

نسمع كثيرا عن الجمهوريات التي تتسلسل بأطوارها .. مثل الجمهورية الفرنسية التي يقال انها وصلت الى طور الجمهورية الخامسة .. اي ان كل جمهورية يكون لها مزاج وتطور واتجاه ورجال وقيم وأهداف مختلفة ..
ايران اليوم صنعت ثورتها الايرانية الثانية بعد ان وصلت الى لحظة ظن العالم انها وصلت الى نهايتها وحتمية نهايتها القدرية بعد ان أطبقت عليها حكمة فوكوياما عن نهاية التاريخ الذي له ايضا نهايات صغيرة مثل نهايات الامبراطوريات والامم .. والثورات ..
عندما وصل الخميني الى القرن العشرين على متن الثورة الايرانية الاسلامية عام 79 كانت قد وصلت عبره رصاصة من القرن السابع الهجري وايتقرت في قلب القرن العشرين كما قيل .. وكان كثيرون يعتقدون ان الرحلة النهائية للرصاصة قد اقتربت بعد أربعين عاما من استقرارها وانه يجب عليها ان ترحل .. وان الثورة الايرانية تعزف لحن النهاية .. وساعد على هذا الشعور الاحتجاجات التي حركها الموساد وغرف المخابرات حتى ظن الناس ان ايران كلها خرجت الى الشوارع وستسقط حكم المرشد ان عاجلا او آجلا .. وان حكم المرشد معلق كطرف مبتور بقطعة جدل باقية هي آخر ماتبقى له من ارتباط الرأس بالجسد ..
الحرب الاخيرة أبهرت العالم .. وأبهرت العرب .. وكان الشباب العربي يحدق في السماء وفي الشاشات مأخوذا مبهورا لايصدق هذا المشهد السريالي الذي لم يفهمه .. والذي جعله يحس ان كذبة الثورات العربية هي لعبة سخيفة امام ماتفعله هذه القوة الهائلة الصاعدة في ايران .. شعبيا وعسكري وعلميا ومعنويا وايمانيا لايقهر حتى بتهديد السلاح النووي ..
الاندفاع الشعبي الايراني ايضا كان شيئا مختلفا ونكهة جديدة فهذه حركة شعبية وطنية ضد التدخل الخارجي بعكس كل الثورات العربية التي كانت تقاتل من اجل التدخل الخارجي .. اي من أجل ان يدخل جيش اجنبي البلاد ويحررها .. اما شعب ايران فانه رفض هذا الخيار .. مما طرح سؤاال منطقيا يتجاوز حالة العناد المذهبي والنكاية القومية والعرقية بل وصل الى مقارنة أخلاقية بين مااختاره الايرانيون كشعب وبين مااختاره العرب كشعوب .. والمسلمون منهم تحديدا .. فالايرانيون أيضا مسلمون ولكنهم رفضوا النموذج العربي في الثورات … ورفضوا الارتخاء العربي في الحضن الغربي والتعطر بعطور ترامب .. فيما العرب السنة مسلمون ولكنهم متهورون في الانبطاح والتبعية من أجل ان تدخل جيوش اجنبية الى بلادهم .. واستاماتوا في تبرير الانبطاح والتعطر بعطور ت ترامب وبيع الارض من أجل الحكم والسلطة ..
لقد انشغل العرب أكثر من اربعين سنة في مشروع محاصرة ثورة الخميني الاولى .. ومنع تصدير الثورة الايرانية كما زعموا .. ولكنهم اليوم -اذا بقوا في الحكم – سيشتغلون أربعين عاما آخر لمحاصرة الثورة الايرانية الثانية التي وصلت الى قلب العالم العربي عبر أعظم موجات صاروخية في التاريخ .. فالصواريخ كانت تدك تل أبيب وديمونة .. لكنها كانت تسقط في قلب كل عربي وتحرق النمور الورقية للثوار العرب والايقونات المزيفة .. والزعامات المنحرفة .. وتخض الذاكرة العربية وتحرض الضمير وتهز العقل ..
لقد وصلت الثورة الايرانية الان وفي اربعين يوما الى قلب كل بيت عربي .. وعلى متن صواريخ خيبر شيكين والصواريخ العنقودية وغيرهاو وعبر الصمود الشعبي لشعب ايران .. وكانت هذه الصواريخ هي المنشورات السرية التي تلاحقها المخابرات العربية .. والتي كانت تكتب بياناتها بشهب الصواريخ المضيئة في الليل ليقرأها العرب .. وهي منشورات لاتقدر المخابرات العربية منعها .. ولا مساجد الفتنة .. والتي لم تعد عبارة (مسرحية ايرانية) قادرة على اعتراضها .. ولا التحالف الفارسي الصهيوني تحت الطاولة قادرة على ان تفككها ..
لن تتخيلوا ماأحدثته هذه الحرب .. ولن تتخيلوا ماستفعله من صدمة ومن خضة في الضميرالعربي الميت .. الضمير الذي كان ينتظر ان يموت الضمير الايراني .. والذي كان يعتقد ان ايران تموت كما مات هو في الربيع العربي .. وتم دفنه في غزة .. فاذا كانت الصواريخ الاسرائيلية قد دفنت الشخصية العربية في عارها وذلها فان الصواريخ الايرانية قد أيقظته من رقاده .. فنهض وهو يتلفت حوله .. وكانه كان ينام في كابوس .. وافاق من صدمات الصواريخ وارتطامها بالأرض ..
سيندم ترامب وغيره بسبب هذه الحرب التي انتهت هذه الجولة فيها على غير توقع .. فالصواريخ كانت تحمل منشورات تورعها على العالم وتدخل بيوت العرب وتعصف بهم .. وتشعرهم بالحنين الى زمن الكبرياء .. وزمن التحدي بعد ان شبعوا ذلا .. وشبعوا ركوعا ..







