هيثم مناع .. يداك أوكتا .. وفوك نفخ

أرجو الا يفهم مقالي على انه تهجم على هيثم المناع .. او تشف وشماتة به .. فليس هذا من طبعي وليس هذا من أخلاقي .. بل انني أحسست بغضب مما رأيت من محاولة اهانته والاعتداء اللفظي عليه … ولو كنت في ذلك المكان معه لما ترددت في أن ألقم من هاجمه حجرا كما تلقم الكلاب الشاردة .. فقد كان المعتدي كلبا ضالا يعتدي على شخص يختلف معه بالرأي ..

ولكن على جميع النخب السورية ان تتوقف أمام المشهد وتراجع نفسها .. وتلوم نفسها .. وتتحمل مسؤولية المشهد الذي يعكس حصاد الثورة التي دعموها .. والموسم الذي طالما انتظروه .. والثورة التي دافعوا عنها بكل مايملكون .. وحقنوها بالشرعية والمظلومية ..

لاأدري ان كان هيثم المناع يظن عام 2011 انه يصنع ثورة سويسرية .. خرجت من الجامع العمري .. وكنا نسمع جميعا صراخها البذيء .. وأنا عندما سمعت بأذني خطابات للثوار في ساحات درعا أحسست بالقرف والخجل من هذه الثورة واستغربت ممن أبدى حماسه لها وهي بهذه الدناءة الاخلاقية وفوضى التفكير وانفعال الجاهلية .. وأحسست ان مستواى الاخلاقي والحضاري قد انحطا الى القاع بسبب نوعية الثوار والافكار والمفردات الوضيعة وحجم الجهل الذي كان يملأ النفوس ..

وفوجئت بالمناع يظهر على شاشات الجزيرة وهو يطلب من الناس الاستمرار بالثورة ولاأزال لاأنسى كيف انه قال انه تحدث الى أحد الثوار الذي قال له لقد عشت 15 دقيقة من الحرية عندما خرجت ضد الدولة .. وهذه التصريحات كانت تزيد النار نارا على النار ..

هل غاب عن المناع يومها ان الجزيرة كانت قبل ذلك اسقطت ليبيا .. وأدخلتها في الجحيم؟؟ .. ومع ذلك لم يبال وتابع الدعم والدعوة للثورة وتسلم هيئة التنسيق رغم انه يعلم ان الربيع العربي صار مكشوفا على انه مشروع استعماري .. وهو يعلم ان هناك من يقف خلف اللعبة وخلف الكواليس .. وسمع بأذنيه ان مشروع تسليح الثورة جاهز .. بل وبحجة انه رفض قبول تسليح الثورة فانه أعطى رسالة كان الثوار ينتظرونها وهي ان اربعة دول عرضت تسليح الثورة .. وهذا الاعلان اعطى الثوار رسالة خطيرة مفادها ان السلاح جاهز وان الدعم الخارجي جاهز وانهم على طريق ليبيا وسيصلون بسرعة الى نهاية الثورة .. مما جعلهم يتعنتون ويرفضون اي عرض من الدولة وأي وساطة رغم ان العروض والوساطات كانت مغرية جدا وستحقن الدم .. لكن سماع قصة الدول الاربعة المتحمسة للتسليح أطارت عقولهم وحلومهم ..

أليس هيثم المناع نفسه هو الذي بدأ أول خطوات تشكيل قسد؟ وشارك فيها؟ أليست قسد هي التي أنهكت الدولة السورية وأفقرت الشعب وهي تشارك الامريكيين حصار قيصر وتمنع النفط والمحاصيل عن بقية الشعب وكانت تبيعه لتركيا ؟؟ هل انتقدها المناع على مافعلت وهي الذي أعطاها الدفعة الاولى والشرعية والغطاء (الثوري) ..

هل تجرأ هيثم المناع يوما ان يقول ان الثورة كذبت في قضية السلاح الكيماوي ؟؟ وهل تجرأ وقال ان الثورة تخون وطنها عندما تتعامل مع الدول الكبرى؟؟ هل تجرأ المناع يوما ان يقول ان النظام لم يقتل خلية الامن ولا الشيخ البوطي؟ أنا لاأذكر انني قرأت شيئا من هذا القبيل .. بل ان هناك مقالا باسمه بعنوان (من معارض كاره الى حافظ الاسد) نسب اليه .. ولكنه لم يقم بتنبي المقال .. وبلغني انه نفى علاقته به جملة وتفصيلا ..

هل يتوقع هيثم المناع ان يستمع اليه الثوار اليوم ؟؟ وهم الذين تربوا على انهم على حق ولا يخطئون .. ولايقبلون الا ان يظلموا غيرهم دوان ان يتعرضوا للوم .. وان يهينوا الناس وأن يفرغوا غضبهم بلا قيود ولاحدود .. هؤلاء هم الثوار الذين صنعهم هيثم المناع .. وهذا هو الحصاد المر الذي زرعه بنفسه مع مجموعة من الحالمين الرومانسيين الذين الان نفخوا أوداجهم وصاروا يتباكون على الشعب السوري وأنهم لم يقصدوا ان تصل الثورة الى هذه النهايات الكارثية وانتاج هذا الجهل الشامل والحقد الشامل والعنف الشامل والخيانات الشاملة ..

لذلك الى كل الذين لايعرفون كيف تقاد الشعوب .. وكيف تساس الجماهير .. ولايعرفون ان الحرية مع الجهلاء تعطي فوضى .. وأن الحرية عندما يحملها الدين لايمكن الا ان يعتبرها ملك يمينه .. وان الصبر على ديكتاتورية وطنية أفضل من تدمير وطن وتحويله الى بلد محتل .. عليهم ان يتوقعوا ان تنبح عليهم كلاب الثورة .. وأن تنهشهم .. وان تفتك بهم ..

ليس هيثم المناع وحده من سيقف في نفس المشهد .. بل الجميع من الذين لم يعرفوا تشريح العقل القبلي والعقل العربي .. ولم يعرفوا ويدرسوا ان الديمقراطية الغربية هي شكل ديكتاتوري مزيف .. والتي نراها اليوم في خضوع اوروبة لديكتاتورية البنوك وديكتاتورية الناتو .. وديكتاتورية رعاة البقر .. ودكتاتورية جزيرة ابستين التي يصبح سجن صيدنايا منتجعا من الجنة تجاه أهوالها .. وجزيرة ابستين هي حقيقة الديمقراكية المزيفة التي يظنون بها خيرا ..

وهؤلاء الذين يريدون ان يعزفوا لحن فاوست ولحن كسارة البندق في المسجد .. ويريدون ارتداء الثياب القطبية في الخيمة .. وثياب الرقص في مضارب بني عبس .. ويظنون ان الثورات يمكن ان تخرج من قصور النفط .. وأن التغزل بالدناءة الثورية والانحطاط الاخلاقي نوع من أنواع الاسلحة الفتاكة لن يرتد عليهم .. الى هؤلاء جميعا .. عليكم ان تتوقعوا ان ترتد عليكم الوحوش التي أطلقتموها .. وستلاقونها في كل مكان الأن فقد تكاثرت كالفطر وصارت لها مزارع في كل مكان .. ولن تعود الى الاقفاص الاجتماعية القديمة ومساحات الوطنية .. بل ستبقى طليقة تقتل الجميع وتهتك عرض الجميع .. وتنتهك كل المحرمات الاخلاقية .. انكم انتم من ظننتم انكم تروضون الوحوش وتركبون ظهور الضباع .. فاذا بها تبحث عنكم اليوم .. وتعضكم وتنهشكم .. واذا ما زجرتموها قالت لكم ستدفعون ثمن زجركم لنا ..

هيثم المناع لن يكون الاخير .. بل هي البداية في نهش كل من يريد وضع السلاسل في أعناق الكلاب التي ربّوها .. فالكلاب الضالة خرجت من اقفاصها الثورية .. وهي مسعورة .. ولن تعود ولعابها المسعور يفيض من أشداقها .. ويسيل على صفحات وسائل التواصل .. وفي الرسوم والكتابات .. وطالما انها طليقة فانها ستعض من كان يطعمها يوما بيده .. لأن السعار الثوري جعل الناس بلا أخلاق أو لنقل أعطاها أخلاق الضباع ..

لذلك فانني أجدد تنديدي بما تعرض له هيثم المناع .. ولكني سأقول له ولغيره الذين ستهاجمهم الكلاب الضالة كثيرا:

يداك أوكتا .. وفوك نفخ !!..

===========================

مثال بسيط .. هل أتاك حديث المقابر الجماعية الاول من السيد هيثم مناع عبر الجزيرة .. وماهي دقته؟ ومن رتكبها؟ ولماذا الاتهام جاهز مثل مقتل الحريري .. المتهم جاهز؟ هذا ماأطلق مشاعر الناس وحولهم الى كلاب ضالة مسعورة:

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

كبرياء مغمسة بضوء الشمس .. فنان التنوير عدنان أبو الشامات .. يغادر بلاد الظلام .. سورية

اثبت معظم الفنانين السوريين أنهم مجموعة من المرتزقة .. وبأن ثمنهم بخس جدا .. وأنهم لايمكن أن يكونوا فنانين بل كومبارس يعطون أدوار البطولة .. لانه لايوجد أبطال حقيقيون بينهم .. فقد فجعني تخاذلهم وتراجعهم وضآلتهم وتصاغرهم وكيف انهم متسولون لاأكثر .. الا بعض القامات التي فاجاتني بأنها لم تكن تمارس الفن بقدر انها كانت تحمل الضوء وتتحول الى سراج تتبعه الأمة .. وأعجبني انهم لم يستسلموا لقوى الظلام .. ولم تقدر على ابتزازهم ..

من بين هؤلاء الفنان عدنان ابو الشامات الذي كنت أتابعه كفنان ولكن ماكان يلفت نظري اليه هو انفراده بثقته بنفسه وبأنه مثقف حر جدا .. وبأنه صاحب عقل تنويري .. لايمكن ابتزازه .. وهو أكثر من فنان .. بل فنان مفكر .. ويمتلك الكثير من أدوات الشجاعة والقتال .. وعندما كان يقوم بمبارزاته الفكرية ودفاعه عن رأيه كنت أحس أنني أمام فنان مثقف جدا في زمن سريالي .. وانه فنان محارب .. ويذكرني بفرسان عصر النهضة .. وهو يمضي بما هو ماض فيه ولايبالي .. ولايقبل ان ينزل عن فرسه ويسلم سيفه لنخّاس وتاجر رقيق ..

هو من الهامات والقامات النادرة في المجتمع .. له روح مقاتل .. ولكنها روح ذات كبرياء مغمسة بالشمس .. وروح ساموراي عنيد .. يفضل ان يموت بسيفه على ان يسلم سيفه .. ولفت نظري في جدالاته مع قوى الظلام أنه يعرف انه يحمل على كتفيه عبء التوعية ورسالة التنوير وأنه لم يصب بالصدمة والروع من الاسلام السياسي الذي روع الفنانين جميعا ..

ومن لايحمل رسالة التنوير لن يكون الا كومبارسا او مايسمى بين العامة (مشخصاتي) .. اما من يقارع الظلام .. وكأنه مارتين لوثير في العصور الوسطى يحاول تحطيم الكنيسة .. بل انه أستاذ الفنانين .. ومعلمهم ..

=============================================

الخبر هو:

كشف الفنان #عدنانأبوالشامات عن تعرضه لضغوط وتهد.يدات مباشرة استهدفت زوجته وأقاربه المقيمين في دمشق، وذلك على خلفية انتقاده للهجــ.وم الذي شنه بعض النشطاء على “أهل الشام”. وأكد أبو الشامات أنه اضطر لحذف الفيديو حفاظاً على سلامة عائلته.

وأشار إلى أن تغيير النظام لا يعني تغيير النهج والسلوك والعقلية، معتبراً أن سنوات الحــ.رب الطويلة جعلت قيمة الإنسان أقل من قيمة الرصاصة.

وعبّر عن صدمته من تحول شعارات الحرية إلى محاولة لاستبدال “البوط العسكري” بـ “صرماية” الإســ.لام السياسي.

وأعلن أن هذه الهجرة ستكون الأخيرة له، بعد عدة هجرات سابقة، متمنياً ألا يعود إلى البلاد مجدداً.

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

أراء الكتاب: ناعورة الدم .. سيرة عنف .. لم نتعلم كيف نكسر دورتها – بقلم: الفينيق الأخير

سيرة عنف ….لم نتعلم كيف نكسر دورتها

حين يُكتب التاريخ من نهايته،

تبدو المدن كأنها استيقظت فجأة على الجنون.

لكن حماة لم تستيقظ.

حماة سارت إليه خطوة خطوة.

في الثاني من شباط/فبراير 2026، أحيت مدينة حماة ذكرى مرور أربعة وأربعين عامًا على أحداث عام 1982. 

جرى ذلك بتحميل كامل المسؤولية لنظام الرئيس حافظ الأسد، مع تبرئة شبه مطلقة للطرف المقابل، وبخطابٍ اتّسم بالتضخيم العددي والاختزال السياسي. 

هذا النمط من الإحياء لا يخدم الحقيقة ولا الذاكرة، لأنه يحوّل التاريخ إلى أداة إدانة أحادية، لا إلى درسٍ مركّب

—— الطريق إلى حماه:

في فجر الثاني من شباط عام 1982،

لم تبدأ المأساة بالدبابات،

ولا بالبيانات العسكرية،

ولا بصور الدمار التي ستملأ الشاشات لاحقًا.

بدأت في زقاق ضيق،

عند مدخل حارة الزنبقي، 

في قلب الحاضر،

حيث لم يكن هناك “تشبيح”، ولا “فلول”،

ولا مصطلحات جاهزة للاستهلاك السياسي.

كان هناك شابان فقط.

من أبناء المدينة. 

من لحمها وذاكرتها.

كانا يعرفان شيئًا واحدًا فقط:

أن غرباء عن الحارة،

من أبناء المدينة نفسها،

يريدون دخولها بالسلاح،

وأن ذلك يعني نهاية ما يعرفانه عن البيت والشارع و الليل.

لم يكن معهما بيان،

ولا قائد،

ولا كاميرا،

ولا وعد بالخلاص.

كان معهما سلاحان فرديان،

وإحساس ثقيل بأن شيئًا غريبًا يُراد فرضه على المدينة بالقوة.

قالت مكبرات الصوت من الجوامع: حيّ على الجهاد.

قالا، بلا خطابة: لن تمرّوا من هنا.

لم يكونا من الجيش،

ولا من الأمن،

ولا من حزب،

ولا من طائفة في حالة استنفار.

كانت بيوتهما ملاصقة لبيوت أبناء الطليعة المقاتلة.

و كانوا جيراناً من أبناء الحارة نفسها.

قاتلا من على أسطح بيوتهما،

يبدّلان الموقع،

يحسبان الرصاصة،

ويعرفان أن الذخيرة أقلّ من الصباح.

حين نفدت الذخيرة،

لم ينسحبا،

ولم يُساوما،

ولم يُلقيا السلاح.

سقطا هناك،

على أسطح المنازل التي ولدوا فيها،

قبل أن يدخل الجيش بأيام،

وقبل أن تُكتب المأساة،

وقبل أن يُختزل كل شيء في رواية واحدة.

هذان الشابان لا يذكرهما أحد.

لا صورة لهما في الذاكرة العامة،

ولا اسم في الخطب،

ولا شاهد قبر يتّسع لسرد قصتهما.

فحمزة لا بواكي له.

لكن في موتهما،

كان هناك جواب مبكّر على كل الأسئلة التي ستأتي لاحقًا:

أن حماة لم تكن مدينةً واحدة،

ولا قلباً واحداً،

ولا رواية واحدة.

وأن أول من قاوم السقوط…

لم يكن الدولة،

بل شابّان قالا “لا”

حين كان قولهما يساوي الحياة.

في فجر الثاني من شباط، 

حين أُعلنت حماة “ساقطة” من مآذنها،

لم تكن المدينة قد اتفقت بعد على معنى السقوط.

في الأزقة نفسها،

كان هناك من صدّق النداء،

ومن ارتاب به،

ومن خاف،

ومن أغلق بابه،

ومن صعد إلى السطح حاملاً بندقية قديمة لأنه لم يعرف ماذا يفعل غير ذلك.

الطليعة المقاتلة لم تدخل مدينة نائمة،

بل مدينة منقسمة على نفسها.

لم تدخل لتقود ثورة،

بل لتفرض خيارًا واحدًا بالسلاح.

أقامت محاكم ميدانية،

رفعت قوائم سوداء،

حدّدت أسماء أطباء وضباط وأكاديميين.

في حمّام الشيخ، في قلب حارة الكيلانية،

(على بعد خطوات من المكان الذي سقط فيه الشابان)،

قُطعت رؤوس لا لأنها ارتكبت جريمة،

بل لأنها لم تنتمِ إلى الرواية المطلوبة.

هذه المدينة لم تكن مسالمة كما صُوّرت لاحقًا،

ولا متمرّدة كما صُوّرت قبلها أو خلالها.

كانت مدينة تُسحب إلى مواجهة لم تختر توقيتها ولا شكلها.

—— نحو ذاكرة مسؤولة:

ما جرى في حماة لا يُفهم إلا بالعودة إلى ما قبل شباط 1982،

إلى السبعينيات،

حين قررت الطليعة المقاتلة—الذراع العسكري لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا—أن إسقاط النظام واجب، 

وأن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر السياسة،

بل عبر الدم.

لم تكن الطليعة المقاتلة حزبًا معارضًا بالمعنى التقليدي،

ولا حركة احتجاج،

ولا تيارًا إصلاحيًا.

كانت كيانًا صداميًا إقصائيًا،

لا يعترف بالتعددية،

ولا يرى في المجتمع إلا معسكرين:

معنا أو ضدنا.

منذ منتصف السبعينيات،

باشرت سلسلة اغتيالات ممنهجة:

أطباء،

أكاديميون،

علماء،

ضباط.

بلغت ذروتها في مجزرة مدرسة المدفعية في حلب عام 1979،

ثم بمحاولتي اغتيال لرئيس الجمهورية،

وبمحاولات فرض سيطرة مسلّحة على أحياء في مدن سورية، كانت حماة وحلب في طليعتها.

لم تكن هذه المجموعة محلية معزولة.

كانت جزءًا من التنظيم العالمي للإخوان المسلمين،

ومدعومة سياسيًا وأمنيًا من جناح بغداد لحزب البعث في سياق صراعه مع دمشق،

ومسنودة بتمويل من دول إقليمية وخليجية رأت في سوريا ساحة كسر.

الهدف لم يكن إصلاح الدولة،

بل دفعها إلى مواجهة مفتوحة،

إلى عنف طائفي،

إلى تفكيك المجتمع من الداخل.

خلال هذه السنوات،

لم تلجأ الدولة فورًا إلى الحسم العسكري.

حاولت التفاوض.

أُرسلت وفود من دمشق،

ووفود من حماة نفسها.

طُرحت صيغ إدماج،

وعُرضت مشاركة،

وطُلب وقف الدم.

قوبلت كل هذه المحاولات برفض قاطع.

لأن التنظيم لم يكن يعترف بشرعية الدولة أصلًا،

ولا يرى في التعدد شريكًا، بل عائقًا.

وحين سيطرت الطليعة المقاتلة على أجزاء من مدينة حماة،

وانتقلت من الاغتيال إلى إعلان السيطرة،

دخلت الدولة في مواجهة عسكرية شاملة.

دخل الجيش مدينة لا يعرفها.

تعامل مع الحارات كملفات،

ومع البيوت كخنادق.

و هنا وقع الانزلاق الكبير.

لم يفرّق في كثير من الأحيان بين مسلح ومدني.

سقط آلاف الأبرياء.

هُدمت منازل وحارات كاملة،

ومنها الحارة التي سقط فيها الشابان اللذان حاولا، بأسلحتهما الفردية، منع سقوط حارتهما.

ما جرى يمكن تفسيره،

لكن لا يمكن تبريره،

ولا التقليل من فداحته.

تحويله إلى حرب طائفية بين “نظام علوي” و“مدينة سنية”

ليس تفسيرًا،

بل تزويراً.

فالبنية الصلبة للنظام السوري آنذاك لم تكن طائفية.

في قلب السلطة،

كان رجال من الطائفة السنية يشكّلون أعمدة الحكم:

من وزير الدفاع مصطفى طلاس، إلى رئيس الأركان حكمت الشهابي

إلى قيادات عسكرية وسياسية، أمثال عبد الحليم خدام، عبد الله الأحمر، زهير مشارقة و غيرهم.

إضافة إلى عشرات الضباط و الوزراء الكبار.

وفي البنية العسكرية تحديدًا،

كان هناك ضباط سنة من مدينة حماة نفسها،

فاعلون ومؤثرون،

ومدرجون على قوائم الاغتيال للطليعة المقاتلة،

أمثال: حمدون، القوشجي، المدني، و ابراهيم العمر..

لم ينشقّ أيٌّ منهم احتجاجاً على ما حدث.

لم يغادروا البلاد،

مع أن أبواب العواصم الإقليمية والغربية كانت مفتوحة لهم.

بقوا،

لأنهم كانوا يرون المواجهة مع تنظيم مسلح يريد إسقاط الدولة، لا حربًا على مدينتهم أو طائفتهم.

بعد سبعة وعشرين يومًا،

سُحق التمرّد،

وسُحقت معه المدينة.

كثيرون لم يُقتلوا هناك،

بل اختفوا.

دخلوا المعتقلات، وخرجوا منها بعد عقود،

أو لم يخرجوا أبدًا.

غابت وجوه، وتيبّست أعمار، وتحوّل الانتظار إلى مهنة.

—— العلاج بالصمت: 

خرجت حماة من الركام،

لا لتُسأل عمّا جرى،

بل لتُطالَب بالصمت.

ثمانية عشر عامًا في عهد حافظ الأسد،

وأحد عشر عامًا في عهد بشار الأسد،

كان يمكن خلالها أن يُقال شيء واحد فقط:

نعم، أخطأنا.

نعم، قُتل أبرياء.

نعم، كان يجب أن نداوي الجرح.

لم تبدأ المعالجة

لم تُطرح أسئلة، 

ولم تُكتب رواية رسمية تعترف، 

ولم تُفتح ملفات.

لم يُسمَّ القتيل قتيلًا، ولا المخفي مخفيًا، ولا الخطأ خطأً.

لكن الصمت اختير علاجًا.

والجرح الذي لا يُفتح ليُشفى،

يتحوّل إلى شيء آخر.

 توقفت ناعورة الدم عن الدوران في العلن.

سكن صوتها، وانقطع الأنين الذي اعتادت المدينة أن تسمعه كل صباح.

ظنّ كثيرون أن الماء هدأ، 

وأن الخشب تعب، 

وأن الحجر كفّ عن الطحن.

لكن ما لا يُرى كان أعمق.

تحت الناعورة، في الجُغْل

تلك الحفرة الحجرية الغارقة تحت الماء،

حيث لا يصل الضوء،

وحيث من يسقط لا يخرج —

كان شيءٌ ما عالقًا.

ومن هنا،

لم يكن الصمت شفاءً،

بل حبْسًا للكارثة في مكانٍ أعمق،

إلى أن يأتي زمن

لا تعود فيه الناعورة بحاجة إلى دوران،

لأن ما في الجُغْل

سيخرج وحده، 

وحين سقط النظام عام 2024،

خرج ما في الجُغْل.

بذاكرة أحادية،

القادة الإخوانيون الذي خرجوا أثناء اجتياح المدينة في الثمانينيات، 

و تركوا المجتمع ليُسحق باسمهم، 

عادوا بعد 2024 لتحريك الدم من جديد.

وفي هذا السياق، 

كان المؤلم أن تُستعاد حماة، 

لا بوصفها درسًا، 

بل بوصفها أداة تعبئة.

المدينة التي دفعت ثمن العنف باكرًا، 

والتي ذاقت معنى العقاب الجماعي، 

كان يُفترض أن تكون الأكثر حذرًا من لغته، 

والأكثر وعيًا بعواقبه.

كان يُفترض أن يكون جرحها حصانة أخلاقية، لا وقودًا.

لكن ذلك لم يحدث.

أعلنت سلطة الأمر الواقع النفير العام!

فارتفعت، من بعض منابر حماه وأصواتها، 

لغة تحريضٍ فجّة على مجازر الساحل، 

وعلى ما جرى لاحقًا في السويداء

للأسف، استُخدمت مأساة حماة

-و بشكل متعمد-

كترخيص أخلاقي لارتكاب مجازر جديدة

فتحولت المدينة من ضحية إلى جلاد.

وهنا تتعرّى المأساة كاملة:

لسنا خارج التاريخ،

نحن عالقون فيه.

ما زلنا نفكّر بمنطق القبيلة،

نفهم العدالة بوصفها ثأرًا،

ونستخدم الذاكرة سلاحًا لا درسًا.

‏إذا لم نتعلم كيف نوقف ناعورة الدم،

 وكيف نداوي الجرح،

فسوف يستمر الدم بالجريان..

حتى يصبح في كل قلب جرح، 

وفي كل بيت مأساة،

و في كل أرض كربلاء.

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

كم عدد ضحايا أحداث حماة في الثمانينات؟؟ تقرير سري أميريكي بالدليل القاطع (رسالة من قارئ مجهول)

في شهر أيار “مايو” 2012 أفرج جهاز المخابرات التابع لوزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون والمعروف باسم DIA، هو غير وكالة الاستخبارات المركزية سيئة الصيت CIA، أفرج عن تقرير كان قد أخفاه لمدة 30 عاماً عن “مجزرة حماة” وما حدث قبل، أثناء، وبعد الأحداث التي عرفت بذلك الاسم لاحقاً.

كتبت سابقاً ومراراً عن هذا التقرير، وشاركت عدد لا بأس به من الصحفيين وبالأخص الأجانب الذين غطوا الحرب الإرهابية بقيادة الولايات المتحدة والحلف الأطلسي (الحلف الدفاعي) على سورية وبعضهم اعتمد على ذلك التقرير بالدفاع عن الدولة السورية بوجه الأخونجية.

الملف موجود على موقع وزارة الدفاع الأمريكية، ولسهولة البحث وخوفاً من إخفاؤه مرة أخرى، قمت بحفظه بعدة أماكن، قد يكون أسهلها تحميله أو قراءته في موقع “جوججل من خلال هذا الرابط: ملف أحداث حماه 1982 – وكالة استخبارات وزارة الدفاع الأمريكية.

حوالي ال 2000 عدد القتلى، منهم 400 من الطليعة المقاتلة التابعة لتنظيم الأخوان المسلمين، والباقي من مسؤولين بالدولة وحزب البعث العربي الاشتراكي والجيش العربي السوري في مدينة حماة، وعدد من الضحايا المدنيين الذين وقعوا نتيجة الاشتباكات.

==============================

ملاحظة: في مزاد الارقام الذي تتبعه عصابات الاخوان المسلمين الارقام تحلق .. الى 40 ألفا .. وستين الفا .. ثم سبعين ألفا .. ومئة ألف .. واحيانا تحس ان حماة أبيدت عن بكرة أبيها … وهي نفس مزاد الارقام الذي يتبرع به الثورجيون عن ضحايا الثورة السورية ويسمونها ضحايا الاسد .. فالرقم وفق الامم المتحدة يصل الى 550- 600 الف .. ضحية .. واكثر من نصفهم من الجيش السوري والموالين للدولة وضحايا المجازر التي ارتكبها الجولاني وجماعته .. لكن أرقام الثورجيين فورا تبدأ المزاد ب مليون وهو رقم يردده المتوضعون وقليلو الحس الثوري .. لأن الرقم يرتفع الى مليونين .. ثم يقفز الى ثلاثة ملايين وأربعة ملايين ضحية .. ووفق هذه الارقام فان عدد الجرحى يكون عادة ضعف عدد القتلة او ثلاثة أضعاف اي على الاقل .. ستة ملايين جريح .. أي نصف الشعب السوري بين قتيل وجريح .. ثم لاننسى عدد اللاجئين الذي قفز في المزاد الى 16 مليون مهجر ولاجئ .. أي عدد ضحايا الاسد هو 25 مليون نسمة .. أي الشعب السوري كله انقرض ومعه الاطفال السوريون القادمون قبل الولادة سقطوا قتلى .. وعددهم مليونا جنين قبل ان يولدوا .. ولم يبق في سورية الا ابو دجانة ولطيفة .. والجولاني وابو عمشة وجميل الحسن وهادي العبدالله وموشيه العمر ..

وهي تشبه قصة فيلم امريكي يحكي ان حربا نووية نشبت في العالم ومات كل البشر الا ستة أشخاص رجال ونساء كانوا في القطب الشمالي .. خرجوا من الحصن تحت الارض وفوجئوا ان عليهم ان يبدؤوا الحضارة الانسانية من البداية وان تستمر الحياة من خلالهم .. يعني فعلا هؤلاء السبعة الذين بقوا ونجوا في سورية (الجولاني ولطيفة وابو دجانة ووو ) ستبدأ معهم اعادة بناء الحضارة السورية .. من ذرية لطيفة التركية وأبي دجانة وموشيه العمر .. وربما يقتل قابيل هابيل من أجل لطيفة .. وتعاد قصة ابناء أدم .. ولكم ستكون قصة أبونا أبو محماااااد .. وأمنا لطيفة … وأبناءهم الهبيلة الذين نعرفهم ..

رابط التقرير السري الذي أفرج عنه لاحقا

نُشِرت في المقالات | 3 تعليقات

مذبحة حماة التي ارتكبها الاخوان المسلمون .. حائط مبكى الاخوان المسلمين .. ومكبس الثمانينات والفئة الباغية ..

كل من يكتب في شأن أحداث حماة في الثمانيات حسبه ان ينجو من اللوم .. لالشيء الا لأن الاخوان المسلمين لايقبلون اي تحقيق محايد ولاأي شهادة .. ولايقبلون اي طعن بروايتهم .. ولايسمحون بأي لوم .. ولايسامحون بأي بحث علمي ولا يتقبلون أي منطق .. حماة بالنسبة لهم هي هولوكوست غير قابل للنقاش والتحقيق .. اما ان تأخذ كل القصة معلبة كما هي أو انك عدو وتستحق (الحرم الكنسي ) الاسلامي .. وماساعد الاخوان على السطو على الحكاية والاستيلاء على ممتلكاتها وعقاراتها هو ان الدولة السورية ألقت الأستار والستائر عليها لأنها كانت ترى ان على الجيل الجديد من السوريين ان ينسى تلك الايام المؤلمة وأن لاتتحول حماة الى قصة وتراجيديا .. وأن لايحمل السوري حقدا على أخيه السوري .. وهذا من مبدا بناء الانسان وبناء الاوطان على التسامح ودفن الاحقاد .. وأن البحث التاريخي هو من سيحكي الحقيقة لجيل لن تعني له القصة الا مافيها من حقيقة ومايقال فيها من انفعال ..

ودوما كنت ألوم الدولة على اتخاذ هذا النهج والموقف الاخلاقي العالي واعتبر أنه رومانسية وطنية لسبب واجد وهو ان قصة حماة صارت مثل قميص عثمان يلوح بها الاخوان المسلمون في كل مناسبة ويبكون فيها مثلما يبكي اليهود على حائط المبكى .. وهم يعرفون ان حائط المبكى هو جدار روماني ولاعلاقة له بهيكل سليمان .. ولكن لصوص القصص ولصوص الحكايات يحبون اختلاس الأسطورة ويحبون ان تنسب الاسطورة الى أي جدار ولو كان جدارا مسروقا .. ولذلك كنت ارى ان الاخوان المسلمين يأتون دوما الى حائط المبكى المسمى حماة) ليبنوا اسطورة المذبحة ويوزعوا المناديل للبكاء على قصص كتبوها وروايات اخترعوها .. وأفلام خيال واثارة ورعب .. وهوليوود ..

قبل اي شيء لايسمح الاخواني ان تسالأ سؤالا وهو هل كان الرئيس حافظ الاسد يشرب القهوة صباحا ثم قرر فجأة ان يغير على حماة ؟؟ من دون أي سبب؟؟ فقط لانه يكره أهل حماة تحديدا؟؟ لماذا لم يختر مدينة أخرى عاصية؟

الحقيقة هي ان حماة هي التي اتخذت قرار الحرب والمواجهة .. لأنها كانت قبل ذلك بسنوات طويلة قامت بنفس المغامرة وسباقة الى المواجهة .. منذ الستينات .. وهي عقدة من عقد النظام الاقطاعي القديم الذي تضرر من الأفكار الاشتراكية فقرر مواجهة الاشتراكية بالدين حفاظا على التراث الاقطاعي .. يعني عقلية علي بابا .. الاقطاعيون والملاك وأصحاب الاراضي تضرروا من وصول نظام اشتراكي يؤمن بالفلاح والارض والفقراء .. ويريد استعادة مغارة علي بابا التي جمعها الاقطاع من الفلاحين عنوة وظلما طوال فترة الحكم العثماني البغيض ..

حماة أعلنت العصيان .. ولم تستشر أهل المدينة بل خطفت المدينة فجرا .. وصحا أهلها على التكبيرات والدعوة للجهاد .. دون اي قرار ديمقراطي او جماعي .. هكذا قرر قادة الاخوان الزج بالناس في المعركة وطحنهم فيها باعتبار ان عصيان المدن والتمترس بالمدنيين هو أفضل عاصم من غضب السلطة .. وبمجرد اعلان الانفصال عن الدولة .. قامت محاكم ميدانية مهمتها فقط تنفيذ أحكام اعدام مسبقة بالسيف والسكين دون محاكمات او مرافعات .. المتهم لديه دقائق فقط ليموت واحيانا لايعرف تهمته .. وساد الرعب المدينة .. وانفلتت العصابات على الناس .. وصارت عملية التجنيد اجبارية .. يحيث يدخلون الأحياء ويفتشون المنازل ويطلبون الشبان للجهاد المقدس ومن يرفض يطلقون النار على رأسه فينتشر دهن مخه على الحائط .. أي دفع الجميع الى المواجهة والموت معهم بشكل انتحاري مجنون .. والمؤلم بالامر ان قادة التنظيم الكبار دعوا الى الجهاد ولما لاحظوا تحشدات الجيش انسحبوا وتسللوا هاربين وتركوا عناصرهم يواجهون مصيرهم وحدهم ..

السؤال الذي سيسأله التاريخ هو: عندما برز عمار بن ياسر في صفوف علي وتذكر الناس نبوءة النبي الشهيرة (ياعمار انما تقتلك الفئة الباغية) .. فسرها معاوية ان من أخرج عمارا للموت هم الفئة الباغية .. ووفق منطق معاوية فان من قتل حماة هم من اخرجوها لحرب مع الدولة سواء بالرضا او باالاكراه وفرض الامر الواقع ودون استشارة أهل المدينة .. فإذا قبل الامويون الجدد حجة معاوية فعليها ان يطبقونها في حماة ..

تخيلوا ان حماة كانت قبلها سنوات من التحريض الطائفي الاخواني الذي بدأ بأعنف رسالة ضد الدولة في مجزرة مدرسة المدفعية في حلب والتي فاجأت الدولة بعنفها لان الدولة لم تكن قد بدأت اي عنف ضد الاخوان قبل ذلك .. بل ان تحدي الاخوان المسلمين بلغ جدا أنهم حاولوا اغتيال الرئيس حافظ الاسد مرتين .. ثم يحاول لدالعثل الإخواني المجرم خلق قصة عجيبة وهي ان الأسد الاب هو من ورط الاخوان وشجعهم واستدرجهم ليبرر القضاء عليهم في حماة .. اي الاسد الذي كان يواجه الحرب الاهلية اللبنانية واجتياح اسرائيل للبنان قرر ان يطعن نفسه وان يخلق مشكلة لنفسه في حماة وفق منطقهم

تخيلوا لو ان حماة تركها الرئيس حافظ الاسد ولم يحسم أمرها .. وبقي يفاوضها من أجل المصالحة عدة اشهر .. لو حدث هذا لسقطت بقية المدن السورية خوفا من الاخوان المسلمين الذين سيظهرون أنهم فرضوا على الاسد التفاوض والرضوخ لهم .. والناس حسب ابن خلدون يميلون للقوي المنتصر حتى وان كانوا يخالفونه .. ولو أحسوا ان الاخوان لهم من البأس مايجعل حافظ الاسد مترددا فان الناس كانت ستعلن سقوط المدن تباعا خوفا منهم واتقاء لشرهم .. كما حدث مع وصول الجولاني الذي كان الناس يرفعون الرايات والاعلام الخضراء خوفا من عنف جماعته عندما ظنوا في البداية ان الجيش السوري فر وان الرئيس الاسد فر من القصر .. لم يدركوا ان الامر كان خدعة دولية .. وأن جيشهم خدع ولم يخض اي قتال ..

في زمن أبي بكر اعترض مسلمون عرب على ولاية ابي بكر وسموا بالمرتدين .. فكان من واجب الدولة التي أسسها النبي ان لاتسمح بالفوضى والعصيان والانشقاقات .. وحدثت حرب اهلية عربية عربية بسبب خوف المسلمين على نظامهم الوليد .. وتمت الموافقة على قرار ابي بكر بمنع التمرد .. ورغم ان القرار لم يحظ بموافقة المسلمين جميعا بدليل ان كثيرين من الصحابة لم يشاركوا في حروب الردة .. فكيف نفهم حاجة الدولة لقرار سحق العصيان زمن ابي بكر ولانفهمه على انه سنة تتبعها الدولة للحفاظ على كيانها من التفتت؟ .. ثم ان المراجعة التاريخية تقول ان الرئيس حافظ الاسد لو لم يحسم الامر في حماة لكان مانراه اليوم هو ماقد حدث في الثمانينات في سورية .. اي المجازر الطائفية والعنف وانهيار الدولة ونهاية مشروع مواجهة اسرائيل .. ولكن صمدت الدولة في حماة .. فصمد مشروع مواجهة اسرائيل في حماة .. وكانت حماة صفعة لمشروع كامب ديفيد .. لأن السادات تنبأ بأحداث حماة وكأنه كان مثل نتنياهو الذي قال للأسد الابن (أنت تلعب النار) .. فقد سبقه اليها السادات الذي وجه تحذيرا للأسد الاب قائلا (لقد سالت دماء كثيرة في لبنان .. وستسيل دماء أكثر في سورية) .. وكان من المعروف ان مشروع كامب ديفيد يستعد العرب للركوب فيه ولكن العقدة السورية كانت مهمة ويجب حلها .. وكان الملك حسين مكلفا باقامة معسكرات تدريب الاخوان المسلمين .. وهي نفس مهمة غرفة الموك الشهيرة التي كلف بها ابنه ملك البندورة .. وبسبب الحسم في حماة تأخر مشروع الجولاني 40 سنة .. والا لكان هناك جولانيون آخرون جاهزين لانهاء مشروع المواجهة مع اسرائيل وتسليم جثة كوهين ومقتنياته كما فعل الجولاني اليوم .. ومن يحتفل بأحداث حماة هي اسرائيل التي تجد انها بعد 40 سنة انتصرت وأوصلت وكلاءها .. ودمرت مشروع الصمود السوري والجيش العظيم الذي نغّص عليها فرحة كامب ديفيد ..

حماة باختصار هي ضحية الصراعات الدولية .. كما في كل مدينة دخلوها .. وهي ضحية الاخوان المسلمين .. وهي قربان السياسة .. فمن أجل كامب ديفيد كان قربان حماة الذي ضحى به مشروع التطبيع العربي بقيادة السادات والملك حسين .. واستدرج اليه صدام حسين كالعادة لأن صدام حسين كان يريد ان يقود العرب من غير منافسة الرئيس حافظ الاسد فالتقت مصالحه السياسية مع مصالح العرب المطبعين في سورية ..

حماة هي ضحية الاخوان المسلمين .. وستبقى ضحيتهم .. وحائط مبكاهم .. وهي بالنسبة لنا في كل قصصها مثل قصص صيدنايا والثورة السورية .. مكابس بشرية وطوابق سرية .. ومايؤكد لي ان كل أرقامها خيالية وان كل قصصها هلامية هي انني رأيت بأم العين منتجاتها من الثورة السورية التي كذبت وفجرت .. وكانت تعبيرا حقيقيا عن مشروع حماة الاول لصاحبته اسرائيل ورجعيي العرب .. وكما تبين لنا ان صيدنايا كان سجنا عاديا لكنه ملئ زورا بقصص المكابس والرعب وقصص الابرياء المختفين .. وتبين ان كل القصص كانت كذبا في كذب .. حتى قيصر نفسه كان فبركة لأنه كان سرقة لمفات طبية شرعية عن ضحايا الحرب من المقاتلين المجهولين الذين تم تصويرهم من اجل اثبات هوياتهم .. بسبب مارايت اليوم فان كل شيء بالنسبة لي كذب في كذب ..

ماحدث في حماة هو نموذج مصفر للحرب السورية التي انتشرت على كل الارض السورية .. عصاة ومتمردون يعتصمون بالمدينة ويزجون بالمدنيين في الحرب رغما عنهم ويتمترسون بالابرياء كي يموت الابرياء بيد الجيش كي يتم التشنيع على الجيش واستخدام الفاجهة وكأن الجيش قتل الابرياء عمدا ..

النبوءة الاخطر التي تقولها لنما حماة هي التالية: ستكون هناك خماة في كل مدينة سورية .. فالاخوان المسلمون أسسوا مدرسة للكراهية والكذب والانتقام .. واسسوا مدرسة للخيانة وبيع الاوطان من أجل مكاسب السلطة .. واليوم كل من أحس انه طلم فانه يسأخذ درس الاخوان المسلمين الذين حملوا حماة كقميص عثمان لالقاء الفتنة بين السوريين .. ومنذ اليوم سيحمل كل فريق قميص مدينته وطائفته ويسلك سلوك الاخوان المؤسسين لمدرسة الكذب والخيانة الوطنية ..

حماة ستسقط روايتها عندما يسقط الاخوان المسلمون مشروعهم .. هو مشروع هش جدا لانه محمول على حوامل غير ثابتة .. وهي توازنات الدول الكبرى والاقليمية .. وتوازنات داخلية ومحلية .. وهو مثل المشي على حبل بين جبلين .. سيسقط حامله مهما بلغ من مهارة الكذب والعمالة والخيانة .. الشعب السوري سينهض وينهي هذه المهزلة .. وستندثر قصة حكاة لانها كذبة وستخرج ملفاتها الحقيقية وسيعرف الناس ان الحقيقة هي ان الدولة دافعت عن كيانها وعن شعبها في حماة ضد الهمجية والعنف والردة والخيانة .. واذا ارتكبت أخطاء أثناء تاليتها لواجبها فانها كانت ستدفع ثمنا لايقاس لو تلكأت او تعثرت بحسم الامر .. وذنب جميع الابرياء الذين سقطوا سيبقى في رقبة الاخوان المسلمين .. الذين كانوا دوما الفئة الباغية .. وما دخلوا مدينة الا أفسدوها ..

الاخوان سيخرجون من كل المدن .. وسيخرجون من التاريخ ملعونين مدحورين .. لأنهم فئة ضالة باغية .. ولو اغتسلوا بماء المحيطات .. وناموا في قلب الكعبة .. وشربوا ماء القرآن .. وأكلوا صفحاته بدل الخبز ..

نُشِرت في المقالات | تعليق واحد

من أجل معمر .. سلاما لروحك ياسيف الاسلام

لم اتردد في أن أقول انني كنت دوما معجبا بشجاعة الزعيم الليبي معمر القذافي .. واعتزازه بأصوله الصحراوية .. وأنه جاء من خيمة ولم ينس الخيمة كما نسيها ملوك النفط ..

معمر القذافي الذي جعل ليبيا بحجم افريقيا كلها .. ولعب مع الكبار وكان يحس بثقة بنفسه وايمانه وثقافته .. ورفع من مكانة ليبيا في العالم .. وصار نيلسون مانديلا يتحدث بفضل الزعيم الليبي على حركة التحرر في العالم .. ووقف معمر القذافي في الامم المتحدة وقفته الشهيرة يسخر من هذا الكيان اللقيط الكاريكاتيري المصمم لحكم الشعوب الضعيفة .. وهذا الكيان المسمى الأمم المتحدة كان فعلا آلة جهنمية للاستعمار الحديث ..

وكيف سننسى كيف سخر معمر القذافي من الجامعة العربية والتي ظهرت كأنها حظيرة او زريبة للأغنام والابل .. وتحضر بياناتها قبل الاجتماع لأنها تستوردها من البيت الابيض ومن تل أبيب ..

ومن منا سينسى نبوءاته الخطيرة .. عن العرب .. التي لايجرؤ على قولها الا الفلاسفة العارفون بصيرورة التاريخ .. وأخطر نبوءة قالها وكأنها تتحقق عندما قال: ان هذه الأمة قد جاء أجلها !!! ..

سمى ابنه سيف الاسلام .. لحبه لثقافته ودينه .. فقتله المسلمون وطعنوه في قلبه واسلامه .. ومن يوم غاب القذافي غابت ليبيا ,, ةغاب العرب من افريقيا ومن جنوب اوروبة .. كما غاب العراق .. كما غابت سورية .. فعندما يغيب الزعماء الكبار تغيب مشاريعهم الكبيرة .. ويتنطح الصعاليك للجلوس مكانهم للتصرف كالملوك .. وما هم بملوك بل رعاة ابل وأغنام .. وصغار وجرذان .. فليبيا صارت تحكمها الجرذان .. والجرذان انتشرت في هذا العالم العربي .. وفتكت بكل مالديه من ثروات وقيم وأخلاق .. فالجرذان لاتعلم الاخلاق وليس لها وطن الا اكوام القمامة التي جاءت منها ..

والصعاليك لاتعرف غير فن التصعلك .. أما السيوف فلها سير أخرى .. ففي سيرة سيف الاسلام قصة جيل عربي رومانسي شاب نهض من بين حطام نظريات العالم .. آمن بالوطن وبالانسان العربي .. وأخلص لحلمه .. وظن انه قادر بقوة الاخلاص والصدق ان يقاتل الشر .. ولكن هذا العالم الشرير لايفهم الاحلام الرومانسية .. بل يفهم انك ان لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب .. واياك ان تثق بالذئاب ..

الشعب الليبي كان قد استفاق على الكارثة التي جلبها على نفسه .. وكان كثير من السوريين يتلقون مئات الرسائل من الليبيين تنصحهم الا يصدقوا الاسلاميين والاخوان المسلمين عندما وصلوا الى دمشق يوم الثامن من كانون الاول .. وقال لي ليبيون كثيرون .. نحن من خدعنا العالم بهؤلاء الاسلاميين الخونة ولكننا استفقنا الأن … ولكن كيف انتم تقعون في نفس الخطيئة؟؟ .. نتوسل إليكم الا تعيدوا انتاج الكارثة في سورية ..

ويبدو ان سيف الاسلام كان يمكن ان يكون نواة اليقظة الليبية .. فتقرر القاء الليبيين في الظلام من جديد .. والقضاء على أمل بالنهوض من جديد ..

من أجل زعيم عربي حر .. طموح امن بالقومية العربية .. وامن بالشعوب العربية التي طعنته في ظهره .. ومن أجل الزعيم القذافي واسرة الزعيم القذافي … تحية لروح ابنه سيف الاسلام .. وتعازي لشعب ليبيا الوطني .. ولكل المخلصين لأوطانهم ..

هذه قرابين للحرية .. ومعركتنا مع الاستعمار بدأت منذ بدأ الربيع العبري .. ولن تنتهي الا بأن نحرر أرضنا في كل مكان .. المعركة مستمرة .. ولن تتوقف .. وهيهات منا اليأس .. هناك جيل جديد يستعد .. وسيصل قبل المستقبل ..

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

آراء الكتاب: سقوط النسر السوري – بقلم: الفينيق الأخير

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يسقط نظامٌ فقط.
في ذلك اليوم، سقط النسر السوري.

سقوط النظام حدثٌ سياسيٌّ قابل للتأويل والمراجعة والاختلاف.
أمّا سقوط الجيش، فهو نكبة تاريخية لا تُعوَّض، لأن الجيوش لا تُصنع كل يوم، ولا تُستعاد بسهولة حين تنهار.

الجيش العربي السوري لم يكن مجرّد مؤسسة أمنية، بل كان – للمرة النادرة في تاريخ هذه الجغرافيا – جيشًا من أبناء الأرض نفسها. جيشًا سوريًّا بالمعنى العميق للكلمة، لا تابعًا، ولا وافدًا، ولا مُستعارًا.

لو عدنا ألفي عام إلى الوراء، سنكتشف حقيقة مُقلقة:
سوريا، على امتداد تاريخها الطويل، لم تعرف جيشًا وطنيًا خالصًا إلا في محطتين اثنتين.

الأولى كانت في عهد زنوبيا، حين خرجت تدمر من كونها مدينة إلى أن صارت مشروع دولة، وكان جيشها من أهل البلاد، لا من جيوش الغزاة ولا من مرتزقة الإمبراطوريات.

والثانية جاءت بعد الاستقلال، حين وُلد الجيش السوري الحديث، جيشًا تشكّل من أبناء المدن والقرى، من الساحل والداخل، من الجبل والسهل، يحمل اسم البلاد لا اسم القبيلة ولا اسم العقيدة.

في ما عدا هاتين اللحظتين، لم يكن لسوريا جيشها.
حتى حين كانت دمشق عاصمة الخلافة الأموية، لم يكن الجيش “سوريًا” بالمعنى الوطني للكلمة. كانت نواته من الجزيرة العربية، من قبائل “الفتح”، لا من أسماء البلاد ولا من تاريخها. لم نرَ جنرالات بأسماء سوريا القديمة، ولا قادة من نسيجها الاجتماعي المتعدّد. كانت سوريا مركز حكم، لا مركز تكوين عسكري سيادي.

لهذا، فإن قيمة الجيش السوري الحديث لم تكن في عدده ولا في سلاحه فقط، بل في معناه التاريخي: أنه أول محاولة طويلة الأمد لامتلاك أداة سيادة من داخل المجتمع نفسه.
ضمّ هذا الجيش بين جناحيه، منذ ولادته و حتى سقوطه، كل الأديان و الطوائف و الإثنيات السورية و تعاقب على قيادته سوريون سنة ومسيحيون وعلويون، قاتل فيه آباؤنا و أجدادنا و خدم فيه أبناؤنا و اختلط من خلاله الدم العربي من المحيط إلى الخليج لأول مرة منذ ألف عام في حرب تشرين ١٩٧٣.

ولم يكن هذا الجيش آلةً صمّاء كما صُوِّر لاحقًا. كان، على نحوٍ نادر في المنطقة، جيشًا قارئًا. له مجلّته، وله فكره (مجلة الجيش و مجلة الفكر العسكري)، وله نقاشه حول العقيدة والقيادة والحرب. لم يُدرَّس السلاح وحده في كلياته، بل التاريخ والاستراتيجية وإدارة الصراع الطويل. تخرّج قادته من كليات حربية مرموقة، وتلقّوا دورات في قيادة الجيوش، لا في قيادة الميليشيات. كان جيش دولة يعرف نفسه ويعرف عدوه ويعرف حدوده أيضًا. و هو الجيش الوحيد في المنطقة الذي كان له دائماً عدو استراتيجي واحد رغم تعدد اشتباكاته و معاركه و تحالفاته.
وكان لهذا الجيش اسمٌ ودلالة تتجاوز الجغرافيا.
في زمن الجمهورية العربية المتحدة، لم يكن تابعًا ولا ملحقًا؛ كان يُعرف بـ الجيش الأول، فيما احتفظت مصر باسم الجيش الثاني و الثالث. لم يكن ذلك ترقيمًا إداريًا، بل اعترافًا بوزنٍ فعليٍّ وموقعٍ متقدّم في معادلة القوة الإقليمية. و كان هذا مصدر فخر عروبي لقادة الفكر و الجيش في مصر ذاتها.
نعم، حدثت أخطاء، واستُغلت منظومة الجيش سياسيًا، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنه كان نسرًا سوريًا خالصًا في ذاته: قادة محترفون، بعضهم أخطأ، وبعضهم أُقحم، لكن كثيرين كانوا أبطالًا بالمعنى العسكري الصرف. كان جيشًا يُحسب له حساب، ويُخشى جانبه، لأنه موجود، متماسك، وقادر على القتال الطويل.

بلغ هذا المعنى ذروته بعد السبعينيات، وبعد معركة تشرين تحديدًا. هناك، اكتسب الجيش موقعه في الذاكرة الوطنية، لا بوصفه ذراع سلطة فحسب، بل بوصفه جيش مواجهة مع العدو الصهيوني، مهما اختلفت التقييمات السياسية للنظام الذي حكم باسمه.
حتى في لحظات الجدل والانقسام، بقي الجيش آخر ما يربط فكرة الدولة بالتراب.
حين جاءت الحرب الكونية على سوريا، لم يصمد هذا الجيش أربع عشرة سنة لأنه أقسى، بل لأنه منظومة. واجه قوى عابرة للقارات، مدعومة بمليارات الدولارات، وبأعتى أجهزة الاستخبارات في العالم، وبشبكات تجنيد وتسليح وتضليل لا سابق لها. ومع ذلك، بقي واقفًا؛ يتراجع حين يضطر، ويثبت حين يستطيع، لكنه لم يتفكّك من الداخل. وهذا وحده كافٍ ليُقال إن ما سقط لم يكن ضعيفًا.

وحين سقط، لم يترك فراغًا فقط، بل فتح بابًا واسعًا أمام تصفية منهجية.
ما جرى بعد ذلك لم يكن صدفة.
العدو الصهيوني نفّذ أكبر حملة جوية في تاريخه ضد ما تبقّى من عتاد الجيش السوري، لا انتقامًا، بل استباقًا للمستقبل. الهدف كان واضحًا: ألّا تقوم لهذه البلاد قوة عسكرية نظامية لعقود قادمة، وأن تُؤمَّن الجبهتان الشرقية والشمالية لهذا الكيان بلا تكلفة بشرية.

لم يكن القصف ردًّا، بل إعلان نهاية.
وما جاء بعد الجيش لم يكن بديلًا له، لا في التكوين، ولا في العقيدة، ولا في التاريخ.
المجموعات التي مُنحت اسم “جيش جديد” لم تتشكّل من مسار وطني طويل، ولم تُبنَ على فكرة الدولة، بل جاءت من مسارات جهادية عابرة للحدود، أُعيد تدويرها، وتغيير أسمائها، ودمجها في بنية تُشبه الدولة شكليًا، لكنها لا تحمل ذاكرتها.
الفرق بين جيش ودولة، وبين تشكيل مسلّح وسلطة، هو الفرق بين ما يُهاب لأنه قوي، وما يُقبَل لأنه نافع للآخرين.
ما تشكّل بعد سقوط الجيش السوري ليس كما يكره أعداء سوريا، بل – وهذا أخطر للأسف– كما يحبّون. شبه قوة بلا عقيدة وطنية، بلا جذور تاريخية، بلا قدرة على التحوّل إلى مشروع سيادي مستقل.

أخطر ما بعد التدمير ليس الفراغ، بل تشويه الذاكرة. لأن الجيوش قد تُهزم، لكن لا يجوز أن تُمحى مكانتها، ولا أن يُعاد تعريفها بأثر رجعي وفق سرديات المنتصرين أو الكارهين. لا يحقّ لأحد، حتى باسم النقد، أن ينزع عن هذا الجيش صفته بوصفه آخر جيش وطني سوري تشكّل من أبناء البلاد نفسها، وامتلك فكرًا وعقيدة وتاريخًا، ولو كان مختلفًا عليه.

لهذا، فإن الثامن من كانون الأول 2024 لم يكن يوم تغيير سلطة، بل يوم انكسار فكرة.

سقوط النسر السوري لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة انقطاع في السلسلة التاريخية الطويلة التي حاولت فيها هذه الأرض، مرارًا، أن تمتلك جناحيها.

وما لم يُفهم هذا السقوط على حقيقته، ستبقى البلاد تطير بأجنحة غيرها… أو لا تطير أصلًا.

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

احتقار العقل السني .. مبعوث يوم القيامة الوزير حمال الحطب .. اعادة انتاج (أبو لهب)

عندما تريد ان تحتقر العقل فما عليك الا ان تقوم بفعل يدل على ازدرائك له واصرارك على ان تعامله بغباء .. لذلك تجد الفرق بين الطريقة البريطانية الذكية في مخاطبة العقل السني والعقل الاسلامي من خلال المقاربة الاعلامية للمشروع الاسلامي المتطرف .. فيما ترى ان العقل السني يحتقر نفسه ويعامل جمهوره بطريقة الاغنام السارحة التي يضحك علبيها ببعض الشعير والبرسيم ..

العقل البريطاني العبقري في مخاطبة العقل السني جاء بعزمي بشارة الجاسوس الاسرائيلي وجعله محاضرا في الاسلام وأستاذا للاسلاميين وأدار لهم محطة الجزيرة الاخوانية .. بل ووصف لهم ابن تيمية على انه ثائر ومفكر ثوري .. وكاد ان يقول انه غيفارا المسلمين .. وكان بدهاء يلقي الطعم في أفواههم كي يقولوا ان المسيحي العربي بنفسه يبدي اعجابه بهذا الموتور ابن تيمية الذي لاحل لديه في الحياة عندما يختلف مع الآخر سوى احلال دمه .. ولو كان موجودا في فتح مكة لاباد الجميع وكفّر النبي لأن حكاية (انتم الطلقاء) فكرة لاتفيد الاسلام .. بل اعدامهم جميعا ولاتقبل توبة أحدهم ولو دخل الكعبة ..

العقل البريطاني ذكي الى درجة انه عندما أجرى لقاء مع الجولاني بعد ايصاله الى دمشق على الدراجات النارية فوجئت بتفصيلة خبيثة وهي ان المترجم الذي ينقل للجمهور الغربي أجوبة الجولاني في بعض المحطات الانكليزية كان مترجما يتكلم انكليزية هادئة جدا ووقورة جدا وكأنه عجوز حكيم يعترف للناس انه في ايام الشباب كان نهجه غير حصيف لبى حد يكاد يكون طائشا ولكنه طيش الشباب الذي رحل وحل محله الرئيس الذي يتعطر ويلبس الساعات الفاخرة .. كان صوت المترجم الانكليزي الشيخ الوقور مدربا جدا على ان لايترجم فقط الكلام بطريقة جامدة كما اعتدنا مع مترجمي المحطات العربية حيث ان صوت المترجم نشاز ويتحدث بطريقة السكب للترجمة بنغمة واحدة وسريعة ودون تموجات الانفعال .. في حين ان المترجم الانكليزي كان كأنه يمثل دور الواعظ الشيخ ويتوقف ويلتقط انفاسه ويتهدج صوته .. ويخفت او يرتفع بحسب معنى وشحنة العبارة .. لدرجة ان كل من كان يستمع للترجمة ويرى صورة الجولاني كان يحس ان هذا الشاب الملتحي حكيم جدا ووقور جدا وانه فعلا تاب وعاد الى رشده وانه نادم على مافعل .. ويستحق ان يعطى الفرصة ..

من تلك المقابلة عرفت ان الفريق الاعلامي البريطاني الذي يفصل كل حركة للجولاني يريده ان ينجح غربيا بأي طريقة لأنه مشروع غربي .. والمشاريع الغربية تعتمد على التأثير النفسي والسيكولوجي على الخصم اما ترهيبا (الصدمة والروع) او الترغيب والألفة والتقريب النفسي .. ولذلك كنت ألاحظ ان المتحدثين باسم الجيش الاسرائيلي في وسائل الاعلام الغربية كلهم ناطقون باللغات المحلية الغربية لدرجة ان من يسمعهم يظن انهم انكليز او اميريكون او فرنسيون .. وهذا التأثير النفسي له أثر بالغ في ان يتقبله الفرد الغربي في بلده لأنه يحس ان ابن بلده يحدثه بثقافته ولغته ولكنته .. فيما المتحدثون السوريون او العرب يتحدثون بطريقة ثقيلة باللغات الاجنبية مما يخلق حاجزا نفسيا وثقافيا مع الجواب ..

وطبعا بدا البريطانيون يجندون متحدثين من الاخوان المسلمين الناطقين بالانكليزية من هذا الباب مثل الاخوانية سالي شوبط التي تشبه فلسفتها فلسفة جيش الدفاع الاسرائيلي .. ناطقة بلغة محلية انكليزية وتبرر القتنل والجريمة وتصور الاسد على انه كان يسعى لتفتيت البلاد ولكن (ابو محمااااد) جمع شتات السوريين ووحدهم تحت مظلة الوحدة الوطنية .. ولم يستعمل السكين ولا الذبح بل … الحب !!!

المهم في هذا المشهد الذي يتحدث الى الجمهور الغربي والمتلقي الغربي هناك احترام شديد لعقله .. وتخشى ان ينتبه الى انه يخدع .. ولذلك ورغم ان القضية التي يقدمها الاعلام الغربي في تسويق الاسلاميين ودفعهم في حلق الاوروبي قضية تضليل متعمد فانها تقدم السم في العسل .. ويصر الاعلام الغربي على ان لايظهر للعقل الغربي انه لايبالي به وأنه سيدفع بالقيح في حلوقهم وان كرهوا .. بل يعتني عناية فائقة بأن يحس العقل الغربي انه لايستهان به ولايهان ..

وبالمقابل فان احتقار العقل العربي وخاصة السني فانه يظهر في تصريحات مبتذلة وتافهة وصغيرة من قبل مسؤولي الجولاني الذين يكذبون بشكل فاجر وعلنا ويحتقرونك علنا .. ولايعترفون الا ان العصافير تزقزق .. ويمكنك ان تستمع للناطقين الاعلاميين او لغرّة الزمان موشيه العمر او جميل حاييم الحسن حتى تعرف كم الاحتقار الذي يعامل به العقل السني لأن هذه الاشكال لاتصلح حتى ان تخاطب الدجاج ولا ان تخاطب الدواب بالطريقة الشعبوية الرخيصة التي يتوجهون بها الى الناس .. وصار هناك فقس من الاعلاميين الصغار الذين ينتقلون على الجبهات ويقابلون الناس والمقاتلين ولكنهم يهينون العقل ويحتقرون الدين وهم يصورون مايحدث على انه عبقرية سيساسية وعسكرية رغم ان القاصي والداني وحتى طرزان في الغابات صار يعرف ان مايحدث في سورية ليس ثورة ولا انتصارا بل حربا دولية وتفاهمات دولية .. ويكفي ان يستمع احدنا الى حقان فيدان الذي قال صراحة ان الجولاني استمع الى شروط التوظيف وشروط المهمة التي وكل بها .. من قبل اربعة دول ووافق .. اي انه موظف باتفاق رباعي .. وانه وصل بالفعل على الدراجات النارية .. ومع هذا يتم تصويره محليا على انه رومل ثعلب الصحراء الذي ناور بآلاف الدبابات الالمانية في الصحراء .. أو أنه مونتغمري قاهر رومل ..

لكن يبقى مبعوث يوم القيامة وزير الثقافة هو أغبى الناس .. والشخص الذي يمثل احتقار العقل السني الذي يبدو انه لازال عقلا طفوليا .. ويضحك عليه الباعة الجوالون .. فمرة يبيع للناس فكرة ان الحكم باق الى يوم القيامة .. وفي هذه الفكرة احتقار للدين نفسه وكأن النبي نفسه فشل في أن يبقى الى يوم القيامة وفشل عمر وفشل معاوية في أن يبقى الى يوم القيامة .. فقط الجولاني وموشيه العمر وهند قبوات .. اختصهم اللله بمشروعه للبقاء الى يوم القيامة في دمشق …

لكن أخر صيحة من صيحاته هي انه قام بتمثيلية حمل الاحطاب الى مخيمات النازحين .. وجلب معه فريق التصوير وهو يقول للناس (شوفوني وأنا احمل الحطب.. مثل سيدنا عمر الذي حمل أكياس الطحين للجياع ليلا) وطبعا حاول ان يظهر المشهد وكانه نسخة عن قصة عمر … ففي قصة عمر الخليفة الفاروق يرى اما تطبخ الحصى لابنائها الجياع كي توهمهم انهم سيأكلون .. فما كان من عمر الا ان حمل كيسا من الطعام او الدقيق وجاء به للأم لتطعم أطفالها .. وكنا نفرح في طفولتنا والقصة تصور لنا الاطفال يأكلون بعد جوع طويل كفرحتنا البريئة لأن الذئب يموت في قصة ليلى وتنتصر ليلى على الذئب وتخرج جدتها من بطن الذئب ..

أما عمر قصتنا (مبعوث يوم القيامة) فقد طلب من كتاب السيرة ان يصوروه وهو يحمل كيس الحطب .. ويسير به مسافة طويلة والكاميرات تلاحقه والدعوات تحيط به .. ووصل الى خيمة الأم الفقيرة .. ووضع الكيس وكأنه عمر بن الخطاب .. ويشبه منظره مشهد عادل امام وهو يقوا للأنسة سهير البابلي (شفتيني وأنا ميت؟؟ أجنن وانا ميت) ..

طبعا احتقار العقل السني يبدو جليا في أنه يحكي له كالطفل عن الفاروق الجديد في القرن العشرين .. قرن الذكاء الصناعي .. وقرن الابتكارات العملاقة وقرن الفيمتو .. يضحك عليه بمشهد قصصي من ذاكرة الاطفال .. ولايكلف نفسه عناء سؤال هذا العقل السني الطفل ان كان من الاجدى ان يوفر ثمن رحلته ومواكبه ومرافقيه وسياراته ومحروقاته بل ان البوط الرياضي الذي ينتعله الوزير يساوي في قيمته مئة كيس حطب .. وبدل حملة الحطب يعطي المرأة ثمن تلك الرحلة الاستعراضية كي يوصل لها بعض قطع الحطب التي لاتساوي دولارين .. من أجل صورة (عمر) ..

الحقيقة هذا العنف في التحقير للعقل السني لامثيل له والتعامل معه على انه عقل طفل يحب قصص ليلى والذئب وحكاية من الصحراء عمرها 15 قرنا .. ويدل على ان العقل السني في محنة حقيقية لأن من يجب ان يمثله لايحترمه ولاينظر اليه على انه عقل جدير بأن ينال حقه من المعاملة كعقل ناضج لايجب ان يخضع بعد اليوم لهذه المهازل والتمثيليات وهذه الاسقاطات الغبية .. وانه جدير بأن يعامل فوق عقول الأغنام .. ولايجب لن يبقى رهينة في أيدي شيوخ وقصص الشيوخ والجهل ..

اذا كان مبعوث يوم القيامة يريد ان يتمثل صورة تراثية فانني رأيته بكل صدق أنه يمثل أبا لهب .. الذي كانت امرأته حمالة الحطب .. فصار وزير ثقافتنا بنغسه حمالة الحطب .. لأنه مثل حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد كان يضع حطباته في وجه التطور العقلي والذهني والروحي والحضاري للعقل السني ويريد ان يمنعه من ان يتقدم ويبحث ويتطور وأن يبقيه اسير القصص الطفولية .. والحقيقة هو ان كل من في هذه التشكيلة الحقيرة للحكم الحالي حمالو حطب .. وحمالات حطب .. كلهم وكلهن مثل وزير الثقافة ومثل هند قبوات وجهاد مقدسي والسيباني ويعرب بدر .. وغيرهم كثير ممن يوقودون النار .. ويحشدون الحطب وبنقلون الحطب للعقول وللقلوب .. لتشتعل العقول بالجهل .. والجاهلية ..

ثكلتك أمك يامبعوث يوم القيامة على هذا العار والاحتقار ..

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

مقال جدير بالقراءة: لم تعد سوريا كما كانت – بقلم: الاستاذ سامح عسكر* (مصر)

دعونا نتكلم بوضوح

ما يسمى الجيش السوري الجديد ليس جيشا وطنيا، بل جيش طائفي مذهبي سني عربي لا يتواجد به (مسيحيون – دروز – علويون – إسماعيليون – إثنى عشرية – أكراد) وهم الطيف الذي يمثل 40% من سكان سوريا تقريبا.

هذا الجيش السوري الجديد هو خليط من مئات الميليشيات الجهادية، والفصائل الموالية لتركيا، والقبائل العربية، والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة والإخوان المسلمين، والمقاتلين الأجانب، ومعظمهم من آسيا الوسطى.

وزير الأوقاف السوري تكفيري جهادي أصدر بيانا كفر فيه الأكراد وأباح دمائهم ووصف عمليات الجيش السوري هناك (بالفتوحات) وهو تسمية جهادية لمعاركهم تيمنا بحروب الصحابة في القرن 7 م

هذا تفسير لمعارك هذا الجيش الطائفية حاليا ضد الأقليات الدينية والعرقية

نتيجة سعت إليها الدول الخليجية التي أشعلت ثورة #سوريا المسلحة، وكانت على وشك تكرار نفس الشئ في #العراق لولا انتفاضة الأغلبية الشيعية الدينية المعروفة بفتوى “الجهاد الكفائي”

يعتمد الجولاني الآن على تجنيد أبناء القبائل العربية البدوية لتشكيل الجيش الجديد بعد توقف (تجنيد الأجانب) و خروج (الأقليات) من الجيش القديم.

الفصائل الموالية لتركيا هي التي تحكم هذا الجيش السوري الجديد ولا تخرج عن طوع وزارة الدفاع التركية وحماية أردوغان

سوريا هي بذرة توسعية لامبراطورية عثمانية جديدة تجمع بين (الخلافة الدينية) و (القومية الطورانية) وهي تهدف للوصول إلى حكم شمال العراق وغرب #ايران ولبنان و #مصر والأردن.

كانت إسرائيل عقبة أمام هذا التوسع يجري حاليا تحييدها باتفاق أمني وتطبيع شامل بين الجولاني ونتنياهو، وسينفذ النظام السوري كل طلبات إسرائيل من التنازل عن الجولان وجبل الشيخ وحكم ذاتي للسويداء وتحويل جنوب سوريا لمنطقة منزوعة السلاح.

جيش الخلافة العثمانية الجديد – السوري سابقا – يسعى حاليا للتخلص من الأكراد، والقضاء تماما على أي قوة عسكرية لهم، ولأن الكورد كانوا مدعومين أمريكيا تم شراء ترامب ببيع النفط السوري شرق الفرات، وسيطرة الشركات الأمريكية على هذا النفط بديلا عن شركات التحالف الدولي.

نجحت تركيا في تحييد إسرائيل وأمريكا أكبر قوتين يمنعان أحلامهم بالسيطرة على كامل التراب السوري.

الاتفاق الثلاثي بين (تركيا – إسرائيل – أمريكا ) نجح في إقناع العراق باستقبال مساجين داعش بديلا عن سوريا، تمهيدا لضرب العراق من الداخل وتهريبهم في حال قاوم العراقيون المد العثماني الطوراني القادم، وسيتم استقبال هؤلاء الدواعش في محافظات الوسط والجنوب معقل الطائفة الشيعية الأغلبية.

الشرق الأوسط يعود تدريجيا لأجواء عام 2011 وحروب العصابات الجهادية والمجازر الدينية والقومية، ولم يتكيف الجيش السوري الجديد مع متطلبات العصر الحديث كالمواطنة وحقوق الإنسان، ولا زال عناصره يعيشون في العصور الوسطى تحت وطأة الشريعة الإسلامية وأحلام دولة الخلافة.

ترامب كارثة على الشرق الأوسط لأنه سمح بسياساته الحمقاء العودة لنقطة الصفر، وإرجاع سوريا والمنطقة إلى الخلف، ولا زال بعض العرب يدعم هذا التحول الكارثي لسوريا انتقاما من فقط إيران ولا يدركون عواقب هذا التحول على الأمن القومي العربي..

سوريا حاليا دولة فاقدة السيادة، ذراع تركي عثماني، منهوبة نفطها، جنوبها ملك لإسرائيل، شعبها منقسم طائفيا وعرقيا، دستورها وقوانينها مذهبية، السيادة فيها للعرب السنة حصريا، والسلفيون بالخصوص ويجري استبعاد من يؤمن بأفكار علمانية أو صوفية، وشيئا فشيئا تتحول الدولة لكيان جهادي توسعي خطير على الجيران.

أما الأقليات السورية التي هي أكبر الخاسرين مما يحدث، فهي تعيش محنة عظيمة نتيجة اجتماع قوى إقليمية ودولية ضدها لها مصالح مع تركيا وعصابات الجولاني الحاكمة، وليس لديها خيار سوى الصمت والتقية مؤقتا لحين تبدل الأوضاع وعودة الدولة لطابعها المدني.

أما النظام السوري الجديد فعوامل فناءه موجودة بداخله

فهو كيان سياسي لا يؤمن بالتسامح الديني والعرقي، ولا يترجم ذلك بقوانين عملية وسياسات راشدة توفر نوعا من الهدوء، ووفقا للمادية الجدلية تلك العوامل تتحول لنقاط اشتعال سريعة، وبؤر توتر لا تهدأ، وعند كل لحظة اشتعال لها تخسر حليفا أو صديقا، والأهم أنها تعطي فرصة لخصوم متربصين ينتظرون لحظة الانقضاض..

================================

*الأستاذ سامح عسكر كاتب المقال كاتب مصري متخصص في التاريخ والفلسفة وحقوق الإنسان

نقلا عن صفحة الاستاذ رفيق لطف

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

ايها السوري فواتيرك هي ديون الثورة وستسددها أنت وأحفادك .. سذاجة الثوار: ستبيعون حتى صلاتكم في السوق

لاتزول من ذاكرتي كلمات ذلك الرجل من مدينة درعا الذي كان يقول لي في بداية الأحداث أن الثوار لن يتوقفوا حتى النصر واسقاط النظام .. كان ذلك نهاية عام 2011 على ما أذكر .. ويومها قلت له ولكن لاتملك أنت الحق في أن تأخذ البلاد الى الهلاك والدمار لأنك غاضب .. نحن أيضا لنا حصة في البلد ولست أنت فقط من يملكها ليقرر مصيرها .. وسكان دمشق وحلب لم يستشرهم أحد في الثورة ولانريد ان ندمر بلادنا في قضية لاتحتاج خرابا .. وكذلك باقي السوريين لم يستشرهم أحد وأنت تتحدث باسمهم .. فلماذا تصرعلى مصادرة رأينا وحقنا في أن نحمي البلاد من الدمار؟؟ .. ثم ذكرته بما آلت اليه ليبيا من دمار .. فما كان منه الا ان نظر بعينين حمراوين يقدح منهما الشرر و الغباء المطلق .. وقال لي سنجعل سورية عشرين ليبيا .. ولن نكترث .. المهم أن تنتصر الثورة !!.. وهنا سألته بهدوء قائلا: ومن الذي سيبني بلادا مدمرة ؟؟ وكم من السنين سنحتاج لبناء بلدنا اذا دمر .. فقال بكل ثقة: العرب .. والخليج سيدفع لنا كل فلس وسيبنيها لنا ..

وهنا تذكرت كيف أن صدام حسين فعل نفس الشيء و وثق بالعرب و الخليج كما صدق معتوهو الثورة وعود العرب .. فقد حارب الرئيس صدام حسين عن العرب و الخلايجة في مشروع سماه القادسية .. وكانت دول الخليج تنفق بسخاء لاحدود له .. وكانت المساجد في الخليج تجمع التبرعات للعراق .. وكانت الخزائن الحكومية وصناديق تلك الدول وموازناتها مفتوحة للحرب المقدسة .. ناهيك عن مئات الصحفيين والاعلاميين والكتاب الذين تم تجنيدهم لتصوير معركة القادسية العراقية على أنها معركة الأمة والبوابة الشرقية ضد ايران الفارسية المجوسية ..التي يتصدى لها حارس البوابة الشرقية .. صدام حسين .. فيما كانت بواباتنا الجنوبية في فلسطين مخلوعة وبلا اي باب .. ولكن البوابة الشرقية كانت تساوي كل بوابات العالم في نظر العرب ..

وفقد العراق مليونا من ابنائه بين شهيد وجريح ومعوق ومفقود ومجنون .. وعندما انتهت الحرب عاد الجنود العراقيون الى المقاهي والوظائف ووجدوا بلادهم فقيرة .. وقد انفقت كل مالها في الحرب وصار العراقيون يبحثون عن الحلول والتعافي الاقتصادي .. وفوجئ صدام حسين ان الخلايجة بعد الحرب وبدل ان يعينوه على تعويض خسائرة الاقتصادية الهائلة عمدوا الى اغراق أسواق النفط بالنفط .. فهبط سعر برميل النفط هبوطا حادا وصار يباع بأقل من عشرة دولارات وأحيانا بسبعة دولارات بعد ان كان يقدر له ان يصل الى قرابة ستين دولارا .. وصار بعض الكويتيين يرسلون زعرانهم الى المقاهي العراقية ويحاولون اذلال العراقيين بأموالهم .. ووصلت الى مسامع صدام حسين ان الكويتيين صاروا يتندرون على النساء العراقيات (الماجدات) ويقولون ساخرين ان سعر الماجدة العراقية سيهبط الى سعر برميل نفط وأقل وانهم سيشترون اغلى امرأة في العراق بعشرة دولارات .. وقد أوصل الناس هذه الاهانات للرئيس العراقي .. فاتصل صدام حسين بـ(أخوته العرب) السنة الذين قاتل عنهم في القادسية .. وقال لهم غاضبا وعاتبا عبر مبعوثه للسملك السعودي: ان العراق دفع من دم أبنائه لحماية العرب والبوابة الشرقية .. فلماذا يتآمرون عليه؟ ولماذا يدمرون أسعار النفط فيما العراق أحرج مايكون لميزانية اعادة بناء قوية .. واذا كان للعرب من شرف فعليهم أن يدفعوا للعراق مساهمات مجانية لاعادة اعماره ردا للجميل .. ؟؟ فماذا كان الجواب لطلب الرئيس العراقي؟

أتى الجواب للرئيس العراقي لاحقا عبر قنوات خليجية بأن صدام انما خاض القادسية بأموال العرب وصار بطلا بسب أموالهم وعليه الآن هو أن يسدد تلك الديون .. فما دفع له ليس منحة أو هبات بل هي ديون مستحقة .. وعليه ان يشكر دول الخليج انها أعطته من مال أبنائها .. واذا كان لديه شرف فعليه ان يعيد مااستدانه منهم وأن يشكرهم انهم ساندوه بكل مالديهم كيلا يسقط جيشه؟

وبقية العراك العربي العربي تعرفونه.. فقد دخل صدام حسين الى الكويت وقرر هدم هذه الممالك بدءا من الكويت .. وكان يدخل الفخ الذي نصبه له الخلايجة منذ الطلقة الأولى التي أطلقها في (القادسية) .. وانتهت الحكاية السنية السنية في نيسان عام 2003 .. وكتب الفصل الاخير فيها باعدام الرئيس صدام حسين السني الذي تأمرت عليه الدول السنية رغم انه كان يقاتل لهم النظام الشيعي الصفوي المجوسي وفق تعبيراتهم .. وأخذ الجميع كل ديونه من العراقيين .. ويقال لأنه الى اليوم لايزال العراق يسدد هذه الديون ..

اليوم يتكرر نفس المشهد والخديعة والوهم مع السوريين .. فلايزال السوريون غير مصدقين كيف انهم وبعد عام كامل من (التحرير) لايزالون لم يلعقوا من ملعقة العسل الاقتصادي الذي وعدوا به .. ولايزوال ذلك الدرعاوي ينتظر ان تصل أموال الخليج لاعمار ماخربه هو .. فالملعقة تنزل في الخزينة السورية وفي جرة العسل السوري وترفع لتلعقها جهات أخرى والسنة الدول المحيطة .. تركيا تلعق وقطر تلعق والخليج يريد ان يحصل على حصة في المرافق الحيوية لابتلاعها ..

ومنذ اسبوعين عندما نقلت استغرابي لشخصية خليجية ثرية أعرف انها على علاقات وثيقة بالأسر الحاكمة في الخليج كان رده باردا جدا وفي منتهى الهدوء .. وتذكرت ما تلقاه صدام حسين من رد بارد خليجي بعد الحرب .. اذا قال الثري الخليجي:

ياسيد .. عليكم انتم وبقية العرب ان تعلموا منذ اليوم ان دول الخليج ليست جمعيات خيرية .. نحن دفعنا أموالا طائلة لنصرة الشعب السوري .. وهذا زمن تسديد الديون .. نحن دفعنا في آخر مرة لترامب أموالا هائلة لرفع قانون قيصر عنكم .. فهل تعتقدون اننا دول نتبرع لكم ولمصالحكم بمالنا دون مقابل ؟ وأضاف: على السوريين ان يشكرونا اننا نحن من ساندهم وأعطيناهم وآويناهم وأنفقنا على المعارضة وكل رصاصة كانت تصل كانت تدفع من أموالنا وأموال أبنائنا .. وكل مجاهد لمؤازرتكم كان يصل اليكم كنا ننفق عليه وعلى عائلته .. واليوم تحررت سورية والحمد لله. ونحن نريد استرداد مادفعناه .. لذلك على اخوتنا السوريين ان لايفكروا انهم سيرتاحون ماليا قبل عشرين أو ثلاثين سنة .. يعني ربما يسدد هذه الديون احفادكم ..

وسألته هنا .. وكيف سنسدد؟ قال نحن نستملك كل المرافق الحيوية والمنشآت السورية اعقود من الزمن .. وهناك ثروات في بلادكم ستحصل عليها دول بعينها مثل الولايات المتحدة وتركيا .. وهذه الدول ستسترد اموالها وحصصها من استثمار الثروات الباطنية والزراعية وفواتير الكهرباء والطبابة والتعليم والحوالات والصيرفة وستظهر مؤسسات تخضع للرقابة الدولية مهمتها تسديد أقساط الثورة عبر منح صناديق لهذ الدول ..

قلت له ولكن الثورة السورية قدمت لكم هدية ثمينة وهي اخراج ايران من سورية كما يقولون ومحاصرة حزب الله والهلال الشيعي وفق أدبياتكم .. فقال لي وبكل صراحة مبتسما: هذه شعارات لشحن الثوار .. ولكن في النهاية ستكونون في غاية السذاجة ان تخيلتكم اننا سنضع أموالنا في براميل لا قعر لها .. وضحك بطريقة أغمضت عينيه الصغيرتين .. وقال: انتم تحررتم من البراميل ولكن لن نملأ براميلكم بالمال .. انت تعلم ان الحروب في أحد اوجهها حروب اقتصادية .. والغرب يدمر البلدان من اجل ان تعيد شركاته بناءها .. يعني العراق دمرته الولايات المتحدة وبريطانيا .. ولكن عقود اعادة الاعمار والخدمات في غالبها لشركات امريكية وبريطانية .. وسورية ستكون كذلك .. ولذلك على كل فرد سوري يولد الان ان يعرف انه (مديون) للسنوات الثلاثين القادمة .. اي كل طفل سوري قبل ان يولد (مديون) لنا وللشركات الغربية .. ولن تروا انتعاشا حقيقيا قبل ثلاثين سنة .. وربما يستغرق الامر خمسين سنة .. اما قصة اننا ندفع لكم مجانا فهذه خرافة .. حتى الانكليز دفعوا للولايات المتحدة ديون الحرب العالمية الاولى وبقيت بريطانيا تسدد ديونها حتى مطلع التسعينات من القرن الماضي .. فكل طلقة وكل وجبة جندي اميريكي كانت تسجل ديونا على بريطانيا التي لولا اميريكا لكانت اليوم تتكلم الالمانية .. وسورية اليوم بسببنا لن تتكلم الفارسية … فقلت .. لكن من يصير (مديونا) لايهمه بأي لغة يتكلم .. وسيتكلم بلغة الدائن .. وابتسم وقال .. لذلك ربما ستتكلمون التركية .. وربما .. العبرية .. هذا لايهمنا .. هذا شأنكم .. ولكن مايهمنا ان نسترد ديوننا ..

طبعا هذا الكلام يعني ان عملية تدمير المنشأت الحيوية كانت شيئا في المخطط الاقتصادي .. فتدمير محطة زيزون الحرارية وغيرها مثلا وكل محطات الكهربكان بقصد خلق أزمة كهرباء .. لخلق فراغ يسمح للشركات التركية ان تملأ الفراغ .. وتقوم الشركات التركية باسترداد ماتدعي انها دفعته من دعم للشعب السوري واستقباله فهي تسترد ديونها من جيوب الشعب السوري عبر مشاريع استثمار الشركات التركية في قطاع الطعرباء والصحة والتحويل المصرفي ..

باختصار .. لاتصدقوا اوهام ان اموالكم لكم وانكم ستعيشون في بحبوحة .. واسألوا الشعب الليبي .. والعراقيين .. الذين لايزالون يدفعون أموال بلادهم للشركات الغربية رغم انتهاء الحرب عام 2003 ..

أيها السوريون استعدوا منذ اليوم لتتعايشوا مع فكرة أنكم تدفعون اليوم ديون الثوار وثمن جلب المهاجرين والرصاص الذي دفع لكم .. وعلى كل مولود سوري جديد ان يعرف انه ولد مدينا لمدة ثلاثين الى خمسين سنة .. لتسديد فواتير الثورة (الغبية) التي كانت فخا مثل قادسية صدام .. ثورة من أجل لحية الرئيس وحجاب زوجته .. ومن اجل ان تصلي أنت في نفس الجامع الذي كنت تصلي فيه ويصلي فيه أبوك .. وستصلي نفس الصلاة .. ولكن في الماضي كنت سيدا مالكا في وطنك .. واليوم أنت تصلي في وطن لاتملك منه شيئا .. حتى الصلاة .. ستؤخذ منك .. وسيبيعها التجار للتجار .. ففي الفقر تباع الأديان .. وتباع الاوطان .. وتباع العفة .. وتباع الصلوات ..

انها ثورة المغفلين الحمقى الذين قاتلوا واستماتوا من اجل ان يعيشوا فقراء .. ويعيشوا عبيدا .. ومدينين بكل مالديهم من مال .. وأن ينجبوا أبناءهم ليعيشوا فقط لتسديد ديون آبائهم .. وكانوا أعزة أسيادا أحرارا .. وأبناءهم يولدون أحرارا .. فأوهمهم التجار انهم مقيدون بسلاسل الذهب في أعناقهم .. والافضل تحويلها الى أصفاد الدين في معاصمهم .. واليوم تكبلهم الاصفاد التركية والاسرائيلية والامريكية .. وكل من يريد أن يشتري عبيدا له حصة في الأصفاد التي تلتف حول معاصم السوريين بسرعة .. فقد وقع العبد في الشبكة ويجب ان نقيده قبل ان يستفيق ..

مدوا ايديكم جميعا أيها السوريون .. فهناك اصفاد لاعد لها ولاعدد .. وأيديكم تختفي تحتها وتنزف .. وارفع فاتورتك فوووووق .. انت سوري حر

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق