
لم تعد الحكاية هي حكاية مدينتين للكاتب الانكليزي تشارلز ديكنز .. بل هي حكايتنا نحن عن اغتيال مدينتين .. بل أهم مدينتين في الشرق القديم .. دمشق وحلب .. فالقرارات التي يتم اتخاذها ستعني ان هناك عملية ابادة سكانية بطريقة الذبح الناعم .. فالتغييرات السكانية تتم بشكل غريب .. فهناك هجرة من جهاديي العالم اليهما .. وهناك هجرة من الشرق السوري نحو دمشق التي صارت هويتها ليست دمشقية بل يطبع عليها الطابع البدوي .. وقرارات الوقف العثماني تعني ان هناك محاولة لتهجير السكان بطريقة قانونية .. وتغيير وجرف الطبقة التجارية القديمة المتجذرة واقتلاعها لخلق طبقة جديدة مستفيدة ستدافع عن مكاسبها الجديدة وتكون درعا للاحتلال التركي وغيره لانها طبقة “حديثة نعمة” وطفيلية وستحصل على ثروات هائلة بطريقة سهلة جدا ..
مايحدث يشبه عملية تهويد فلسطين بتغيير هويتها السكانية .. ولافرق بين الذين في تل ابيب وبين الذين في استانبول .. فكلاهما عاصمته سرقها من أمة أخرى .. وكلاهما يدعي ملكيته للأرض السورية .. ففي تل ابيب مقتنعون ان الله كان تاجر عقارات وقد أعطاهم من الفرات الى النيل .. وفي تركيا يعتبرون ان التاريخ بدأ مع السلطان سليم وانه لذلك يملك هذه الارض وماعليها .. فلافرق بينه وبين يهوه .. اي اننا بين كماشتي عقلين استيطانيين احلاليين عنصريين ..
لو كان اعدائي يكرهونني كرهه للشيطان لما فعلوا اكثر مما يفعلون .. انهم وبكل وقاحة يغتالون المدن السورية علنا .. ودون خجل .. ويسرقون الناس علنا وجهارا نهارا .. حتى نتنياهو لم يفعل بغزة مايفعله الانكشاريون الجدد ..
لطالما تساءلت عن هوية صاحب النصيحة بالوقف العثماني التي لحقت نصائح سابقة بالاستيلاء على أراضي الاصلاح الزراعي واستعادتها لاعادتها لاصحابها الاقطاعيين .. اي للسيطرة التركية ..
ولكن أمام قرار الوقف العثماني في أهم مدينتين سوريتين في الشرق يتساءل المنطق: من هو صاحب هذه النصيحة والأمر العثماني؟
فكلنا ندرك ان سورية اليوم تخضع للانتداب الثلاثي .. ففي احد فنادق دمشق هناك مكاتب للمخابرات التركية ومكاتب للموساد ومكاتب للبريطانيين.. ولكن سطوة البريطانيين مخيفة فهم الذين رسموا وخططوا ودربوا وهم اصحاب فكرة تسليم الجولاني للسلطة .. وقد اقنعوا الاتراك بالتخلي عن المعارضات العلمانية والقبول بالجولاني طالما انه سيعطيهم حصتهم على داير مليم .. ولكن البريطانيين أذكى من ان يتركوا الجولاني يقع في هذه الورطة وهم من دربه وعلمه كيف يتسلل وكيف يراوغ .. وكيف يناور .. بالكلام … فكيف لهم ان تغيب عنهم فكرة ان الوقف العثماني قضية قد تفجر كل الخطة؟؟
هل الاتراك هم الذين دفعوه بحكم جشعهم ورغبتهم الى حد الهوس بالانتقام من الشعب السوري بسبب مايسمونها الطعنة العربية في الظهر في الحرب العالمية الاولى التي أفضت الى تدمير الامبراطورية العثمانية .. هذا الحقد على العرب ربما هو ماسبب استعجال الاتراك لتدارك ماخسروه في مئة سنة ليستعيدوه في سنتين .. وهم يرون ان الشعب السوري لايزال مخدرا بنشوة نصر مزعوم ووهم التحرير الكبير .. والشعب السوري الان في أضعف حالاته .. وهناك رغية تركية مسعورة للعق الوعاء السوري الى أخر قطرة ..
ولكن لاسرائيل ايضا مصلحتها في اطلاق هذه المبادرات لتغيير معادلة التحكم بسورية عبر تغيير تأثير أهم مدينتين هما دمشق وحلب .. وظهر تأثير المدينيتن اللتين لم تنضما للثورة رغم كل ماقيل .. وظل هذا الوزن الثقيل لهما سببا قويا في صمود الدولة السورية 14 سنة .. فيما كان الدم العلوي مثل الاسمنت الذي أمسك بحجارة البلاد .. وبمجرد رحيل العلويين عن الدور في سورية عبر غيابهم الكلي عن السلطة والجيش تفككت البلاد كلها ..
اسرائيل تعطي لتركيا ماتريد عرفانا لما قدمته لها من مشروع تدمير سورية الذي عجزت عنه اسرائيل .. وكان ارئيل شارون قد خلص الى نتيجة مفادها ان سورية لايمكن تدميرها الا من .. تركيا .. وقد حصل .. ولذلك لاتمانع اسرائيل من تتريك سورية العربية كعلاج لداء العروبة والقومية السورية الناهضة الذي ابتليت به اسرائيل وتسبب لها بالاوجاع من سورية .. لتفقد سورية الارتباط القومي بفلسطين وترتبط بتركيا نفسيا ومعنويا .. وتنسى فلسطين .. وعندها سيتم تفكيك تركيا نفسها .. وتصبح سورية طافية بلا هوية على بركة صراعات الشرق الاوسط ..
في حديث صريح مع أتراك علمانيين ومتنورين سمعت كلاما قد يفسر هذا الاستعجال التركي .. فالاتراك يظنون ان التأخر بهذه الخطوة خطر جدا .. لأن المسلمين السنة السوريين الان وحدهم لأول مرة في تاريخ سورية .. ففي العهد العثماني كان الجميع مسحوقا سنة ومن كل الطوائف السورية .. ولكن عندما دخل الفرنسيون .. قاتل الجميع بالجميع .. وتوحد الشعب السوري لأول مرة في عمل وطني جامع .. وكان المسلمون السنة دوما يستعينون بالاقليات في اي مواجهة مع عدو خارجي .. ولكنهم اليوم مجردون من الاقليات تماما .. فالكل خارج المعادلة .. العلويون والدروز والمسيحيون والكرد .. وهم يشكلون 40% من السكان ان لم نقل 50% بسبب تركز هجرة السوريين بين أهل السنة .. وهذه الهجرات قللت نسبتهم .. ويبدو ان الأتراك لايريدون للسنة ان يتزايدوا في هاتين المدينتين .. فلذلك تتراجع الخدمات الى حد ان البعض يرى انها عملية ابادة وحرب بالتجويع وحرب تهجير وحرب جرثومية بنشر الامراض وتدمير القطاع الصحي او بالسيطرة عليه فلايقدر السوريون الفقراء على تلقي العلاج .. فيموتون او يهاجرون .. ليتم اسكان جماعات مهاجرة بالتدريج تحس انها مضطرة لللبحث عن الظهير التركي امام أكثرية سورية..
هذا الافراغ التدريجي للمدينتين من أهم عناصرهما السكانية وخاصة التجارية سيخلق طبقة جديدة موالية للاتراك يصعب اقتلاعها بعد اليوم .. حتى اذا ارادت اسرائيل ذلك .. ولكن فيما اسرائيل وتركيا تتبادلان اللعبة .. يقف المعلم صاحب الالعاب القديمة منذ لعية سايكس بيكو .. يقف يراقب بهدوء .. صراع ديكته .. انه البريطاني صاحب العقل البارد .. فكيف هو يترك الجولاني يحطئ كل هذه الاخطاء القاتلة .. الا انه قد قرر فعلا ان الجولاني قد انتهت فعاليته .. واستدعاه الى لندن لابلاغه بالقرار ..
ولكن كيف يتجاهل البريطانيون وخاصة جوناثان باول الذي يسيطر على الجولاني في كل شيء .. وهو انكليزي من أحفاد لورنس العرب .. كيف يقبل بعودة الاتراك القوية الى دمشق بعد ان اشتغل عليها البريطانيون عقودا لانجاح ماسموه الثورة العربية الكبرى .. ؟؟ فهل هو من يحرك الجولاني لاصدار قرارات قرقوشية .. لتنفير الناس من الوجود التركي ؟؟ اذا كان الامر كذلك فالناس سيكتشفون حقيقة الجولاني الذي تحركه بريطانيا فيما تركيا تلعب فقط دور المرضعة فقط …
هل البريطانيون مرغمون امام معادلة فقدان السيطرة على اللعبة .. ولاقدرة لهم على كبح جماح الاتراك ولذلك التزموا الصمت صاغرين كاظمين الغيظ لان التركي قادر على تخريب اللعبة في اي وقت الان بعد ان صار معهم في دمشق بعد ان كانوا هم معه في استانبول يديرون المعركة ؟؟
مايهمنا ان القرار هو لاغتيال مدينتين .. مهما كان صاحب القرار .. فالمدينتان تحتضران صحيا وحضاريا وشعبيا .. وتذوبان في أصعب محنة تمران بها ..والمؤامرة على أهل السنة بدأت .. من دمشق وحلب .. القلب الايمن لسورية .. والقلب الايسر ..








