتبع جدولها هي وليس جداول البشر .. ورغم انني اشارك الناس احتفالاتهم ومناسباتهم لكنني في كل المناسبات الدينية كنت أحس ان مانفعله كبشر هو محاولة منا لتطبيع الدين بطباعنا ومحاولة لقيصرة الله لتغييبه ولتحويله الى قيصر وتعديل جيناته الالهية والعبث بها كما عبثنا بكل شيء ليصبح فهمنا لله مطابقا لما نريد .. وهذا في كل الاديان .. فأنت تذهب الى كل الاماكن المقدسة والمساجد والكنائس والمعابد الهندوسية وتجد الأبهة والذهب والفخامة والبذخ في البناء والسجاد والمنمنمات والمرصّعات والثريات والرخام فتسأل نفسك: هل هذا مايريده الله؟ هل يعني الايمان ان نبني بيوت الله بهذا الاسراف وكأنها قيصرية كما قال عمر بن الخطاب عندما زار الشام ورأى معاوية في حياة البذخ والقصور .. فركب عمر بغلته (وليس حصانه المطهم) ووكزها وهو يغمغم غضبا: أقيصرية يامعاوية .. أقيصرية يامعاوية؟؟ فيما معاوية يهرول وراءه بجسده البدين المكتنز من أكل الشحم واللحم يحاول التماس العذر لحياة القيصر التي اختارها ..


لو جاء عمر بن الخطاب هذه الايام الى العالم العربي ومشى ليلا يتفقد الناس ورأى هذه القصور الفاخرة المسماة مساجد لأنكرها وأغلقها بالشمع الأحمر لأنها تهين الايمان الفطري عندما يكون الناس حولها فقراء ويكون المسلمون فقراء مشتتين لاجئين متسولين او غارقين في البحار او يقتلون بعضهم بعضا حولها .. فيما كل الزعماء العرب زناة ومبذرون وفاسدون يتسابقون على افتتاح أكبر المساجد .. وكل واحد يزيد على الأخر في المباهاة بكرمه على الله .. مانفع هذه المساجد المذهبة والفخمة وبجانب كل مسجد قاعدة عسكرية امريكية تجثم فوق صدره؟ ومانفعها اذا كان معظم المسلمين بلا طعام ولا أمل ولامأوى ولا كبرياء ؟؟ .. ومانفع ذلك ولو صار كل بيت في الشرق مسجدا فخما ومسجدهم الاقصى أسير يعامل معاملة العبيد ولايسمح لهم بزيارته الا بتصريح .. لو رأى عمر مانرى اليوم لأنكر كل هذه المساجد والمقامات واستعاد كل تلك الزفرة ونفس الغضبة وهو يرى هذا البذخ في بناء المساجد والاحتفاليات وسيقول: أقيصرية أيها العرب؟؟ لأنها معاملة الله على أنه قيصر له قصور فخمة يسميها المنافقون (بيوت الله) ويظنون انها رشوة للأله سيعفو بها عن خطاياهم ..


واليوم في أعياد الميلاد .. ولو جاء السيد المسيح الذي ضرب التجار بسوطه في المعبد ونظر كيف ان يوم ميلاده صار يوما للتجار يبيعون فيه ويكنزون المال باسم السيد المسيح ويصنعون الاموال مما ينفقه الفقراء .. فيما ان مئات الملايين من البشر لايزالون جياعا وعطشى ومرضى وفقراء .. اتراه سيكون سعيدا بهذه المهرجانات .. وهذه الاضواء وهذه الطقوس القيصرية للاحتفال بابن الله وكانه ابن القيصر .. وهو الذي قال أعط مالقيصر لقيصر وأعط مالله لله .. وكان واضحا ان الله ليس قيصر ولا يجب سلوك قيصر .. ولايحب غرور قيصر .. بل يحب الفقراء ويحب ان نغسل قلوبنا من الكراهية والمادية المغرورة التي سحقتنا .. ويحب القلب النقي والقلب الذي يغفر والقلب الذي لايصيبه الغرور ..


ياترى لو في هذه الايام اذا مامر السيد المسيح في شوارع دمشق وحلب ومدن سورية وهو يرى انها مظلمة بلا أضواء وأنها باردة وأن بيوت المؤونة لفقرائها فارغة خاوية .. وان الأطفال لايحلمون الا ببعض الدفء وبعض الضوء .. وأن آلام المرضى لاطاقة لهم بها وهم بلا دواء .. اتراه سيرى ان هذا العالم الحقير الذي ضحى من أجله يستحق هذه التضحية؟ ماهذا العالم الشرير الذي تقوده مجموعة من الاشرار الذين يعيشون على الحروب من سورية الى اليمن الى اوكرانيا الى فلسطين .. ؟؟ ماهذا العالم الشرير الذي بعد 2022 سنة لايزال لم يفهم ماذا فعل السيد المسيح من أجل الناس .. المسيح تحمل الصلب .. وتحمل التعذيب وتحمل الاهانة وشرب الخل ونزف .. ليس من أجل ان تبنى له كنائس من ذهب ولا كي يرتدي الرهبان والبابوات الثياب الحريرية ويحملوا الصولجانات المذهبة وتكون لهم قصور ويحولون المسيحية الى قيصرية باسم أفقر بني البشر الذي كان عشاؤه الأخير خبزا وليس لحما وشحما .. اسمه عيسى المسيح ..
كل الاديان تحتاج ان نفكر فيها ونعيد النظر في طريقة علاقتنا بها .. وتحتاج الى ان نحرر الله من هذه القيصرية وروح التجار التي سكنت فيها والتي وضعناه فيها .. والسيد المسيح في يوم الميلاد سيبهجه اننا نزعنا عنه هذا الفعل القيصري .. وغيرنا مابأنفسنا من ثقافة التجار والصيارفة وأتباع القيصر ..


هل التحرر من التغييرات التي ادخلها الناس على البشر عملية سهلة؟ سنكتشف أن أصعب شيء فيها هو ان نتخلص نحن من قيصريتنا الفردية وأنانيتنا وتشوهاتنا البشرية التي أصابت عقلنا وشوهت قناعاتنا وعلاقاتنا الانسانية وشوهت فهمنا للفطرة البشرية .. ويصبح كل من حولنا أهم منا .. وان لذة العطاء لامثيل لها ..


انها غمرة الجوى .. هذه الأيام المفعمة والمخصبة باسم السيد المسيح يمكن أن نفهم المسيحية كما يفهمها الأنقياء والأتقياء من المسيحيين العرب .. وهي اعترافات مسيحية صوفية كتبتها سيدة مسيحية عربية دمشقية هي الدكتورة نائلة درويش .. قد تبدو للبعض مغامرة في الابتعاد عن الدنيا الى حد الزهد والتنسك في هذا الزمن الرديء الشرير .. لكنها ليست مجرد رحلة صوفية تحكي عن رحلة ايمانية .. لتتحرر صاحبتها من قيصرية الجسد وقيصرية النفس التي تحب الكبر والخيلاء والتباهي والأنانية وتمارس الكراهية والحقد والبغض والنفور .. وتعتبر ان حقها الجسدي يساوي حقها الروحي بل ويزيد .. بل انها صراع مع الذات واعادة اكتشاف المسيحية الحقيقية على انها ليست كما يمارسه انسان هذه الايام مهما ارتدى من صلبان أو تمتم بالصلوات والتراتيل فيما قلبه يجلجل بالتوحش والانانية والجشع كما لو ان قلبه مسكون بأفعى ذات أجراس تجلجل بأجراسها وتحقن سمها في كل نبضه .. قصة اكتشاف العلاقة بالله والتخلص من الاضافات البشرية التي أوهنت الله وأديان الله .. وجلجلة وصايا السيد المسيح في ضمائر الناس وصوت سوطه يضرب التجار وثقافة التجارة والجشع والخيانة .. تجارة الجسد وتجارة الضمير وتجارة الدين .. ويضرب الكراهية ويضرب الرغبة البشرية الشريرة في الانتقام والتشفي .. ويلغي ثقافة (أنا ومن بعدي الطوفان) ..


في عيد الميلاد – ورغم انني أخشى تقديم الكلام المنمق في هذه الايام – الا أنني سأتقدم للمسيحيين العرب الذين تجلجل الوطنية في أصواتهم .. بتمنياتي بعيد ميلاد مجيد .. لأنهم هم المسيحيون الحقيقيون في هذا العالم .. ولم يبق من المسيحية في العالم الا هذه الثمالة من المسيحية المشرقية التي أخلصت للسيد المسيح وهم الذين يريدون أن يحموا المسيحية من عقلية القيصرية الغربية المادية التي دمرت الايمان المسيحي .. وهم الممسكون على عروبتهم كمن يقبض على الجمر .. وهم المحاطون بالمؤامرات الغربية لاخراجهم من الشرق .. ولاخراجهم من أوطانهم .. ولاخراج اوطانهم منهم .. ولتدميرهم هو الذي سيدمر المسيحية الأصلية ويبقي المسيحية التي أرادها أحبار اليهود .. فكل مسيحي مشرقي هو هدف لكل مؤامرة .. وهو أخطر على الغرب من أي ملتح راح يجاهد في تورا بورا .. انهم ألد أعداء الغرب .. الذي لاهم له اليوم الا سلخهم عن لحمهم المتمثل بالمسلمين العرب .. ولكنهم أمسكوا بالعروبة وبالأوطان وأمسكوا بايمانهم النقي كما لو انها وصية السيد المسيح لهم بأنه هو الأرض وهو الوطن وهو في كل شجرة من أشجار الوطن .. وكل حجر من حجارة الوطن .. فقدموا لنا أعظم الشخصيات الوطنية المضحية والمتفانية .. مثل جول جمال .. فارس الخوري .. أنطون سعادة .. وجورج عبدالله .. وسرحان بشارة سرحان .. وجورج حبش .. وسهى بشارة .. وهيلاريون كابوجي .. والياس زحلاوي .. وغيرهم كثيرون جدا ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s