
في الأول من أكتوبر عام 2014، لم يكن الصباح في حمص صباحاً عادياً؛ كان موعداً مع واحدة من أكثر الصفحات وجعاً في ذاكرة السوريين وأكثر المجازر وحشية.
في حي عكرمة
اختلطت الدماء بألوان المريول المدرسي، وتناثرت دفاتر الطفولة على أرضٍ لم تكن تعرف أن أطفالها سيغادرونها بهذه الوحشية.
لم يكن الضحايا جنوداً في معركة، ولا مقاتلين في جبهة، ولا أصحاب قرار في حرب عبثية.
كانوا أطفالاً؛ كل ما يعرفونه عن العالم أن للمدرسة باباً، وللبيت حضناً، وللأم يداً تمسح عن جباههم تعب النهار.
كانوا يحملون كتبهم، لا أسلحتهم، ويبحثون عن مستقبلهم بين سطور دروسهم، فإذا بأيدٍ آثمة تقرر أن تحوّل دار العلم إلى مأتم، والطفولة إلى مشهد من الفجيعة، والعودة للمنزل إلى رحلة الموت.
ففي جريمة مزدوجة، لم يكتفِ الموت بما حصدته العبوة الأولى، بل امتدت الجريمة إلى المسعفين والمارة الذين اندفعوا لإنقاذ المصابين، فإذا بمحاولة إنقاذ الحياة تتحول هي الأخرى إلى مواجهة مع غدرٍ لا يعرف حرمةً ولا رحمة.
يا لوجع الأمهات في ذلك اليوم!
ويا لقسوة اللحظة
أما القتلة، فليس في اللغة من قاموس الشتائم ما يكفي لوصف انحدارهم الأخلاقي.
أيُّ عقيدة هذه التي تحتاج إلى دم طفل كي تثبت وجودها؟
وأيُّ قضية تلك التي لا تجد طريقها إلى النصر إلا فوق جثث الأطفال و الأبرياء؟
وأيُّ بطولة تُستخرج من حقيبة مدرسية ممزقة، أو من جسد صغير مزقه الانفجار قبل أن يعرف معنى الحياة؟
جبهة النصرة يا له من اسم مقزز ويا لهم من جماعة قذرة
وإذا كان القاتل يتوهم أن تغيير الأسماء من الجولاني إلى الشرع وتغيير الرايات والمواقع كفيل بمحو الماضي، فهو واهم؛ فالتاريخ لا يعمل وفق قواعد العلاقات العامة، والدم لا يتحول إلى ماء بمرسوم، وذاكرة الأمهات ليست ملفاً يمكن إغلاقه بحملة تلميع صهيونية.
أن جماعةً تتباهى بشعارات دينية قد تجرأت بكل سفالة على استهداف أطفالٍ في مدرستهم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن مقدار ما تملكه من سلاح، بل عن مقدار ما فقدته من إنسانية.
فليس أشدّ انحطاطاً من أن يُصنَّف طفلٌ عدواً قبل أن يعرف معنى العداوة، أو أن يُحكم عليه بالموت بسبب هويته أو البيئة التي وُلد فيها.
إن تحويل الطفولة إلى هدف على أساس طائفي أو هوياتي ليس مجرد جريمة قتل؛ إنه سقوط مدوٍّ لكل مفاهيم الإنسانية.
لقد بكت حمص يومها، ولم يكن بكاؤها ملكاً لطائفة دون أخرى، ولا حكراً على منطقة دون سواها.
كان وجعاً سورياً عابراً للمدن والانتماءات
كان ينبغي أن يكون دم الأطفال كافياً لإسكات كل خطاب كراهية، وأن تكون صورهم المضرجة بالدماء أقوى من كل راية ، وأن يتفق السوريون، ولو لمرة واحدة، على أن حياة الطفل ليست تفصيلاً في حسابات الحرب، وأن البراءة لا تُدان بهوية أهلها لكن وللأسف استمرت الكارثة حتى الآن (ومجزرة فاحل في الأمس تشهد).
والمأساة لا تقف عند الجريمة وحدها فثمة مأساة أخرى تبدأ حين يكتشف الضحايا أن العالم الذي ملأ آذانهم بالخطب عن الكرامة الإنسانية لا يسمع صراخهم إلا إذا وافق مصالحه.
فهذا المجتمع الدولي، له حكاية أخرى مع الأخلاق؛ حكاية تصلح لأن تُدرَّس في بيوت الدعارة فقط .
هذا العالم الذي لا يكاد يمر يوم من دون أن يعقد مؤتمراً عن حماية الأطفال، ويصدر بياناً عن حقوق الإنسان، يبدو شديد الانشغال بصياغة العبارات، إلى حدّ أنه ينسى أن هناك بشراً يموتون خارج قاعات المؤتمرات.
هذا العالم يتقن لغة الإدانة حين تكون الإدانة مجانية، ويجيد تعداد المبادئ حين لا تتعارض مع المصالح، ويستطيع أن يملأ مجلداتٍ عن العدالة، ثم يعجز عن تقديم إجابة مقنعة لأمٍّ تسأل: لماذا جلبتم قاتل أطفالي وجعلتموه رئيسا لبلادي ؟
يا لها من منظومة أخلاقية عجيبة! قد يصبح القاتل، فيها طرفاً يمكن التفاوض معه، ثم شريكاً يمكن التعامل معه، ثم شخصيةً يتم استقبالها وتقديمها إلى العالم بملامح جديدة وخطاب مختلف.
وما أكثر خبراء الواقعية السياسية حين يكون المطلوب من الضحايا وحدهم أن يكونوا واقعيين! وما أسرع الحديث عن طيّ صفحات الماضي حين تكون الصفحة المراد طيّها مكتوبة بدماء الآخرين!
إن السخرية السوداء تبلغ ذروتها حين يُطلب من شعبٍ أن يطمئن إلى مستقبلٍ تُصاغ معادلاته على أيدي رجالٍ ما زالت جرائم الماضي تلطخ وجوهم.
فإذا كان المجتمع الدولي يملك من البراعة ما يكفي لإعادة تدوير الخطابات والصور والتحالفات، فلماذا يبدو أقل براعةً حين يتعلق الأمر بحقوق الضحايا؟ وإذا كانت أبواب السياسة تُفتح بهذه السهولة أمام من كانوا بالأمس مجرمين دوليين ، فأين هي الأبواب التي ينبغي أن تُفتح أمام العدالة؟ أم أن للضحايا أبواباً مغلقة، وللمجرمين المرتمين في أحضان الصهيونية مفاتيح لا تنفد؟
وإذا كان العالم قد اختار أن يفتح صفحات جديدة في السياسة، فليس من حقه أن يمزّق صفحات الضحايا من سجل التاريخ.
أما نحن، فلا نريد أن تتحول دماء أطفال حمص إلى مادةٍ موسمية في الخطب، ولا إلى ذكرى عابرة تستدعي الدموع ساعةً ثم تُطوى مع انتهاء المناسبة.
نريد أن تبقى الحقيقة حيّة، وأن تُحفظ أسماء الضحايا وذكراهم، وأن يُوثَّق ما جرى، وأن يُحاسَب كل من تثبت مسؤوليته عن الجريمة .
لن ننسى لأن النسيان، حين يُفرض على الضحايا، يصبح جريمةً أخرى بحقهم.
ولن نمنح أحداً حقّ محو المأساة من الذاكرة لمجرد أنه غيّر اسمه أو موقعه أو خطابه.
إلى أطفال حمص الذين غادروا المدرسة ولم يعودوا: لم يكن ذنبكم أن الكبار حوّلوا خلافاتهم إلى حروب، ولا أن أصحاب الشعارات نسوا معنى الرحمة، ولا أن أصحاب المصالح جعلوا من المآسي أوراقاً في مفاوضاتهم.
كنتم تستحقون الحياة، والمدرسة، واللعب، والمستقبل؛ وكان العالم مديناً لكم بالحماية، قبل أن يصبح مديناً لأمهاتكم بالحقيقة والعدالة.
ستبقى ذكراكم سؤالاً مفتوحاً في وجه القتلة، وامتحاناً أخلاقياً أمام كل من يبرر الجرائم أو يتغاضى عنها، ومرآةً تكشف تناقضات عالمٍ يكثر فيه الحديث عن الإنسانية، بينما لا تزال الإنسانية نفسها تنتظر من يضعها فوق المصالح.
ففي حمص، لم يُقتل أطفالٌ فحسب؛ قُتل شيءٌ من ضمير العالم.
والسؤال الذي سيظل قائماً، هو: من سيعيد إلى هذا الضمير حياته، ومن سيعيد إلى الضحايا حقهم في عدالةٍ لا تُباع ولا تُشترى؟
حزني ثم حزني عليك يا وطني
#محمود_موالدي















