اذا رأيت نيوب “المفاوضات” بارزة .. فلا تظنن ان الاميريكي يبتسم !!

لم أجلس ابدا الى مائدة لئيم ولم ألبّ دعوة لص ولم اصدق وعود قاطع طريق .. لأني أعلم ان اللئيم لايدعو الى مائدة الا لأنه صار يخشى الكرام وزمن الكرام ويريد ان يجعل الكرام لئاما .. وهذا هو حال تسريبات اميريكا من أنها تفكر بالانسحاب من سورية والعراق .. وستدعو الى التفاوض .. انها دعوة من اللئام الى مائدة اللئام .. وعندما سمعت هذه التسريبات تذكرت قول المتنبي: اذا رأيت نيوب الليث بارزة .. فلا تظنن أن الليث يبتسم ..


والأفضل أن تقول: اذا رأيت نيوب “الذئب” بارزة فلا تظنن ان الذئب يبتسم .. ولكن سلاح الذئب الاميريكي الامضى والاكثر فتكا في الحقيقة ليس في أنيابه بل في طاولة المفاوضات .. ويجب ان نعدل قول المتنبي بالقول: اذا رايت طاولة المفاوضات قائمة .. فلا تظنن ان الذئب يبتسم ..


الاميريكي يفرش فورا عدة التفاوض ويكون سخيا في وضع العناوين التي نحب أن نتناولها في حالة واحدة فقط .. هي عندما يحس أنه في ورطة .. وأن مسدسه لم يعد يخيف .. وهو عادة لايعترف بأي مفاوضات طالما ان مسدسه مليء بالرصاص وطالما أن لاصوت يعلو على صوت رصاصه .. وأشك جدا ان العبارة المنسوبة لغوبلز من أنه كلما رأى مثقفا فانه يتحسس مسدسه .. أشك في أنه هو من قالها .. لأن الحقيقة أني رأيتها تنطبق وتمثل الاميريكي الذي كلما رأى حرا ينتصر تحسس مسدسه او .. طاولة المفاوضات ..

واشهاره لسلاح المفاوضات الآن في معركة غزة هو مؤشر على انه بدأ يحس بالارهاق والارتباك منذ خروج المعركة عن سيطرته وظهورملحقاتها .. وانه بات مقتنعا أن فرص نجاحه اقتربت من الصفر في الاجهاز على محور الرفض وهذا المحور العنيد الذي يناوشه .. وأن حساباته في معركة غزة لم تعد دقيقة وأن الميزان بدأ يعاند الأماني الاميريكية … واشهاره للنية والرغبة بالانسحاب من سورية والعراق هي محاولة مكشوفة للعبة قديمة يتقنها لاضعاف قوة ارادة الخصم واندفاعه بتشتيت انتباهه وتشتيت قواه وخلق تيارات متضاربة في قلب المحور الخصم .. تيارات تشقه وتخلق تصدعات في المعسكر المعادي له حيث ستتباين الاراء وتختلف فيما بينها وتنقسم بين مؤيد ورافض وهنا يبدأ الخلل في معسكر الخصم ويبدأ الوهن .. والوهم ..

ففي كل دعوة للمفاوضات تنطلق من أميريكا منذ أن عرفنا اميريكا يتأثر بعضنا ويحدوه الأمل بأن اميريكا ستوفر عليه مشقة الحرب وتعطيه بالسلم ماكان يريده بالحرب .. فيطلع من بيننا من يدعونا الى العقلانية والتعقل والواقعية واستغلال الفرصة لأن البعض يتصور ان الاميريكي لديه في الحقيبة الديبلوماسية مفاجآت وعروضا لم تخطر على بال بشر .. وأن لها لحلاوة وان عليها لطلاوة وان أعلاها لمثمر وأن أسفلها لمغدق .. كما كان السادات يعد المصريين بالرفاه والعسل وان من الضروري تجريب السلام وتذوق العسل الاميريكي المعروض على الطاولة .. وكما فعل طاقم اوسلو من ان تجريب المفاوضات لن يضر وأن من حق الشعب الفلسطيني ان يستريح من الكفاح المسلح الذي أرهقه .. كما اقنعت اميريكا بعض القوى العراقية والعراقيين ان اسقاط الحكم في العراقي سيجعل العراق مثل دبي … بل وكما أقنعت اميريكا غورباتشوف وفريقه الساذج على طاولة المفاوضات من أن قبوله بتفكيك الاتحاد السوفييتي سيجعلها ملتزمة ان تحترم حدوده القديمة والا تستولي على تركته وألا تتجاوز حدوده القديمة مترا واحدا ..


وكلنا يذكر في عام 67 كان الاميريكيون يفاوضون عبد الناصر قبل الحرب .. ثم وعدوه وعدا قاطعا وحلفوا بشرف اميريكا ان اسرائيل لن تكون البادئة بالحرب .. وفي عام 1973 جاء كيسنجر فورا الى المنطقة .. وبدا المفاوضات لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي كما زعم لان اوراق الحل 99% منها في يد اميريكا كما ردد السادات ذلك كالببغاء .. ثم أخذ كيسنجر يد السادات بيده وغادرا ومن يومها اختفت أثار أم الدنيا من الدنيا كلها .. وحل الصراع العربي الاسرائيلي بطريقة كاريكاتيرية تسببت في تعميق ازمة العرب ووصول قضية فلسطين الى حافة الكارثة ..

وفي حرب الكويت أقسمت اميريكا للعرب بشرفها انها ان ساعدناها في استرداد الكويت فانها ستعيد لنا فلسطين .. وذهبنا جميعا الى حفلة مدريد .. وانتهت الحفلة .. ولم نحصل على ورقة زيتون واحدة من فلسطين بل أخذت اسرائيل كل فلسطين بتوقيع العرب .. وبعد حفلة مدريد فرشت اميريكا طاولة مفاوضات من اجل الجولان .. وجاءت ملايين الوفود والمبادرات وذهبنا الى كل طاولات اميريكا في جنيف وغير جنيف وواي بلانتيشن .. ولكن القضية كانت انتظارا لاسرائيل كي تكمل هضم الارض على مهل .. وتهود وتنشر مستوطناتها ..
وعندما اندلعت الانتفاضة الفلسطينية أخذ الاميريكون الفلسطينيين الى مفاوضات أوسلو .. ووعود المن والسلوى .. وأطايب الطعام .. والنتيجة ان مخالب اسرائيل ثقبت الضفة الغربية وجعلتها مثل الغربال ..
وعندما فاوضنا باراك اوباما وأرسل وفود العسل والحلول السحرية وسمح بموائد سميت (الحل هو الاسلام) .. كان ينوي اطلاق موائد الدم ..في الربيع العربي ..

هل أكمل أم نقول كلها حكايات ومآس في حكايات بدأت بالمفاوضات ؟… وانتهت في بلعوم اميريكا او في بلعوم اسرائيل الذي ابتلع دور مصر … وابتلع كل فلسطين .. وصار ينهش في ارض العراق .. كلها مفاوضات ووعود وتبين لنا على وجه اليقين ان مافي الحقائب الاميريكية اوراق لاقيمة لها .. بل ان أهم مافيها هو المسدس .. والمسدس هو القلم الذي يكتب به ويوقع به .. والرصاص حبره والمجازر ..

تسريبات ادعاء وعروض الانسحاب تؤشر على ان وضع الاسرائيليين في غزة مربك جدا وخطر جدا وأن الاميريكي لم يعد لديه حل سريع الا … خدعة المفاوضات التي يجيدها .. وتبدأ بالدعوة السخية لأوهام يسيل لها لعاب العربي .. فالدعوة الاميريكية وتسريب الانسحاب هو جزرة او فخ من عسل .. لأن هناك من سيلتقطها ويعتبر ان الفرصة حانت لجني الحصاد .. ولكن الاميركي لايريد الانسحاب .. و الضغط الهائل على المدنيين الفلسطينيين صار لجعل المفاوضات طريقا اجباريا بديلا عن الاستمرار بالضرب على الوجود الاميريكي ..


وكي نعرف ان كان الاميريكي مقتنعا بما يدعو اليه فما علينا الا ان نضع انفسنا في مكانه .. فهل لو كنت في مكان الاميريكي ستنسحب من العراق او سورية وقد أنفقت تريليونات الدولارات على مشروع تدمير هذين البلدين ووصل اول جندي ناتوي هذه البلاد منذ أن خرج منها الأوروبيون؟ .. هل سترى ان الانسحاب في مصلحتك؟؟ لأن الانسحاب سيعيد الوضع الى ماقبل سقوط بغداد .. ويفتحه على احتمالات بلا نهاية .. وقد تنجح القوى التي ستملأ الفراغ في تجاوز خطوط سايكس بيكو ونقلها الى حدود جديدة .. وينتهي مفعول الخطوط المعمرة القديمة التي صنعتها جهود الامبراطورية البريطانية والفرنسية معا لشطر جسد الهلال الخصيب الذي كان موحدا منذ معركة اليرموك .. وقد يسقط مع الخروج الاميريكي كل البناء الذي هندسه العقل الاغربي وتزول خرائط الدم والمذاهب ,, وسيسقط كل ماهو مزيف ولاينتمي لثقافة المنطقة مثل الدستور العراقي لصاحبه بريمر .. وسيلحقه دستور لبنان الطائفي الذي سيرى ان نظيره العراقي قد تحطم وتمزق .. وسيتهشم الكيان الكردي في العراق وسورية الذي يعتمد في وجوده على الوجود الامريكي الذي يشبه المسامير التي تثبته في جدار الشرق .. وستنهار المعارضة السورية التي ترضع من ثدي الرعاية الاميريكة وتعيش على امل ان اميريكا ستأتي بها الى دمشق على ظهور الدبابات ..

كل هذا قد يحدث حيث يمكن ان يفعل الانسحاب تنسيق القوى الرافضة للوجود الاميريكي ومنتجاته وملحقاته لطلب المزيد من المكاسب واطلاق التنسيق .. وهذا سيصيب حلفاء اميريكا واسرائيل بمقتل .. لأن مظهر الانسحاب سيشبه منظر انسحاب بريطانيا وفرنسا من المنطقة بعد الحرب العالمية .. وماتلاه من نهوض قوى رافضة للغرب .. بدأت في مصر ثم العراق وسورية وليبيا .. وهذه المنطقة يكون الخروج منها هو علامة النهاية دوما .. الاتراك بمجرد خروجهم منها انتهت امبراطوريتهم .. والانكليز والفرنسيون كان خروجهم من المنطقة علامة الضعف والاحتضار الامبراطوري ..

ولذلك فان خروج الاميريكي منها مقامرة خطرة جدا عليه وتعني ان اسرائيل فقدت معطفها الحديدي المتمثل في تمزيق منطقة الهلال الخصيب .. قلب الشرق القديم .. وستقرب نهاية نهاية اسرائيل التي تعني ان العصر الاوروبي قد انتهى لأن آخر تجليات القوة الغربية المهيمنة والمستعمرة هي في وجود اسرائيل التي تعني ان اوروبة لاتزال قادرة على التحكم بمسارات العالم .. وسقوط اورشليم سيحدد نهاية العصور الاوربية التي بدأت بعصر النهضة … كما كان سقوط القسطنطينية نهاية العصور الوسطى ..


أنا لن أشتري هذه البضاعة الامريكية لأنني أعرف جدا ان اميريكا ليست غبية الى الحد الذي تخرج فيه من المنطقة بهذه السهولة وهي تخشى ان تصعد المعركة بسرعة الى اعلان حرب تحرير ولذلك فانها فضلت اللجوء للعبة مدربي كرة القدم الذين يشترون الوقت بأن يطلبوا من لاعبيهم السفوط على الاراض وادعاء الوجع كي يوقف الحكم المباراة كي تبرد فيه اندفاعة الخصم وتبرد همته وينخفض الادرينالين في دمه ..


لذلك فانني لن أقرأ تفاصيل الخبر … ولن اشغل نفسي به .. واذا رأيته فانني سأرميه في سلة المهملات .. بل صرت على قناعة ان مااستدعى نشر الخبر هو ماصنعناه من ضرب على القواعد الامريكية واظهار القدرة على اغلاق باب المندب في وجه اميريكا وحلفائها .. وهذا التسريب والاعلان عن النية في الانسحاب من سورية او العراق هو نتيجة لضربنا الاميريكي فقط .. والضرب بلا توقف هو طاولة المفاوضات الوحيدة التي يجب ان نجلس عليها .. فالاميريكي عندما يريد الانسحاب فانه سينسحب دون مقدمات ودون عروض وفض عروضومفاوضات .. كما فعل في فييتنام .. وفي أفغانستان .. انسحاب مفاجئ ودون عروض .. وكما فعل في لبنان عندما انسحب من دون مفاوضات بعد تفجير السفارة ومقر المارينز .. اي من دراسة نماذج الانسحاب نجد ان اميريكا تنسحب فقط تحت الضرب فقط وانها لاتنسحب ابدا اذا ماقدمت طاولة مفاوضات بل على العكس فانها تتقدم ةتنجز اكثر في طاولة المفاوضات ..

اميريكا ستنسحب فجأة ودون ان تخطر احدا اذا لم نفاوضها بل تابعنا الضرب بلا توقف .. وسيتحقق الانسحاب وفق مبدأ الصدمة والروع لأحباء اميريكا .. الذين تعلقوا بعجلات الطائرات .. في سايغون وفي كابول .. وكما انسحبت اسرائيل من لبنان دون مفاوضات رغم انها اعلنت انها ستنسحب الا ان المفاوضات الوحيدة التي دخل فيها اللبنانيون هي مفاوضة بالسلاح .. ولذلك استعجل الاسرائيلي الانسحاب حتى قبل الموعد المقرر ..
الاميريكي في هذا التنسريب يبدو مهزوزا حائرا بالنسبة لي .. رغم استعراضه للعضلات وتسريبه انه سيحقن اسرائيل بالسلاح ويغرق الأخبار والافق والمنطقة بالسلاح ويستعرض الوحشية والقدرة على القتل واصراره على ان نفهم انه لايبالي لا بالراي العام ولا بالقانون ولا بمحاكم العدل .. طالما ان مسدسه عامر بالرصاص وأجسادنا عامرة بالدماء وارضنا تستحيل الى مقابر..


باختصار شديد اميريكا ليست لديها اي رغبة بالانسحاب .. وهي تعرف ان الانسحاب في هذه اللحظة هو ذبح لاسرائيل .. لأن كل المنطقة التي تهدد اسرائيل هي من يغداد الى دمشق .. واذا اتقنا فن تجاهل المفاوضات .. سنصل الى نفس مشهد سايغون وكابول وعجلات الطائرات التي يتعلق بها من اصيبوا بالصدمة والروع من هروب اميريكا .. وأنا على يقين ان هذه اللحظة ستصل ان عاجلا او آجلا .. كأني أراها ..

========================

الرابط الصوتي على الفيسبوك:

https://fb.watch/pTLfW99LfO/

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق