
أحيانًا، لا تستطيع أن تفهم مأساة الضحية بمجرد أن تستمع إليها، ولا أن تدرك حقيقة الجلاد بمجرد أن تصغي إلى ما يقوله عن نفسه. هناك تجارب لا يكشف حقيقتها إلا أن تنظر إلى العالم من موقع من يتألم، أو أن تحاول فهم منطق من يمتلك أدوات القهر والقتل والتدمير.
فالضحية تستطيع أن تصف لك وجعها، لكنها قد تعجز عن نقل عمق المأساة التي تعيشها.. ولن تحس بها الا اذا كنت انت الضحية في مكانها .. والجلاد قد يتحدث عن الأمن والاستقرار والمصلحة الوطنية، بينما تكشف أفعاله شيئًا مختلفًا تمامًا .. وقد لاتدري كيف يكون شعور الجلاد مالم تمسك بيد السزط وتصبح جلالدا مثله .. ولهذا، فإن فهم السياسة لا يقوم على الكلمات وحدها، بل على دراسة الأفعال، والنتائج، والجهات التي تستفيد منها.
حين أقول إن سلوك الرجل الذي يجلس اليوم في قصر الشعب بدمشق يثير لديّ شكوكًا عميقة بشأن الجهة التي تخدمها سياساته، ألاحظ أن كثيرين يستغربون الفكرة. بعضهم يتردد، وبعضهم يستبعدها باعتبارها ضربًا من الخيال، وبعضهم يفسر ما يحدث بأنه مجرد براغماتية سياسية أو مناورات فرضتها الظروف.
لكن لماذا نستبعد احتمالًا لمجرد أنه يبدو صادمًا؟ ولماذا لا نختبر الفرضيات من خلال نتائج الأفعال بدلًا من الاكتفاء بالانطباعات؟
دعونا نستخدم القياس السياسي، لا بوصفه دليلًا قاطعًا، بل أداة لاختبار طريقة التفكير.
تخيلوا أن جهازًا استخباريًا تمكن من إيصال عميل له إلى قمة السلطة في دولة معادية. هل نتوقع أن يرفع ذلك الشخص لافتة تعلن حقيقة مهمته؟ أم أن نجاحه، إذا كان عميلًا فعلًا، سيعتمد على قدرته على اتخاذ قرارات تبدو في ظاهرها قرارات سيادية، بينما تترتب عليها نتائج تخدم خصمه؟
لنفترض، على سبيل المثال، أن عميلًا سوريًا وصل إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية بحجة انقلاب على نتنياهو داخل المؤسسة العسكرية أو (ثورة اسرائيلية) . ما الإجراءات التي قد نتوقعها منه إذا كان يعمل سرًا لمصلحة سوريا؟ قد نتوقع منه إضعاف القدرات العسكرية الإسرائيلية، وتسريح الجيش الاسرائيلي وترك سلاحه بلا أفراد كي يدمره السوريون .. ولن يتحرك لصد السوريين الذين سيقومون بانزال على جبل الشيخ وسيتركه دون قتال بحجة انه مشغول بأموره الداخلية .. و سيقوم اتخاذ قرارات تضر بالمصالح الأمنية الإسرائيلية، أو تعميق الانقسامات الداخلية.. فيثير الاشكيناز ضد السفارديم .. والحاريديم ضد العلمانيين .. ويصمت عن مجزرة يقوم بها مستوطنو الشمال ضد مستوطني الجنوب .. أو سيسمح بتسهيل تحركات عسكرية سورية ضد إسرائيل ومرور دوريات سورية على تخوم الجليل … لكن السؤال الحاسم لن يكون: هل تشبه هذه الأفعال ما نتصوره عن عميل؟ بل: هل اتخذ هذا الشخص فعلًا تلك القرارات، وما الأدلة التي تثبت دوافعه وصلته بالجهة التي يخدمها؟
هنا نعود إلى دمشق.
إذا كانت السياسات المتبعة تؤدي إلى إضعاف الجيش السوري، أو تفكيك قدراته، أو تعميق الانقسامات بين مكونات المجتمع وقيام سياسة تحريض طائفي ودعوات عنفية واحتجاجات تثير الغرائز الطائفية دون اي عقاب او مسائلة ، أو السماح بتوسّع عسكري إسرائيلي في الأراضي السورية من دون ردع فعّال في زمن يقول ويزعم الجولاني انه حارب جيوش ثلاث دول وانتصر فيها ولكنه مع اسرائيل يتصرف وكأنه اسرائيلي لدرجة انه سيحارب في اليمن الذي حارب اسرائيل .. وسيحارب في لبنان أعداء اسرائيل، فمن حق السوريين أن يسألوا: لماذا تحدث هذه النتائج؟ ومن المستفيد منها؟ وهل كان بالإمكان اتخاذ خيارات أخرى تحمي البلاد وتمنع تفككها؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي إسكاتها بوصفها مبالغات أو نظريات مؤامرة لمجرد أنها محرجة للسلطة.
إن المشهد الذي يخشاه كثير من السوريين هو أن يشعر بعض أبناء البلاد بأنهم مهددون بسبب هويتهم أو انتمائهم، في حين تبدو إسرائيل قادرة على التحرك عسكريًا داخل الأراضي السورية أو على مقربة من العاصمة من دون أن تواجه ردعًا يوازي حجم التهديد. وإذا ثبت وجود تفاوت في مستوى الحماية والأمن، فمن الضروري مساءلة السلطة عن أسبابه ونتائجه.
المطلوب من السوريين اليوم ليس أن يصدقوا كل اتهام، ولا أن يرفضوا كل سؤال صادم. المطلوب أن ينظروا بعين مفتوحة إلى ما يجري، وأن يقارنوا الوعود بالنتائج، وأن يسألوا من يحكم: ماذا فعلت لحماية سوريا؟ وماذا خسرت البلاد في ظل حكمك؟ ولماذا يستطيع خصمك أن يحقق مكاسب استراتيجية بينما يدفع السوريون ثمن الانقسام والضعف والخوف؟
في السياسة، لا تكفي النيات المعلنة. الأهم هو ما يحدث على الأرض، وما إذا كانت القرارات تحمي الوطن أم تضعفه.
لا تحكموا على الحاكم من خطبه، بل من أفعاله. ولا تجعلوا خطورة الاتهام سببًا لمنع السؤال، ولا تستهيونا بالشك الذي له قوة اليقين .. فاذا أردت ان تصل الى اليقين فماعليك الا أن تمعن في الشك.
أيها السوريون،
أريد منكم اليوم أن تفعلوا شيئًا واحدًا: أن تخرجوا، ولو للحظات، من دائرة الانطباعات المسبقة، وأن تنظروا إلى ما يجري في سوريا من زاوية مختلفة.
أنا لا أطلب منكم أن تصدقوا كل ما تسمعونه، ولا أن تتبنوا حكمي لمجرد أنني أطرحه بثقة. أطلب منكم أن تفكروا، وأن تسألوا، وأن تقارنوا بين ما يقال لكم وما يحدث أمام أعينكم.
حين يرى بعض الناس أن الجولاني مجرد رجل براغماتي يناور، أو حاكم يخطئ ويصيب، أو قائد يحاول تثبيت سلطته في ظروف صعبة، أطرح سؤالًا آخر: ماذا لو كانت بعض القرارات التي نراها اليوم جزءًا من استراتيجية أوسع؟ وكيف يمكننا اختبار هذا الاحتمال بدلًا من رفضه فورًا؟
من جديد .. أعيدوا تخيل السيناريو الافتراضي.
أرجوكم فكروا .. وسأعيد عليكم الفرضية .. لنفترض أن جهازًا استخباريًا نجح في إيصال عميل إلى قمة السلطة في إسرائيل، إلى المكان الذي يجلس فيه بنيامين نتنياهو. هذا العميل لا يستطيع أن يكشف حقيقته، ولا أن يعلن أنه يعمل لمصلحة دولة أخرى. فكيف يمكن أن نحكم على أدائه؟
لن ننظر إلى خطاباته فقط. سنراقب قراراته العسكرية، وموقفه من أمن الحدود، وقدرته على حماية الجيش، وطريقة تعامله مع الانقسامات الداخلية، والنتائج التي تترتب على سياساته. وسنسأل: هل تضعف هذه القرارات إسرائيل أم تقويها؟ وهل توجد أدلة على أن ما يحدث مقصود، أم أنه نتيجة أخطاء وحسابات فاشلة؟
الآن، اقلبوا الصورة، وانظروا إلى سوريا.
هل من الطبيعي أن يقلق السوري على أمن بلاده، بينما تتسع حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في الأراضي السورية؟ هل من المقبول أن يخاف مواطن بسبب هويته الطائفية أو انتمائه الاجتماعي، في حين يسير اليهودي في سورية اليوم آمنا مطمئنا ويتجول وهو مطمئن .. ويبني كنيسه في جوبر ويستولي على الارض فيها فيما يطرد العلوي من مسكنه .. وفيما يعيش السوري العلوي قلقا والدرزي خائفا والكردي مضطربا والسني المعتدل يعيش رعبا؟ .. في حين تعجز الدولة عن توفير شعور متساوٍ بالأمان لجميع مواطنيها؟ وهل يكفي أن تقول السلطة إنها تسعى إلى الاستقرار، إذا كانت نتائج سياساتها تثير مخاوف عميقة بشأن وحدة البلاد وسيادتها؟
هذه ليست أسئلة هامشية. إنها أسئلة تتعلق بمستقبل سوريا نفسها .. وبنظرية خطيرة لايجب ان تبقى في اطار الشك بل نظرية يتم اخضاعها للتحقيق والبرهان …
إذا كانت الدولة تفقد قدرتها على الردع، وإذا كان جيشها لا يستعيد دوره في حماية الأراضي السورية، وإذا كانت الانقسامات المجتمعية تتعمق، وهناك سياسة افقار غريبة متعمدة بحجة عدم وجود أموال لمنع الشعب من التفكير ومراقبة السلطة لأنه مشغول بلقمة عيشه .. رغم ان الأموال التي نقلت الى قبرص التركية تكفي لحل كل مشاكل السوريين الاقتصادية او تخفيفها الى حد كبير .. فمن حقنا أن نطالب بتفسير واضح. ومن حقنا أن نسأل عن القرارات التي اتُخذت، والقرارات التي لم تُتخذ، والبدائل التي جرى تجاهلها. إن هذه النتائج تثبت وحدها أن الحاكم جاسوس إسرائيلي، ولايحتاج ذلك إلى دليل إضافي .. القياس يفتح باب التحقيق، لكنه عندما يكون مقياسا وطنيا خالصا يستطيع ان يثبت الحكم في القضية بحكم نهائي لايقبل الشك ولا الطعن ..
اسألوا أنفسكم: إذا كان الحاكم وطنيًا، فما خطته لحماية السيادة السورية؟ وإذا كان مستقل القرار، فكيف يفسر تفاوت ميزان القوة على الأرض؟ وإذا كان هدفه توحيد البلاد، فما الذي يفعله لمنع الانتقام والتمييز وضمان سلامة العلويين والدروز والسنة وسائر السوريين؟
لا أريد منكم أن تستبدلوا حكمًا متسرعًا بحكم متسرع آخر. أريد منكم أن ترفضوا تقديس الحاكم وترفضوا اخضاعه لاختبار العذرية الوطنية ، وأن لاترفضوا أيضًا تحويل الاتهامات الخطيرة إلى حقائق عندما يقود التحليل العقلي والمنطقي الى اثبات انها خطيرة وأخطر مافيها أنها صعبة التصديق ..
راقبوا الأفعال. اطلبوا الوثائق وفصيلة الدم .. قارنوا التصريحات بالوقائع .. اسألوا عن المسؤولية السياسية والعسكرية.. ولا تسمحوا لأحد أن يستخدم الخوف من المؤامرة والتشكيك لإسكات النقد، أو أن يستخدم النقد والترهيب والاحراج من اتهام لم يثبت ان عكسه ضعيف ..
سوريا لم تكن ملكًا للحاكم، ولا أمن السوريين تفصيلًا في حساباته .. ومن يجلس في قصر الشعب عليه أن يثبت بأفعاله أنه سوري يحمي الشعب والأرض والسيادة السورية .. لا أن يكون مسؤولا اسرائيليا عن حماية السيادة الاسرائيلية ..









