
مانراه اليوم ليس طبيعيا بل هو عملية صناعة انسان جديد في سورية .. انسان لم يفقد ذاكرته لكنه يخشى ان يستمع اليها .. وعبارة اننا صرنا نخشى من الحيطان لأن لها آذانا صارت أخطر لان حيطان الذاكرة الداخلية صارت مخيفة و ويخشى الانسان ان يتستمع الى ضميره وروحه .. ومعظم الشعب السوري يعرف في قرارة نفسه انه محتل وانه فقد شرفه واستقاله الوطني وكرامته .. ولكن كيف وصل الناس الى هذا المستوى من القدرة على تجاهل الحقيقة والسير بجانبها وكأنها شجرة يابسة ؟؟
قال لي احد الأصدقاء الذي أرسل لي بعض الشروح العلمية عن طريقة تغيير العقل والتأثير على الناس عبر عملية نفسية اعلامية معقدة لم يكن سلاحها الا السوشيال ميديا التي صارت هي التي تتحكم بالسلاح عن طريق التحكم بحامل السلاح .. وبدل اجهزة الرادار وشاشات مسح الامواج الراديوية التي نراها في الوثائقيات فان غرف العمليات الان هي عمليات مسح للآراء والبيانات في السوشيال ميديا حيث العقول الالكترونية والذكاء الصناعي الذي تشرف على تحليل بياناته نظريات علم النفس .. ولكن كما طبق الايرانيون عملية الهندسة العكسية على الاسلحة التي كانوا يحصلون عليها ويعيدون تصنيعها ضد العدو فان علينا ان نقوم بعملية هندسة عكسية للمجتمع الذي تتم عملية السيطرة عليه عبر عمليات غسل دماغ نفسية خطيره بايهامه بالاوهام والاكاذيب .. واذا فهمنا طريقة التحكم بعقول الناس وكيف تم تطبيق ذلك في الحرب السورية فاننا سنقدر ان نجري هندسة عكسية للافكار التي قلبت المفاهيم الوطنية وقلبت الشجاعة الى تهور وقلبت الجبن والخوف الى نجاة وحكمة ..
ارسل لي هذا الصديق مقالة مطولة لفهم كيفية التأثير على عقول الناس وفق نظريات حديثة وشرح فيها كيف ان الأزمة السورية هي نتاج هذه النظريات .. وان عملية معاكسة هذه التأثيرات ممكنة جدا وسهلة ولكن يجب ان نفهم اولا طريقة عمل هذه النظريات. وعندها سنقدر على ايجاد هندسة عكسية لهذا الكمين النفسي الخطير الذي رسمته غرف مخابرات خطيرة .. وهذا الفهم ليس عسيرا وهذا يعطينا أملا كبيرا اننا قادرون على تغيير هذه الموجة بذكاء .. وتحويلها لضرب القوى التي استعملتها ووجهتها الينا مثل سلاح فتاك .. واليكم ماكتب عن هذه القضية حيث تقوم النظرية على فهم العلاقة بين الفرد والجماعة
=============================
نظرية بــيون: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح جزءًا من جماعة؟
من أهم الأعمال التي أثرت في مدرسة Tavistock أعمال الطبيب والمحلل النفسي البريطاني ويلفريد بيون .. وخصوصًا سلسلة Experiences in Groups التي بدأت مقالاتها في مجلة Human Relations في أواخر الأربعينيات، ثم جُمعت لاحقًا في كتاب.
الفكرة الأساسية عند بيون شديدة الأهمية وتقول:
الجماعة لا تتصرف دائمًا كمجموع أفراد عقلانيين. قد يكون كل شخص منفردًا ذكيًا وعقلانيًا، لكن عندما يوضع الأشخاص داخل جماعة، يمكن أن يظهر مستوى آخر من السلوك تحركه مخاوف ورغبات وافتراضات غير معلنة.
يقول بيون بصورة مبسطة إن هناك جماعتين تعملان في الوقت نفسه:
جماعة العمل:وهي الجماعة العقلانية الظاهرة. مثلًا يجتمع عشرة أطباء لمناقشة كيفية تخفيض وفيات المرضى. يدرسون الأرقام، يقارنون البروتوكولات ويتخذون القرارات.
لكن تحت هذا المستوى قد توجد جماعة نفسية أخرى سماها: جماعة «الافتراض الأساسي». هنا يبدأ الجزء المثير.
وجد بيون ثلاثة أنماط رئيسية يمكن أن تنزلق إليها الجماعة.
النمط الأول: Dependency اي الاعتماد .. فالجماعة تبدأ نفسيًا بالبحث عن شخص: «هو يعرف. هو سينقذنا. هو سيحل المشكلة.»
قد يكون المدير، الطبيب، الزعيم السياسي، الخبير، الأستاذ أو شخصية كاريزمية. وهنا فان الأفراد يتنازلون تدريجيًا عن جزء من مسؤوليتهم الفكرية لصالح القائد. إذا قال القائد شيئًا، يصبح التشكيك فيه أصعب. والغريب أن الجماعة قد تفعل ذلك حتى عندما يكون أعضاؤها أشخاصًا شديدي التعليم.
ولهذا لا يقول بيون ببساطة إن «الناس أغبياء»، بل إن وجود الفرد داخل جماعة يخلق ديناميات نفسية تختلف عن تفكيره منفردًا.
النمط الثاني: Fight–Flight أي القتال أو الهروب
هنا تتصرف الجماعة وكأن هناك: عدوًا يجب محاربته أو خطرًا يجب الهروب منه. وجود العدو يؤدي وظيفة نفسية مهمة جدًا: يوحّد الجماعة. وبدل الخلافات الداخلية المعقدة يصبح لدينا:
(نحن) مقابل (هم)
يمكن أن يكون «هم»: منافسًا في شركة، إدارة أخرى، حزبًا سياسيًا، دولة أخرى، فئة اجتماعية، أو أي جهة تعتبرها الجماعة مصدر الخطر. وعندها قد تتحول أسئلة معقدة جدًا إلى سؤال بسيط: هل أنت معنا أم ضدنا؟
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تتماسك بعض الجماعات بصورة مذهلة عندما يظهر لها عدو مشترك.
لم يكن بيون يقدم هنا «دليلًا لاستعباد الشعوب»، بل كان يحاول وصف عمليات نفسية لا واعية يعتقد أنها تظهر بصورة متكررة داخل الجماعات.
النمط الثالث والأغرب: Pairing اي الاقتران:
الجماعة تتصرف وكأن الخلاص سيأتي في المستقبل. اي ليس لدينا الحل الآن، لكن هناك شيء أو شخص أو فكرة ستظهر وتحل المشكلة. قد يتعلق الأمل بشخصين، أو مشروع جديد، أو قائد مستقبلي، أو فكرة لم تتبلور بعد. الأمل نفسه يصبح وسيلة نفسية تسمح للجماعة بتأجيل مواجهة المشكلة الحالية. وهذه فكرة عميقة جدًا:
يمكن للجماعة أن تتماسك ليس فقط حول الخوف، بل حول انتظار الخلاص.
- الملاحظة المخيفة قليلًا عند بيون
أثناء دراسته للجماعات لاحظ شيئًا شديد الأهمية: الافتراضات يمكن أن تنتقل داخل المجموعة وتُقبل كأنها حقائق دون إخضاعها للفحص النقدي الكافي. ومن هنا جاء اهتمام مدرسة Tavistock بما يسمى الحياة غير الواعية للجماعات. الأدبيات اللاحقة للمدرسة تؤكد أن المؤسسات ليست مجرد هياكل وقوانين واستراتيجيات؛ بل أنظمة عاطفية أيضًا، تتأثر بالإسقاط والقلق والعلاقات بالسلطة.
وهنا نستطيع رؤية تطبيقات واسعة جدًا.ففي شركة مثلًا تنتشرعبارات ومفاهيم:
«الإدارة تريد التخلص منا.»
ولكن لا أحد يعرف مصدر المعلومة بالضبط. ..شخص يقولها.
الثاني يضيف تجربة شخصية.
الثالث يتذكر حادثة قديمة.
وبعد فترة قد تتحول داخل الجماعة إلى حقيقة اجتماعية تؤثر في السلوك، حتى إن لم تكن الحقيقة الموضوعية بهذه البساطة.
وهذا المفهوم سابق بوقت طويل لعصر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يصبح مثيرًا جدًا عند التفكير في تيكتوك او فيسبوك او منصة اكس اليوم. - تجربة عمال المناجم: هذا واحد من أشهر أبحاث Tavistock على الإطلاق ونُشر في Human Relations عام 1951.
وهذا البحث مهم جدًا لأنه أدى إلى تطوير مفهوم: الأنظمة الاجتماعية-التقنية.
القصة مثيرة.. كان الباحثون يدرسون عمال مناجم الفحم البريطانيين. قبل إدخال نظام تقني جديد، كان عمال المناجم يعملون في مجموعات صغيرة نسبيًا، وكانت المجموعة تملك قدرًا من الاستقلالية. العمال يعرفون بعضهم. يتعاونون…يوزعون العمل…يساعد بعضهم بعضًا…هناك روابط اجتماعية داخل الفريق…
ثم جاءت تقنيات وأساليب تنظيم جديدة لزيادة الكفاءة.
ومن وجهة النظر الهندسية كان المنطق ممتازًا:
تقسيم العمل → تخصص أكبر → تنظيم أفضل → إنتاجية أكبر.
لكن حدث شيء لم يتوقعه التفكير الهندسي البحت.
تغير النظام الاجتماعي للعمل. وأصبح العمل أكثر تجزؤًا .. ثم تضاءلت استقلالية المجموعة… وأصبح العامل مرتبطًا أكثر بمراحل إنتاج منفصلة… وظهرت توترات ومشكلات نفسية واجتماعية داخل بيئة العمل.
ومن هنا خرج الباحثون بفكرة أصبحت شديدة التأثير في علم الإدارة:
لا يمكنك تصميم التكنولوجيا وحدها وتصميم البشر لاحقًا.
أي مؤسسة تحتوي نظامين: الاول هو: Technical system اوالآلات والتكنولوجيا والإجراءات.
و:Social system اي البشر والعلاقات والثقافة والسلطة والتواصل.
والنظام الناجح يحتاج إلى تحسين الاثنين معًا، لا تعظيم كفاءة الآلة مع تجاهل الإنسان.
وهذه الفكرة تبدو بديهية اليوم، لكنها كانت متقدمة جدًا في الخمسينيات.
المعهد نفسه لا يزال يعتبر Socio-Technical Systems أحد مناهجه الأساسية. - ومن هنا تطورت فكرة أكبر: المؤسسة لها «لاوعي»
تخيل مستشفى.
على الورق لدينا:
مدير → رؤساء أقسام → أطباء → تمريض → موظفون.
هذا هو الهيكل الرسمي.
لكن الباحثين يقولون إن هناك هيكلًا آخر لا يظهر في الـorganizational chart.
من يخشاه الآخرون؟
من يثقون به؟
من يعتبرونه الأب/الأم النفسية للمجموعة؟
من يحمل غضب الفريق؟
من يصبح كبش الفداء؟
ما المشكلة التي يعرف الجميع أنها موجودة لكن لا أحد يستطيع الحديث عنها؟
هذه الأشياء تشكل ما يمكن تسميته الحياة الخفية للمؤسسة.
وهذا أصبح جزءًا مما يسمى اليوم:
Systems Psychodynamics.
الباحث Tavistock يصف منهجه الحالي صراحة بأنه ينظر إلى المؤسسات والجماعات باعتبارها أنظمة تتأثر ليس فقط بالبنية والاستراتيجية، بل كذلك بعمليات غير واعية مثل الإسقاط والتحويل النفسي. - ومن هنا جاءت تجارب Group Relations في 1957 بدأ Tavistock بالتعاون مع جامعة ليستر البريطانية في مؤتمر (علاقات الجماعة) ..
وهذه ليست محاضرات تقليدية.
في التجربة يتم إنشاء مؤسسة مؤقتة، ويُطلب من المشاركين أن يختبروا بأنفسهم مسائل:
السلطة، القيادة، الحدود، التبعية، المنافسة، التحالفات، الصراع، والانتماء.
المثير أن الباحث/المستشار لا يقوم دائمًا بدور «المدرس الذي يخبرك ماذا تفعل».
بل يراقب ما يحدث في المجموعة ويساعدها على تفسير سلوكها.
مثلًا:
لماذا بدأ الجميع ينتظرون تعليمات شخص معين؟
لماذا أصبح شخص واحد فجأة مكروهًا؟
لماذا انقسمت المجموعة إلى معسكرين؟
لماذا يتحدث الجميع عن مشكلة جانبية ويتجنبون المشكلة الأساسية؟
وهكذا أصبحت الجماعة نفسها مختبرًا للسلوك الجماعي.
لكن حتى داخل أدبيات هذا التقليد توجد انتقادات وحدود؛ فإحدى المراجعات من داخل المجال تشير إلى أن مؤتمر Group Relations، رغم أنه يسمح بكشف ديناميات الجماعة، يمكن في الوقت نفسه أن يضع حدودًا لما يمكن استكشافه بسبب الإطار المؤسسي المصطنع نفسه. - Social Dreaming اي الاحلام الاجتماعية .. وهنا تصبح الأمور أغرب
هذه تقنية طُورت في Tavistock خصوصًا مع الباحث Gordon Lawrence.
الفكرة ليست:
«ماذا يعني حلمك عن طفولتك؟»
كما قد يحدث في التحليل النفسي التقليدي.
السؤال يصبح:
ماذا تخبرنا أحلام مجموعة من الأشخاص عن المجتمع أو المؤسسة التي يعيشون داخلها؟
يجتمع أشخاص في ما يسمى:
Social Dreaming Matrix
ويروي المشاركون أحلامهم، ثم يبحثون عن الروابط والأنماط والصور المتكررة بينها.
الفكرة هي أن الأحلام قد تكشف شيئًا عن القلق أو المشكلات أو التحولات التي تشترك فيها الجماعة ولا تستطيع التعبير عنها بوضوح. والباحث Tavistock لا يزال يصف Social Dreaming بأنه أسلوب منظم لاستكشاف ما قد «تعرفه» الجماعة دون أن تستطيع قوله بصورة مباشرة.
وهناك مثال رائع بالفعل.
استخدم باحثون مرتبطون بـ جماعة الحلم الاجتماعي للمعهد حركة (احتلوا لندن) Occupy London.
أقيمت جلسات مرتبطة بالمحتجين، ودُرست الأحلام والارتباطات التي ظهرت بينها، ثم رُبطت بموضوعات مثل السلطة والاحتجاج وغياب الحدود ووسائل التواصل الاجتماعي. ونشر Mannie Sher العمل لاحقًا .
الان في سورية كيف نفهم الاحداث والتحولات السلوكية للمجتمع وفق هذه الابحاث: نعم، يمكن قراءة جانب مهم مما حدث في سوريا خلال 2025 من خلال نموذج بيون ، وخصوصًا Fight–Flight وDependency. لكنني لن أقول إن الأحداث كانت «تطبيقًا مقصودًا لنظرية بيون »؛ هذا يحتاج دليلًا على أن جهة ما صممت الأحداث وفق هذا النموذج. الأدق أن نقول إن السلوك الجماعي الذي ظهر يتطابق بصورة لافتة مع بعض الآليات التي وصفها بيون.
خذِ التسلسل بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024. في البداية كان هناك قدر هائل من عدم اليقين: انهيار سريع للنظام القديم، مؤسسات ضعيفة، جماعات مسلحة متعددة، ومجتمعات خارجة من حرب استمرت 14 عامًا. ثم شهد 2025 موجتين كبيرتين من العنف الطائفي ضد المدنيين، الأولى في الساحل في مارس، والثانية في السويداء في يوليو؛ وتصف الأمم المتحدة 2025 بالفعل بأنه اتسم بهاتين الموجتين الكبيرتين من العنف.
Fight–Flight: «نحن» و«هم»
هذه أوضح نقطة عند Bion.
في الحالة العقلانية، يفترض أن يسأل الفرد:
من ارتكب الجريمة تحديدًا؟ وما الدليل؟ ومن المسؤول؟
لكن عندما تدخل الجماعة في حالة Fight–Flight يصبح التصنيف أبسط:
نحن في خطر → هناك عدو → يجب أن نتحد ضده.
وهنا قد يتحول الفاعل المحدد إلى هوية جماعية.
مثلًا، أحداث الساحل في مارس بدأت بهجمات على قوات الأمن نُسبت إلى عناصر مرتبطة بالنظام السابق. لكن العنف الذي أعقبها اتسع ليشمل مدنيين علويين. في تحقيق رويتر الواسع وجد عمليات قتل ونهب وحرق في 40 موقعًا، ووثّق نحو 5500 قتيل علوي خلال ثلاثة أيام.
من منظور بيون النقلة النفسية المهمة هي:
«مسلحون موالون للنظام السابق هاجموا قوات الأمن»
«العلويون/الفلول هم الخطر».
وهذان ليسا الشيء نفسه إطلاقًا.
الأول حكم على فاعل وسلوك محددين؛ الثاني يحوّل هوية اجتماعية كاملة إلى «موضوع للتهديد».
وهذه بالضبط البيئة التي يصبح فيها Fight–Flight قويًا.
- ظهور «العدو» يقوي تماسك الجماعة
هذه واحدة من أكثر أفكار بيون إثارة.
العدو لا يؤدي فقط وظيفة عسكرية؛ قد يؤدي وظيفة نفسية داخل الجماعة نفسها.
عندما تكون الجماعة منقسمة ومضطربة، فإن وجود «هم» يجعل تعريف «نحن» أسهل.
وهذا لا يقتصر على طرف سوري واحد. يمكن أن يحدث بالتوازي لدى جماعات مختلفة.
في السويداء مثلًا، بدأ العنف في يوليو بين مجموعات درزية وبدوية، ثم دخلت القوات الحكومية لمؤازرة البدو بعنف واتسع الصراع، وكانت اسرائيل تريد هذه اللحظة وربما خططت لها فتدخلت إسرائيل عسكريًا معلنة حماية الدروز. لاحقًا خلص تحقيق أممي إلى أن القوات الحكومية ومقاتلين عشائريين وجماعات درزية ربما ارتكبوا جرائم حرب.
فتستطيع رؤية حلقات متوازية من:
نحن مهددون → هم المعتدون → يجب أن نتكاتف → المعتدل داخل جماعتنا يبدو ضعيفًا أو خائنًا.
وهذا قريب جدًا من منطق بيون - Dependency: البحث عن «الحامي»
هنا يصبح الأمر أكثر إثارة.
بعد انهيار سلطة قديمة، ينشأ فراغ نفسي وسياسي. وفي حالة Dependency تبحث الجماعة عن جهة قوية توفر الأمن والمعنى.
فتظهر صور مختلفة للحامي:
الدولة الجديدة بالنسبة إلى جماعة، أو الزعيم المحلي بالنسبة إلى أخرى، أو شيخ/قائد مسلح، أو قوة خارجية، أو حتى المجتمع الدولي.
المهم نفسيًا ليس من هو الحامي، بل بنية التفكير:
«نحن غير قادرين على حماية أنفسنا؛ شخص أقوى يجب أن يفعل ذلك.»
وفي الحالة السورية يصبح هذا خطيرًا لأن الجماعات المختلفة قد تختار حماة مختلفين.
وهكذا بدل أن يكون لدينا:
مواطنون → دولة
يمكن أن يظهر:
طائفة → قائد/قوة مسلحة/حليف خارجي.
وهذا يضعف الهوية السياسية المشتركة أكثر. - وهناك شيء أعمق: الخوف يمكن أن يصبح ذاتي التعزيز
وهذه النقطة أراها مهمة جدًا في سوريا.
في ديسمبر 2024، مباشرة بعد سقوط الأسد، نقلت Reuters عن علويين في الساحل أنهم كانوا خائفين من مذابح انتقامية، لكن بعضهم شعر بالارتياح عندما لم يحدث ذلك في الأيام الأولى، حتى إن أحدهم قال إن استمرار الوضع بهذه الصورة يعني أن المخاوف التي قيل لهم إن عليهم الخوف منها لم تكن صحيحة.
ثم جاءت أحداث مارس 2025.
بالنسبة إلى شخص كان خائفًا أصلًا، قد تتحول المجازر إلى:
«أرأيتم؟ كان خوفنا صحيحًا.»
وفي الطرف الآخر قد تُستخدم هجمات مسلحين مرتبطين بالنظام السابق لتأكيد:
«أرأيتم؟ كانوا يشكلون خطرًا فعلًا.»
وهنا تنشأ حلقة تغذية راجعة نفسية:
الخوف → تفسير الأحداث وفق الخوف → زيادة الخوف → زيادة التماسك داخل الجماعة → زيادة الشك بالجماعات الأخرى.
وهذا لا يعني أن المخاوف «متخيلة»؛ بعد وقوع قتل حقيقي تصبح بعض المخاوف مبنية على تجارب حقيقية. المشكلة أن الخوف من أفراد محددين يمكن أن يُعمَّم على جماعة كاملة. - ووسائل التواصل تجعل نموذج بيون أسرع بكثير
كان بيون يراقب عشرات الأشخاص في غرفة.
تخيلي الآلية نفسها مع مئات آلاف الأشخاص متصلين في اللحظة نفسها.
فيديو قتل → غضب → تعميم على طائفة → فيديو انتقامي → تأكيد الصورة لدى الطرف الآخر → إشاعة → خطاب تعبئة → المزيد من الخوف.
لم يعد تكوين Basic Assumption Group يحتاج إلى وجود الأشخاص في المكان نفسه.
قد تصبح الجماعة النفسية شبكة كاملة على الإنترنت.
وهنا أعتقد أن بيون ، لو كان حيًا، كان سيجد وسائل التواصل مختبرًا مذهلًا لنظريته.
لكن هناك نقطة لا أريد تجاوزها
يمكننا القول:
«أحداث سوريا تتوافق مع آليات وصفها بيون .»
لكن لا نستطيع القفز منها إلى: «إذن شخص ما استخدم Tavistock لتصميم ما حدث في سوريا.»
الأولى تحليل نفسي-اجتماعي معقول؛ الثانية ادعاء سببي يحتاج وثائق وأدلة.
والأكثر إثارة في رأيي أننا لا نحتاج أصلًا إلى مؤامرة لكي تعمل هذه الآليات. بيون كان يقول تحديدًا إن الجماعات قد تدخل هذه الحالات بصورة لا واعية وتلقائية عندما يزداد الخوف وعدم اليقين.
وهناك جزء من بيون لم نتحدث عنه بعد قد يكون أكثر انطباقًا على سوريا من Fight–Flight نفسه: كيف تستطيع الجماعة تحويل القلق الداخلي إلى كبش فداء، وإسقاط صفات لا تريد الاعتراف بها في نفسها على جماعة أخرى (projection / projective identification). إذا طبقنا هذه الفكرة على الخطاب السوري بعد 2024، تصبح الصورة أعمق بكثير.










