
ما يتم تداوله اليوم ليس مجرد مسودة قرار إداري.
إن صحّ هذا التسريب، فنحن أمام أخطر محاولة لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية والملكية في سوريا منذ ستين عاماً.
الحديث هنا ليس تقنياً.
نحن لا نتكلم عن “تصحيح قيود عقارية”.
نحن نتكلم عن احتمال إلغاء قوانين الإصلاح الزراعي بالكامل، وإعادة الأراضي إلى ما يُسمّى “المالكين الأصليين” وفق قيود تعود إلى عشرينات القرن الماضي.
هذا يعني ببساطة:
مئات آلاف العائلات الريفية التي تعيش منذ أجيال على أراضٍ وُزّعت بموجب قوانين نافذة قد تصبح فجأة بلا سند.
أكثر من نصف البنية الزراعية في الأرياف مهددة بالاقتلاع القانوني.
سلاسل ملكية تجارية وصناعية مرتبطة بهذه الأراضي قد تُطعن بعد ستة عقود من التداول.
نزاعات قضائية هائلة ستغرق البلاد لعقود.
هذه ليست مسألة قانونية.
هذه زلزال اجتماعي.
الكارثة الاجتماعية والإنسانية
الإصلاح الزراعي لم يكن إجراءً عقارياً فقط، بل كان تحولاً اجتماعياً أعاد توزيع الأرض وأعاد تشكيل الطبقة الريفية.
إلغاؤه بأثر رجعي يعني إعادة إنتاج منظومة ما قبل 1958 بكل ما فيها من تركّز ملكية وفوارق حادة.
ماذا سيحدث للفلاح الذي ورث الأرض عن أبيه وجده منذ ستين عاماً؟
ماذا سيحدث للقرى التي نشأت وتوسعت على أراضٍ تم إفرازها وتسجيلها قانونياً لعقود؟
ماذا عن الاستثمارات الزراعية والقروض والمشاريع المقامة على هذه الأراضي؟
نحن أمام احتمال:
تهجير داخلي جديد.
تفكك مجتمعات ريفية كاملة.
صدامات أهلية على الملكية.
تفجر نزاعات ديموغرافية بين مناطق وعائلات.
هل تتحمل البلاد اليوم موجة صراع اجتماعي بهذا الحجم؟
الانتهاكات الدستورية والقانونية
أي قرار يلغي قوانين نافذة منذ ستة عقود بأثر رجعي يصطدم مباشرة بمبادئ قانونية مستقرة:
مبدأ استقرار المعاملات:
لا يجوز قانوناً المساس بحقوق مكتسبة نشأت بحسن نية واستقرت لعقود.
عدم رجعية القوانين:
القواعد القانونية لا تُطبق بأثر رجعي إذا مسّت مراكز قانونية مستقرة.
حماية الملكية الخاصة:
الملكية التي ثُبّتت وفق قانون نافذ وسجل رسمي لا يمكن إسقاطها بقرار إداري عام.
الأمن القانوني:
لا يمكن لدولة أن تطالب المستثمرين بالثقة بينما تعيد فتح ملفات ملكية تعود إلى ما قبل قرن.
مبدأ المساواة:
إعادة الملكيات إلى فئة اجتماعية تاريخية دون مراعاة تحولات البنية السكانية يخلق تمييزاً بنيوياً خطيراً.
هذا ليس “استعادة حقوق”.
هذا إعادة تفجير التاريخ.
البعد الديموغرافي والسياسي
إعادة الأراضي وفق قيود تعود لعام 1926 تعني تجاهل كل التحولات السكانية والهجرات الداخلية وإعادة التوزيع الاجتماعي التي حصلت خلال قرن.
إعادة تمركز الثروة الزراعية بيد قلة.
تحويل عشرات آلاف الأسر إلى مستأجرين أو فاقدي ملكية.
إعادة إنتاج بنية إقطاعية مقنّعة تحت شعار “العدالة”.
وفي بلد خرج بالكاد من حرب أهلية وانقسامات عميقة، أي مساس بالملكية الريفية قد يتحول إلى شرارة توتر واسع.
هل هو جس نبض؟
الطريقة التي خرج بها النص — كتسريب غير رسمي — تثير تساؤلاً مشروعاً:
هل نحن أمام محاولة جس نبض الشارع؟
إلقاء مسودة بهذا الحجم إلى التداول دون تبنٍ رسمي قد يكون اختباراً لرد الفعل الشعبي والسياسي قبل الإقدام على خطوة أخطر.
لكن حتى جسّ النبض في ملفات كهذه خطير.
لأن مجرد طرح الفكرة يزرع القلق، ويهز الثقة، ويشعل المخاوف.
إذا صحّ هذا التسريب، فنحن أمام مشروع يعيد خلط البنية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد بطريقة قد تكون كارثية.
البلاد تحتاج اليوم إلى:
تثبيت الاستقرار القانوني.
حماية الملكيات المستقرة.
معالجة المظالم عبر القضاء الفردي لا عبر قرارات جماعية زلزالية.
بناء الثقة لا تقويضها.
التاريخ لا يُعالج بالاقتلاع.
والعدالة لا تُبنى بهدم استقرار ملايين البشر.
إن كان هذا جس نبض، فالنبض الشعبي يجب أن يكون واضحاً:
لا للعبث بالبنية الاجتماعية.
لا لفتح جراح عمرها قرن بطريقة عشوائية.
لا لإعادة إنتاج الإقطاع تحت أي عنوان.
وا أسفاه إن كانت البلاد، بعد كل ما مرّت به، ستدخل الآن في معركة ملكية جديدة.
=============================
“بناءً على أحكام الإعلان الدستوري،
وعلى مقتضيات العدالة واستعادة الحقوق،
وعلى أحكام القرار رقم /188/ بتاريخ 15 آذار 1926 (قانون السجل العقاري)،
وبالتوازي مع القرار رقم /186/ لعام 1926 (التحديد والتحرير) الذي تُبنى عليه قيود السجل العقاري،
وعلى التشريعات المتعلقة بالإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي، وعلى الأخص:
– قانون الإصلاح الزراعي رقم /161/ بتاريخ 27/9/1958
– اللائحة التنفيذية لقانون /161/ رقم /1417/ بتاريخ 8/11/1958
– القانون رقم /3/ بتاريخ 20/2/1962 (تعديل قانون /161/)
– المرسوم رقم /1109/ (اللائحة التنفيذية/التطبيقية لقانون الإصلاح الزراعي) لعام 1963 بتاريخ 22/9/1963
– المرسوم رقم /166/ بتاريخ 16/12/1968
– المرسوم رقم /66/ بتاريخ 27/1/1969
تم اقرار ما يلي:
المادة (1):
يهدف هذا المرسوم إلى إعادة الحقوق العينية للأراضي الزراعية إلى أصحابها الأصليين أو ورثتهم الشرعيين، وفق قيود السجل العقاري وأحكام القانون.
المادة (2):
أولاً: تُلغى ضمن نطاق تطبيق هذا المرسوم جميع الأحكام والقرارات والإجراءات التي أدّت إلى نزع أو نقل ملكية الأراضي الزراعية من أصحابها الأصليين أو تقييدها أو منحها للغير دون رضى المالك.
ثانياً: ويُعد ملغىً على وجه الخصوص كل ما ورد في التشريعات التالية فيما يخالف أحكام هذا المرسوم، وتُوقف آثارها المتعلقة بنقل الملكية أو منح الانتفاع أو التخصيص:
– قانون الإصلاح الزراعي رقم /161/ بتاريخ 27/9/1958.
– اللائحة التنفيذية لقانون /161/ رقم /1417/ بتاريخ 8/11/1958.
– القانون رقم /3/ بتاريخ 20/2/1962 (تعديل قانون /161/).
– المرسوم رقم /1109/ (اللائحة التنفيذية/التطبيقية لقانون الإصلاح الزراعي) لعام 1963 بتاريخ 22/9/1963.
– المرسوم رقم /166/ بتاريخ 16/12/1968.
– المرسوم رقم /66/ بتاريخ 27/1/1969.
المادة (3):
يُعتدّ بقيود السجل العقاري أساسًا لإثبات الملكية والحقوق العينية، وفق أحكام القرار /188/ لعام 1926، وتُعتمد أحكام وإجراءات التحديد والتحرير وفق القرار /186/ لعام 1926 في كل ما يلزم لتثبيت الحدود والحقوق وتصحيح القيود.
المادة (4):
تعود الملكية إلى أصحابها الأصليين أو ورثتهم الشرعيين مهما تغيّرت القيود أو تسلسلت الملكيات لاحقًا (بيع، نقل، تسجيل، تنازل، تخصيص، إفراز…) ولا يُحتجّ بالتغييرات اللاحقة لإسقاط الحق الأصلي متى ثبتت الملكية بالسجل أو بحكم قضائي قطعي.
المادة (5):
إذا تعذّر تحديد المالك الأصلي أو ورثته، أو لم تُقدَّم مطالبة ضمن المهل المحددة، أو قام مانع قانوني ثابت، تُسجَّل الأرض باسم الدولة كأملاك عامة وتُدار وفق نظام يضمن الشفافية ومنع الاستغلال.
المادة (6):
تُشكَّل في كل محافظة لجنة تسمى “لجنة استرداد الأراضي وتسوية الحقوق” برئاسة قاضٍ وعضوية ممثلين عن:
• مديرية المصالح العقارية/السجل العقاري
• مديرية الزراعة
• خبير مساحي
• خبير مالي/تقييم
وتتولى استقبال الطلبات والتدقيق وإصدار القرارات الإدارية الأولية، مع حفظ حق الطعن أمام القضاء المختص.
المادة (7):
يحق للمالك الأصلي أو الورثة الشرعيين تقديم طلب الاسترداد خلال مدة سنة واحدة من تاريخ نفاذ هذا المرسوم، وتُقبل الطلبات المتأخرة في حالات القوة القاهرة بقرار معلل.
المادة (8):
تُنشر أحكام هذا المرسوم في الجريدة الرسمية ويُعد نافذًا من تاريخ صدوره، وتُكلَّف الجهات العامة المختصة بتنفيذه كلٌّ فيما يخصه.














