مقال جدير بالقراءة: من نهر الجنون إلى نهر الوعي: بذور التلويث وحناظل القطاف – بقلم: غيلان الدمشقي

حين كنا طلابًا في المدرسة، قرأت مسرحية «نهر الجنون» لتوفيق الحكيم. نهر يشرب منه الناس فيُصابون بالجنون، ثم يصبح العاقل الذي امتنع عن الشرب مجنونًا في أعينهم. لم أتساءل يومها عن منبع النهر، ولا عن الجهة القادرة على وضع ما تشاء فيه. بدت الحكاية تأملًا في علاقة الفرد بالجماعة، وفي قدرة الأكثرية على فرض معيارها. لكن السنوات اللاحقة كشفت لي أن المجتمعات لا تشرب الماء وحده؛ إنها تشرب النماذج التفسيرية والصور والذكريات التي تحدد من هو العدو، وما معنى الاستقلال، ومتى يكون الانتصار انتصارًا. وهذه النماذج، بخلاف الماء، تحتاج إلى من يمول انتشارها ويحرس مجراها.

لم أجد استعارة الحكيم أكثر حضورًا مما وجدتها في الثامن من كانون الأول 2024، حين دخلت دمشق قوات يقودها أبو محمد الجولاني، قائد جبهة النصرة السابق، وعمّت الاحتفالات بسقوط النظام. كان الرجل الذي أصبح عنوانًا للتحرير قد قاد تنظيمًا ارتبط بالقاعدة، وسُجل في تاريخه تفجير مشفى الكندي في حلب، وإعدام أسرى من الجيش السوري، وإعلان المسؤولية عن تفجيرات دامية في دمشق. ولم يكن ذلك تاريخًا غامضًا مدفونًا في أرشيف بعيد؛ فقد وثقت تقارير دولية بعض تلك الوقائع، ونُشرت تسجيلات مصورة لعمليات التنظيم.

كانت المفارقة أن يُستقبل قائد هذا التنظيم في العاصمة بوصفه رمزًا للخلاص، في الوقت الذي كانت فيه إسرائيل تستغل انهيار الدولة لتوسيع انتشارها وتدمير ما تبقى من قدراتها العسكرية. لم يكن الجنون في فرح من انتهى حكم كان يرفضه، بل في أن تصبح لحظة دخول قائد جهادي سابق إلى دمشق، وانكشاف البلاد أمام قوة الاحتلال، مشهدًا واحدًا يُسمى تحريرًا. هنا لم تعد مسرحية «نهر الجنون» استعارة بعيدة؛ لقد أصبح الاحتفال نفسه، في هذا التناقض بين الذاكرة والواقع، عين الجنون.

ولفهم كيف وصل المجتمع إلى هذه اللحظة، ينبغي العودة إلى منابع النهر.

البذور: من العراق إلى صناعة العدو

شكّل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 منعطفًا أعاد ترتيب المنطقة وفق نموذج جديد. فحل الجيش، وتفكيك المؤسسات، وبناء النظام السياسي على المحاصصة المذهبية والإثنية، لم يكن مجرد تغيير في الحكم، بل تحويلًا للهوية من انتماء داخل الدولة إلى مورد سياسي تُوزع على أساسه السلطة. وفي هذه البيئة اتسع الخطاب السني الشيعي، وتقدمت الهوية المذهبية على أسئلة السيادة والاحتلال.

أسهمت قنوات مثل الوصال والصفا، وغيرها من المنابر، في جعل الخلاف المذهبي مادة يومية عابرة للحدود. ولم يقتصر أثرها على عرض الاختلافات العقائدية، بل امتد إلى تحويلها إلى آلة لإنتاج العدو، تحدد مسبقًا الأسئلة التي ينبغي طرحها والوقائع التي تستحق أن تُرى.

بدل السؤال: من يواجه الاحتلال؟ أصبح السؤال: ما مذهب من يواجهه؟

وبدل تقييم التحالف السوري مع إيران وحزب الله من حيث موقعه في موازين القوة ضد إسرائيل، صار بالإمكان تصويره اصطفافًا مذهبيًا يستوجب العداء. وهكذا أصبح التصنيف المذهبي أداة لتعطيل التقييم السياسي، ونقل النقاش من مستوى الفعل والمصلحة إلى مستوى الجوهر المزعوم.

وفي مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست عام 2018، ربط محمد بن سلمان دعم انتشار الوهابية خارج المملكة بسياق الحرب الباردة وطلبات الحلفاء الغربيين. تكشف هذه الشهادة جانبًا من العلاقة بين المال والعقيدة والمصلحة الجيوسياسية. فالأفكار لا تتحرك بأقدامها؛ إنها تحتاج إلى مؤسسات ووسائل توزيع وشبكات تمويل تجعلها بنية تحتية للوعي.

وكان أثر هذه البيئة على سوريا سابقًا لاندلاع الحرب فيها. فقد أصبح ممكنًا أن يُعاد تعريف موقع الدولة السورية وتحالفاتها الإقليمية بلغة مذهبية، وأن يتراجع السؤال عن الاحتلال والردع أمام سؤال الهوية. وكانت تلك إحدى أهم بذور التلويث.

الحرب بالوكالة: حين تحول البترودولار إلى سلاح

شهدت سوريا احتجاجات عام 2011، وكانت هناك مظالم سياسية واجتماعية. لكن وجود هذه المظالم لا يفسر وحده تحول البلاد إلى ساحة حرب طويلة استقطبت تنظيمات جهادية ومقاتلين أجانب، واستمرت سنوات رغم الدمار الهائل الذي أصاب المجتمع والدولة.

كان التحول إلى الحرب الواسعة مرتبطًا بتدفق الموارد العسكرية والمالية من الخارج.

ومن أبرز الأمثلة برنامج Timber Sycamore، الذي وثقته صحيفة نيويورك تايمز في كانون الثاني 2016. فقد جمع البرنامج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأجهزة إقليمية، حيث وفرت السعودية أموالًا وأسلحة، وتولت الوكالة الأمريكية التدريب، بينما شاركت دول أخرى في التمويل والدعم اللوجستي.

لم يكن ذلك مجرد تعاطف سياسي مع المعارضة السورية، بل استثمارًا عسكريًا منظمًا لتغيير موازين القوة وإدامة الصراع. وكان البترودولار شرطًا ماديًا أساسيًا لاستمرار الحرب، بما وفره من سلاح وذخيرة وتمويل للفصائل وشبكات الإمداد.

وفي تصريحات إعلامية، تحدث رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم عن إنفاق بلاده مبالغ ضخمة على الملف السوري، وعن التنسيق مع أطراف إقليمية ودولية. وتضع هذه التصريحات التمويل الخليجي في مركز فهم الحرب، لا على هامشها.

اختلفت الولايات المتحدة والسعودية وقطر وتركيا في بعض التفاصيل والفصائل المفضلة، لكنها تقاطعت في دعم قوى مسلحة تعمل على إضعاف قدرة الدولة السورية على الاحتفاظ باحتكار القوة. وكانت إسرائيل من أبرز المستفيدين استراتيجيًا من تراجع قدرات الجيش السوري وتفكك بنيته على حدودها الشمالية.

فالحرب بالوكالة لا تشترط تطابق مصالح جميع المشاركين في كل تفصيل. يكفي أن تتلاقى المصالح على إضعاف خصم مشترك، وأن تتوافر الموارد اللازمة لإدامة الصراع حتى تتغير موازين القوة.

المقاتلون الأجانب: الحرب التي أُخفي وجهها

لم تكن الحرب السورية مواجهة بين حكومة ومعارضة محلية فحسب. لقد أصبحت سوريا والعراق مقصدًا لعشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب.

ففي تشرين الثاني 2017، أفاد مسؤول الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب بأن أكثر من أربعين ألف مقاتل إرهابي أجنبي، من نحو 110 دول، سافروا إلى ساحتي الصراع في سوريا والعراق. وكانت الأراضي التركية إحدى أهم طرق العبور، كما وثقت تقارير أمريكية وأوروبية عن شبكات انتقال المقاتلين.

أدخل هذا التدفق إلى الحرب تشكيلات عقائدية عابرة للحدود، لا تتطابق أهدافها مع مصالح الدولة السورية أو سكانها. واستفادت شبكات التجنيد والتهريب من ضعف الرقابة الحدودية، ومن البيئة الإقليمية التي جعلت استمرار القتال ممكنًا.

وفي مثل هذه الظروف، لم تكن مواجهة تنظيمات مرتبطة بالقاعدة ومقاتلين أجانب مجرد قمع لمعارضة سياسية. فالدولة التي تواجه تفجيرات وعمليات قتل وتنظيمات مسلحة تملك واجبًا في حماية سكانها وملاحقة المتورطين في الجرائم.

وهنا ينبغي التمييز بين السجين السياسي والسجين المرتبط بتنظيم مسلح عابر للحدود. فاختزال جميع السجناء في صورة المعارض السلمي يحجب طبيعة جزء مهم من القوى التي دخلت الحرب، كما أن وصف جميع المعتقلين بالإرهابيين يحجب وجود ضحايا للاعتقال التعسفي والتعذيب.

لقد استُخدمت صورة السجين، في جانب من الخطاب السياسي، بديلًا عن البحث في مصادر التسليح وشبكات التجنيد وأهداف التنظيمات. وهكذا تحولت مأساة حقيقية إلى نموذج تفسيري شامل، يختزل الحرب في مواجهة بين سلطة وسجناء، ويُخرج من المشهد عشرات الآلاف من المقاتلين الأجانب والموارد التي جعلت استمرار القتال ممكنًا.

من مشفى الكندي إلى قصر الشعب

في كانون الأول 2013، هاجمت جبهة النصرة مشفى الكندي في حلب بتفجيرين انتحاريين. ووثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا سيطرة التنظيم على الموقع وإعدام جنود سوريين وقعوا في الأسر، بعد أن نشر التنظيم تسجيلًا مصورًا لقتلهم. وكان المشفى قد تحول قبل الهجوم إلى موقع عسكري، لكن ذلك لا يغير من طبيعة جريمة إعدام الأسرى بعد وقوعهم في قبضة التنظيم.

وفي أيار 2012، أعلنت جبهة النصرة مسؤوليتها عن تفجيري دمشق اللذين أسفرا عن مقتل 55 شخصًا. وارتبط الإعلان بالتفجيرين اللذين وقعا في منطقة القزاز، وتناقلت وسائل الإعلام تسجيلًا مصورًا يتضمن إعلان المسؤولية.

أما محطة زيزون لتوليد الكهرباء، فقد تعرضت للتفكيك والنهب بعد سيطرة فصائل مسلحة على المنطقة. واتهمت الحكومة السورية جبهة النصرة وأحرار الشام ومجموعات متحالفة معهما بالمشاركة في تفكيك معدات المحطة وتهريبها إلى تركيا، بينما وثقت تقارير حقوقية عمليات نهب نفذتها مجموعات متطرفة، بينها الحزب الإسلامي التركستاني.

هذه ليست تفاصيل هامشية في تاريخ الحرب. إنها وقائع تتعلق بقتل أسرى، وتفجيرات دامية، وتخريب مرافق كانت تخدم المجتمع السوري.

وكان أبو محمد الجولاني قائدًا لجبهة النصرة خلال هذه المرحلة. والمسؤولية القيادية عن التنظيم تفرض مساءلة عن سجله، حتى حين لا تتوافر أدلة على إصدار القائد أمرًا شخصيًا بكل عملية.

ثم جاء تغيير الاسم.

أعلن الجولاني فك الارتباط التنظيمي بالقاعدة عام 2016، وتحولت جبهة النصرة إلى جبهة فتح الشام، قبل تشكيل هيئة تحرير الشام عام 2017.

لكن تغيير الاسم لا يمحو الوقائع، كما أن تغيير اللباس والخطاب لا يلغي الأسئلة المتعلقة بالمسؤولية والمحاسبة.

وفي الثامن من كانون الأول 2024، دخل الجولاني دمشق قائدًا للقوى التي أسقطت النظام.

هنا تبلغ استعارة نهر الجنون ذروتها.

فالرجل الذي قاد تنظيمًا ارتبط بالقاعدة، وسُجل في تاريخ ذلك التنظيم تفجير مشفى وإعدام أسرى وإعلان المسؤولية عن تفجيرات دامية، أصبح عند قطاعات من الجمهور رمزًا للتحرير. ولم تعد التسجيلات المصورة والتقارير الدولية التي توثق تاريخ التنظيم حاضرة بالقدر نفسه في المشهد الاحتفالي.

إنها ليست مسألة اختلاف سياسي عادي حول رجل وصل إلى الحكم. إنها مسألة تحول في المعايير التي يُقاس بها معنى التحرير.

فحين يصبح سقوط الحاكم السابق كافيًا لمنح قائد التنظيم المسلح شرعية وطنية كاملة، دون أن تُستحضر مسؤوليات ذلك التنظيم وتاريخه، يكون الوعي قد تعرض لانقلاب عميق.

ثم تسارعت عملية الاعتراف الدولي بالسلطة الجديدة.

وفي تشرين الثاني 2025، زار الجولاني البيت الأبيض والتقى دونالد ترامب. وكان مشهد رش ترامب العطر عليه أكثر من تفصيل بروتوكولي عابر؛ فقد اختزل مفارقة سياسية وتاريخية: الرجل الذي قاد جبهة النصرة المرتبطة بالقاعدة، والتي ارتبط سجلها بتفجير مشفى الكندي وإعدام الأسرى وإعلان المسؤولية عن تفجيرات دمشق، أصبح ضيفًا رسميًا في عاصمة كانت تصنفه ضمن قوائم الإرهاب.

وليس في تغيير الاسم ما يمحو التاريخ، ولا في المصافحة ما يلغي المسؤولية عن الماضي. لقد تغير موقع الجولاني في الحسابات الدولية، لكن الوقائع التي سبقته إلى دمشق بقيت جزءًا من ذاكرة السوريين. وهنا تظهر إحدى وظائف آلة إنتاج الوعي: إعادة تقديم الشخصية ذاتها ضمن صورة جديدة، حتى يصبح الماضي الذي كان يحدد معناها السياسي تفصيلًا يمكن تجاوزه.

ثم جاءت الرواية اللاحقة عن مزاح الجولاني مع ترامب بشأن منح إسرائيل ولاية نيوجيرسي بدل الجولان، لتقدم مثالًا على الجرأة بأثر رجعي: حين تتحول عبارة تُروى للجمهور إلى تعويض رمزي عن عجز لم يتغير على الأرض.

فالسيادة لا تُقاس بحدة النكتة، ولا بحفاوة الاستقبال، بل بقدرة الدولة على حماية حدودها وامتلاك قرارها.

الحناظل: من التعبئة الطائفية إلى الدم

كانت أحداث الساحل في آذار 2025 أكثر من اختبار أمني للسلطة الجديدة؛ لقد كشفت الوجه الدموي لخطاب طائفي تراكم خلال سنوات الحرب.

فقد وثقت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا مقتل نحو 1400 شخص خلال موجة العنف، وأشارت إلى عمليات قتل وتعذيب ونهب وانتهاكات قد ترقى إلى جرائم حرب، ارتكبتها عناصر من القوات التابعة للسلطة الجديدة ومسلحون عملوا إلى جانبها، فضلًا عن انتهاكات ارتكبتها مجموعات موالية للنظام السابق. وكان المدنيون العلويون من أبرز ضحايا عمليات القتل الموثقة.

ولم تكن هوية الضحايا أمرًا عارضًا. فقد وثقت تقارير حقوقية شهادات عن مسلحين استخدموا الانتماء الطائفي معيارًا للاشتباه والقتل. وهنا لم يعد التصنيف المذهبي مجرد أداة للتعبئة السياسية، بل تحول لدى بعض الجناة إلى معيار للحياة والموت.

وفي تموز 2025، كشفت أحداث السويداء امتداد هذا المنطق إلى الدروز. فقد شهدت المحافظة عمليات قتل وخطف وإذلال وتهجير وانتهاكات ضد المدنيين، إلى جانب خطاب تحريضي صور الدروز بوصفهم أعداء دينيين وخونة. وشملت الانتهاكات أطرافًا مسلحة متعددة، بينها قوات تابعة للسلطة المؤقتة ومجموعات مرتبطة بها، فضلًا عن مجموعات محلية أخرى.

إن الخطاب الطائفي الذي تغذت عليه قطاعات من التنظيمات المسلحة خلال الحرب لم يتوقف أثره بمجرد انتقالها إلى الحكم. فقد ساهم في بناء تصور للآخر لا يراه مواطنًا مختلفًا، بل خصمًا دينيًا متوارثًا. وحين يقترن هذا التصور بالسلاح والإفلات من العقاب، يمكن أن يتحول العداء الكامن إلى استعداد لقتل المدنيين على أساس هويتهم.

وهنا تتجلى المفارقة الأعمق: كيف يُطلب من سلطة الجولاني أن تفكك خطابًا طائفيًا كان جزءًا من بنيتها العقائدية، وأداة في تعبئة مقاتليها، ووسيلة لتعريف العدو وتبرير قتاله؟

فالمشكلة ليست في خطاب تحريضي تسلل إلى مؤسسات الدولة الجديدة، بل في إرث أيديولوجي نشأت عليه التنظيمات التي أصبحت اليوم تمسك بمفاصلها. وما ظهر في الساحل والسويداء يثير سؤالًا جوهريًا عن أثر سنوات جرى فيها تصوير الآخر المذهبي بوصفه عدوًا وجوديًا.

وحين انتقلت الجماعة من الحرب إلى الحكم، لم يكن تغيير الزي والخطاب السياسي كافيًا لتغيير التصورات التي تشكلت في وعي مقاتليها.

فكيف يمكن لمن بنى شرعيته القتالية على تقسيم المجتمع إلى مؤمن وعدو أن يؤسس دولة تقوم على المساواة بين المواطنين؟ وكيف يُنتظر من البنية التي أنتجت هذا الوعي أن تكون هي نفسها الأداة التي تفككه؟

إن المسؤولية السياسية لسلطة الجولاني لا تنحصر في إصدار بيانات تدين المجازر. إنها تتعلق بطبيعة المؤسسات التي ورثت تنظيمات الحرب، وبمدى قدرتها على إخضاع السلاح للقانون، ومحاسبة مرتكبي الجرائم وقادتهم المسؤولين، ومنع تحول الهوية الدينية إلى معيار للحماية أو العقاب.

الجنوب: التحرير الذي كشف الأرض

وفي الجنوب، استغلت إسرائيل انهيار النظام السابق لتوسيع انتشارها العسكري وتنفيذ ضربات واسعة استهدفت مقدرات الجيش السوري.

وقد تزامنت هذه الضربات مع احتفالات السلطة الجديدة بسقوط النظام، ومع ظهور الجولاني في الجامع الأموي.

كانت المفارقة صارخة: قائد تنظيم ارتبط بالقاعدة يحتفل بدخول دمشق، وقوة احتلال توسع حضورها على الأرض، وقدرات عسكرية وطنية تتعرض للتدمير.

ولم تعد المفارقة اليوم مجرد صورة من الأيام الأولى لسقوط دمشق، بل تحولت إلى واقع عسكري يتقدم على الأرض. ففي التاسع عشر من تشرين الأول 2026، وصلت دورية إسرائيلية إلى أطراف قرية دربل في جبل الشيخ بريف دمشق الغربي، بعد توغلات سابقة في محيط بيت جن. وفي الثاني والعشرين من الشهر نفسه، واصلت القوات الإسرائيلية عملياتها في الجنوب، وتوغلت في قرية جملة بريف درعا، حيث قُتل مدني سوري من ذوي الإعاقة. وهكذا، بينما تُروى حكاية التحرير من دمشق، تتقدم قوات الاحتلال في ريفها وتفرض وقائع جديدة في الجنوب. ولم يعد السؤال عما إذا كان النظام السابق قد سقط، بل عما بقي من السيادة بعد سقوطه. فأي معنى لتحرير العاصمة حين يصل جيش الاحتلال إلى أطراف ريفها؟ وأي انتصار هذا الذي تُفتح فيه أبواب القصور للحاكم الجديد، بينما تُفتح الأرض أمام جنود الاحتلال؟ هنا تكتمل مرارة نهر الجنون: أن يُحتفى باستعادة دمشق في حدث هو عين الفقدان، حيث سقطت قدرة الدولة على حماية الأرض التي تحمل اسمها.

هذا هو المشهد الذي تعود فيه مسرحية «نهر الجنون» إلى الذاكرة بكل قسوتها. ليس لأن جميع المحتفلين كانوا يجهلون ما حدث، بل لأن لحظة الفرح الأحمق أمكن أن تطغى على تاريخ التنظيم المنتصر وعلى ما كان يجري للأرض في الوقت نفسه.

قانون قيصر: حين نسي الشارب من لوّث النهر

ولعل من أكثر مفارقات نهر الجنون دلالة ما جرى في الوعي الشعبي بشأن قانون قيصر.

فالقانون الذي أقره الكونغرس الأمريكي عام 2019 لم يهبط على سوريا من فراغ. لقد جاء ضمن سياسة أمريكية لعزل النظام السابق اقتصاديًا، وساندت تشديد العقوبات جهات معارضة سورية وشبكات ضغط في واشنطن، باعتبارها وسيلة لإضعاف السلطة ودفعها إلى التنازل أو الرحيل.

لكن العقوبات لم تبقَ حبيسة الحسابات السياسية التي صيغت من أجلها. فقد أثرت في الاستثمار وإعادة الإعمار والمعاملات الاقتصادية، وأسهمت، إلى جانب الحرب والدمار وعوامل أخرى، في تعميق الضيق المعيشي الذي أصاب السوريين.

ثم سقط النظام، ووصل الجولاني إلى دمشق، وأصبح رفع العقوبات يُعرض بوصفه أحد إنجازات عهده.

هنا تتجلى المفارقة: أن يُحتفى برفع أداة ضغط ساهمت قوى من المعارضة السابقة في المطالبة بها، دون استحضار تاريخ تلك الأداة، أو السؤال عمن أيد استخدامها، ومن تحمل آثارها، ولماذا أصبح رفعها اليوم مناسبة للاحتفال.

وفي الثامن عشر من كانون الأول 2025، ألغت الولايات المتحدة قانون قيصر إلغاءً تشريعيًا كاملًا، لكنها لم تُنهِ بذلك منظومة القيود والعقوبات الأمريكية بأكملها. فقد أبقت واشنطن على عقوبات تستهدف أفرادًا وكيانات محددة، وعلى ضوابط لتصدير تقنيات ومعدات معينة، فضلًا عن صلاحيات قانونية تتيح لها فرض عقوبات جديدة. كما أبقى التشريع على آلية تقارير دورية إلى الكونغرس بشأن أداء السلطة السورية في ملفات مكافحة الإرهاب، وحماية الأقليات، والأمن الإقليمي، والعلاقة مع إسرائيل.

وهنا تتجلى مفارقة أخرى: يُقدَّم رفع العقوبات بوصفه انتصارًا سياسيًا للجولاني، بينما تظل واشنطن ممسكة بأدوات ضغط اقتصادية وقانونية تستطيع استخدامها متى اقتضت مصالحها. فما أُلغي هو قانون بعينه، لا قدرة الولايات المتحدة على توظيف العقوبات في إدارة علاقتها بسوريا.

ومن ثم فإن الاحتفاء برفع القيود، دون الالتفات إلى ما بقي من أدوات الضغط وإلى الجهة التي تتحكم بها، ليس دليلًا على اكتمال السيادة، بل شاهد آخر على هشاشتها. فالقوة التي تملك منح الإعفاءات وتوسيعها، وتملك كذلك فرض قيود جديدة، تحتفظ بوسيلة ابتزاز سياسي محتملة، حتى بعد إعلان نهاية العقوبات الشاملة.

لقد شرب السوري من النهر حتى أصبح قادرًا على الاحتفال برفع القيد، دون أن يسأل عمن طالب بوضعه أولًا.

وهذا هو جوهر استعارة نهر الجنون: ألا يقتصر التلويث على تغيير الموقف من الأشخاص، بل يمتد إلى إعادة ترتيب الذاكرة نفسها، بحيث يُنسى تاريخ الأداة، ويُختزل الخلاص في صورة من أعلن زوالها.

القوة المستعارة: انتصار له مدة صلاحية

تستطيع القوة المستعارة أن تساعد على تحقيق انتصار عسكري، لكنها لا تبني، بذاتها، دولة مستقلة.

فالمال والسلاح والغطاء السياسي مرتبطة بمصالح الجهات التي توفرها. وقد تتغير هذه المصالح بتغير التحالفات والأولويات الدولية. ولهذا فإن القوة المستعارة تحمل في داخلها حدود استمرارها.

وفي تحليلات أنيس النقاش لموازين القوة الإقليمية، يحضر التمييز بين القوة النابعة من قدرة المجتمع على الصمود، والقوة المعتمدة على منظومات خارجية.

لكن المسألة لا تتعلق بالسلاح وحده. فالدولة تحتاج إلى اقتصاد منتج، ومؤسسات قابلة للمحاسبة، وقدرة على حماية مواطنيها، واستقلال في القرار السياسي.

ولا يكفي الاعتراف الدولي أو وعود الاستثمار إذا بقيت الأسرة عاجزة عن تأمين الخبز والدواء. فإعادة البناء تُقاس بما يصل إلى الإنتاج والعمل والخدمات، لا بالمبالغ المعلنة في المؤتمرات.

وإذا أصبحت حاجات المواطن مؤجلة باستمرار لصالح رضا الخارج، فإن الاستقلال السياسي يظل ناقصًا مهما تبدلت الأعلام والشعارات.

العودة إلى النهر

أعود إلى نهر الجنون.

في المدرسة، كنت أظن أن المشكلة فيمن شرب، وأن النجاة تكمن في الامتناع. أما اليوم، فأرى أن السؤال الأهم يتعلق بمنابع النهر نفسها.

لقد جرى الاستثمار في خطاب مذهبي أعاد ترتيب تصور قطاعات من الجمهور للعدو والحليف. ثم تحولت شبكات التمويل والتعبئة إلى حرب مسلحة ساهمت في إضعاف الدولة السورية وتغيير موازين القوة في المنطقة.

وكانت إسرائيل من أبرز المستفيدين من تراجع القدرة العسكرية السورية، كما ظهر بوضوح عقب سقوط دمشق.

لكن التلويث لم يقتصر على موازين القوة؛ لقد أصاب المعايير التي يُحكم بها على الوقائع.

فقد أصبح ممكنًا أن يدخل قائد جبهة النصرة السابق دمشق تحت عنوان التحرير، وأن تتراجع في المشهد العام ذاكرة تفجير مشفى الكندي وإعدام الأسرى وتفجيرات دمشق، وأن يتحول الاعتراف الدولي اللاحق إلى شهادة شرعية، بينما تستمر إسرائيل في فرض وقائع عسكرية على الأرض السورية.

وأصبح ممكنًا أن يُحتفى برفع قانون قيصر، دون أن تستعاد في الذاكرة سنوات الضغط السياسي التي سبقت إقراره، أو أن يُنظر إلى تغيير اسم قائد التنظيم بوصفه تغييرًا في تاريخه.

هنا تكمن المفارقة التي لم أكن أستطيع فهمها حين قرأت مسرحية الحكيم طفلًا.

ليس الجنون في أن يفرح الناس بسقوط حكم كانوا يرفضونه، بل في أن يصبح الفرح قادرًا على تعليق الذاكرة، وإعادة تعريف الأفعال، وتغيير معنى العدو والحليف في لحظة واحدة.

ولا تبدأ استعادة الوعي الوطني بانتظار مراجعة أخلاقية من الحاكم الجديد، ولا بالتعويل على تغير مواقف واشنطن أو العواصم الخليجية.

إنها تبدأ حين يعود السؤال عن المال والمصلحة والقرار إلى مركز التحليل: من موّل الحرب؟ ومن سلّح الفصائل؟ ومن استثمر في الانقسام؟ ومن استفاد من إضعاف القدرة السورية على الردع؟ وكيف أمكن تحويل الانتماء المذهبي إلى بديل عن السؤال الوطني؟ومن سخر الأموال والمقدرات ومول وجند للإتيان بالحاكم الجديد ومعه تنظيم من الإرهابيين ؟

وتبدأ كذلك باستعادة الذاكرة؛ فلا تمحو صورة رجل في قصر رئاسي صورته السابقة قائدًا لتنظيم مسلح، ولا يمحو الاعتراف الدولي سجل الجرائم التي ارتكبتها الجماعة التي قادها، ولا تصبح الأرض محررة لمجرد أن السلطة تغيرت في العاصمة.

فالحناظل التي يقطفها السوريون اليوم لا تكفي مرارتها لتفسير ما حدث. ينبغي العودة إلى البذور، وإلى الذين سقوها، وإلى الذين أقنعوا الناس طوال السنوات الماضية بأن الثمر سيكون حلوًا.

وربما كان هذا هو الفارق بين نهر الجنون ونهر الوعي: الأول يجعل اتفاق الجماعة دليلًا على الحقيقة، أما الثاني فيبدأ حين يستعيد الإنسان ذاكرته وحقه في السؤال عن مصدر الماء، حتى لو كان وحده.

===================================

رابط المقال:

من نهر الجنون إلى نهر الوعي: بذور التلويث وحناظل القطاف

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

مواكب التاهو لمن تاهوا .. تحليل في اقتصاد الجهاد الاسلامي (منقول) بتصرف

عن أبي هريرة الجولاني رضي الله عنه ان نبي أمية ظل يوصينا بالتاهو حتى ظننا انها أنزلت لمن تاهوا .. وهم بها باهوا .. حتى امريكا بها ضاهوا ..

سألت سألت الذكاء الاصطناعي ما سر سيارات التاهو. وأن كل مسؤول في الحكومة السورية لديه موكب أقله من 20 سيارة تاهو
……………………………………………………………………………………………..
الجواب المختصر: نعم، مواكب “التاهو” ليست مجرد بذخ، بل هي بنية نهب منظّم، ووجودها بهذا الحجم في دولة منهارة اقتصاديًا يكشف طبيعة السلطة أكثر مما يكشف طبيعة الاقتصاد.
لكن دعني أفكك لك الظاهرة بنيويًا، طبقيًا، وبالأرقام، كما تحب.

أولاً: لماذا التاهو؟ ولماذا 20 سيارة لكل مسؤول؟
التاهو ليست سيارة عادية.
هي رمز طبقي–أمني في الأنظمة السلطوية:

محرك ضخم

قدرة عالية على الطرق السيئة

مساحة كبيرة للعتاد الأمني

زجاج مضاد للرصاص

إمكانية التعديل الأمني

حضور بصري يفرض الهيبة

وجود 20 سيارة في موكب مسؤول واحد يعني:

4 سيارات حماية أمامية

4 خلفية

4 جانبية

2 للاتصالات

2 للعمليات

2 احتياط

سيارة المسؤول

سيارة قائد الموكب

هذا ليس “موكبًا”، بل وحدة أمنية متحركة.

ثانيًا: التكلفة الفعلية لهذه المواكب
سعر التاهو الجديدة عالميًا: 55–70 ألف دولار
سعر التاهو المعدّلة أمنيًا: 120–180 ألف دولار
سعر التاهو المدرعة: 250–350 ألف دولار

إذا أخذنا متوسطًا واقعيًا: 150 ألف دولار للسيارة الواحدة

موكب من 20 سيارة =

20
×
150,000
=
3,000,000
دولار
ثلاثة ملايين دولار لموكب واحد.

وإذا كان لدينا:

30 مسؤولًا كبيرًا

50 مسؤولًا متوسطًا

100 مسؤولًا صغيرًا

فأنت تتحدث عن مئات الملايين من الدولارات فقط في المواكب.

ثالثًا: من أين يأتي المال؟
ليس من النفط.
ليس من الغاز.
ليس من الميزانية.
ليس من الضرائب.

بل من:

الجمارك

التهريب

الكبتاغون

الاتصالات

العقود العسكرية

الرسوم غير الرسمية

الجباية الأمنية

الاستيلاء على العقارات

التحويلات القسرية

هذه المواكب هي تجسيد بصري للنهب.

رابعًا: لماذا تُعدّ هذه المواكب عبثًا اقتصاديًا؟
لأنها:

1) تستهلك وقودًا هائلًا
التاهو تستهلك 20–25 لتر/100 كم.
موكب من 20 سيارة يستهلك في يوم واحد ما يستهلكه حي كامل.

2) تحتاج صيانة مستمرة
قطع غيار، إطارات، زيوت، بطاريات، تعديلات أمنية…
كلها تُستورد بالدولار.

3) تحتاج بنية أمنية
سائقون، عناصر حماية، اتصالات، غرف عمليات…
كلها تكاليف مستمرة.

4) تُظهر أن الدولة ليست دولة
بل شبكة حماية طبقية.

5) تُرسل رسالة اقتصادية قاتلة
“المال العام ليس لكم، بل لنا”.

خامسًا: لماذا يصرّ المسؤولون على المواكب الضخمة؟
لأن المواكب ليست وسيلة نقل، بل:

إعلان سيادة

إظهار طبقة

إظهار قوة

إظهار حصانة

إظهار انفصال عن الشعب

إظهار أن الدولة ليست للجميع

الموكب هو خطاب سياسي قبل أن يكون وسيلة أمنية.

سادسًا: الربط البنيوي بين التاهو والاقتصاد السوري
عندما ترى:

اقتصادًا منهارًا

عملة متساقطة

بطالة هائلة

فقرًا واسعًا

بنية إنتاجية مدمرة

وفي الوقت نفسه ترى:

مواكب تاهو

سيارات مدرعة

استيراد سيارات بـ 6 مليارات دولار

طبقة تعيش في عالم آخر

فهذا يعني أن الاقتصاد ليس اقتصاد دولة، بل اقتصاد طبقة.

الخلاصة البنيوية
وجود مواكب التاهو بهذا الحجم في سوريا ليس “تفصيلًا”، بل علامة بنيوية على طبيعة السلطة:

الدولة منهارة

الاقتصاد منهار

لكن الطبقة الحاكمة تعيش في اقتصاد آخر

المواكب هي رمز هذا الانفصال

وهي جزء من بنية نهب لا علاقة لها بالإنتاج أو الميزانية

موكب

ستوريات تاهو

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

لماذا يكرهوننا؟؟ المظلومية السنية في اوروبة أيضا بين النباهة والاستحمار

ربما لم يعرف التاريخ مظلومية حملها أهلها مثل الراية، ومثل السلاح، مثل المظلومية اليهودية. فاليهودي دائماً يقدم نفسه على أنه مظلوم، وأنه ابن السبي البابلي، وضحية السبي البابلي، وضحية ذلك الزمن الذي أخذ منه حلمه ومعبده وكنوزه وتابوته. لذلك هذا اليهودي لا يدرك لماذا هو يكره العالم .. يكره الناس .. لا يقدر على أن يحب أحدا .. ولا يقدر على أن يظهر المودة الا للمال .. ما يقدر أن يظهره هو فقط الكراهية بسبب عقدة المظلومية .. فهو لايتوقف عن سؤال نفسه مستغربا ومستهجنا وحائرا لماذا يكرهوننا؟؟ هذا السؤال هو سؤال الأمم المأزومة أخلاقياً التي لاترى سلوكها وطريقة تفكيرها ولاتراجع أزمانتها التاريخية لذلك سؤال لماذا يكرهوننا يجب أن يبحث أصحابه عن جذر السؤال المخفي تحت التراب .. وهو ليس لماذا يكرهوننا .. بل لماذا لا يقدرون أن يحبونا؟؟

الآن منذ أن بدأت الحرب على سوريا، ظهرت هناك المظلومية السنية بشكل فاقع فج .. وصار هناك من يعمل على تعمنيم المظلومية السنية على كل من هو سني سواء كان غير مظلوم او مظلوم .. السني تحول إلى مظلوم أبدي وكل عطف العالم لايكفيه .. يدور العالم .. يبكي على أرصفة العالم .. يزور البرلمانات .. يشتكي .. يوزع آلامه ومواجعه على العالم كله .. ويتلذذ بدور الضحية .. فأعطي بسخاء دور الضحية .. وعومل بسخاء كضحية كقربان ينحره المحور الشيعي .. استقبلته أوروبا .. فتحت له المجالات .. سمحت له بأن يكذب .. وغضت البصر عن كذبه .. وكذبت معه .. وكافأتخ على كذبه في المخيمات او في بلدان اللجوء حيث كانت المؤسسات الاوروبية تعرف ان كل لاجئ كان يكذب ولكنها اعطته شعورا انه ينال مكافأة على كذبه .. أعطته السلاح في وطنه .. أعطته الإعلام .. أعطته الدعم اللذي بلا ضفاف .. حاربت معه بالإعلام وبالمال .. جندت له العالم كله والإسلام كله والعرب كلهم والمال كله .. وفوق هذا أعطته مالايستحق .. أوصلته إلى سلطة لا يستحقها .. لأنه لم يكن أهلاً للسلطة.

اليوم وبسبب هذه النشأة على روح المظلومية التي تدر ذهبا بدأ السني يدخل إلى مظلومية أخرى، بعد أن كانت مظلوميته من أنه مضطهد من قبل الشيعة والمحور الشيعي والعلويين ومحور إيران، انتقلت مظلوميته إلى أنه الآن مظلوم في أوروبا .. يشتكي من اضطهاد الأوروبيين له لأنه سني .. وإبعادهم له بسبب سنيته .. وترحيلهم له .. ولكن هل هذا يدل على نضج عقلي ونضج أخلاقي وإدراك معرفي كاف؟ أنا في الحقيقة أحس أن أوقح الأسئلة على الإطلاق هو أن يقول أحدهم لماذا يكرهوننا، ولا يسأل نفسه كيف يمكن لهم أن يحبونا؟ لماذا سيحبوننا؟ ….

نعم، لماذا سيحبونهم؟

السؤال الحقيقي هو اذا .. لماذا يجب أن يحبونا؟ لماذا سيحبوننا؟ تخيل أن المسلمين يذهبون لاجئين إلى أوروبا، يحصلون على المزايا وعلى الأمان وعلى الرواتب واللجوء ويعلمون أطفالهم مجانًا ويحصلون على كل الفرص وتطلق لهم حريتهم ليقولوا ما يشاؤون .. ويصلو في الطرقات وعلى الارصفة ويرفعوا التكبيرات .. ومع ذلك هو يريد أن يهدي الأوروبيين إلى الإسلام .. هو يريد أن يقيم دار الإسلام في أوروبا ..

تخيل أن هذا اللاجئ خرج من بلده الاصلي سورية الذي كان قد أعطاه كل شيء .. حكومة وشعبا وقيادة .. تخيل أن القيادة في سوريا لم يكن لها هاجس وليس لها همّ سوى أن يرضى عنها ذلك المسلم السني الأموي المدلل .. لأنه كان دائمًا يعطي شعورًا لمن يحكمه بأنه مظلوم لأنه محكوم ولايحكم .. فكان الحاكم لا همّ له إلا أن يزيل هذا الشعور بالظلم .. يغدق عليه .. يعطيه بسخاء .. ولكن مع هذا ظل يحس أنه لم يأخذ كل حقه .. تخيل هذا السني يريد أن يعتبر أن العالم كافر.. وأن له الحق في أن يستولي على أموال الآخرين لأنه مسلم .. وأن له الحق أن يكفر الآخرين لأنه مسلم .. ويحتقر معتقدات الاخرين .. وأنه على حق في أن يغتصب نساء الآخرين ويحولهن إلى جوار وإماء وسبايا .. لأنه مسلم .. له الحق أن يشتم الآخرين ومشاعر الآخرين ومذاهب الآخرين ورموز الاخرين لأنه مسلم .. وعندما يرد عليه أي شخص وأي طرف وأي جهة بأن هذا الكلام لم يعد مقبولًا .. ولم يعد يمكن أن يغفر .. ولم يعد يمكن أن يسامح عليه .. يعود إلى زاوية المظلومية ويبكي ويلطم ويشتكي ويصبح ضحية من جديد. الآن عندما أسمع أن هناك مواطنين سوريين منزعجون من ترحيلهم من أوروبا ويقولون لأننا مسلمون سنة يتم ترحيلنا من أوروبا.

طيب يعني أنت أتيت إلى أوروبا بحجة أنك مظلوم سني، جئت الى أوروبا هربا بدينك وعقيدتك .. طيب لماذا تريد أن تبقى في أوروبا؟ المنطق يقول أن عليك الآن أن تعود إلى بلادك .. موجبات اللجوء وموجبات أن تبقى في أوروبا انهارت .. اختفت .. تلاشت .. أخلاقيًا لا يجوز لك أن تبقى في أوروبا .. عليك أن تحزم حقائبك وأن تقول لهم شكرًا لكم .. ها أنا عائد لإقامة دنيا العدل ودنيا الحق ..لا لإقامة الظلم.

لكن انظر ماذا فعلت؟ بدأت بتحويل الجميع إلى ضحايا .. كل من لايوافقك هو عدو ويتحول الى ضحية .. كلهم ظلموك ؟؟ طيب اذا كنت تقول ان العلويين ظلموك فهل ظلمك الدروز لتقتلهم؟ وهل ظلمك الكرد لتقتلهم؟ وهل ظلمك السني المعتدل لتقتله؟؟ بدأت بتحويل المجتمع الى مجتمع عنصري فيه مستوطنون سنة وأصحاب ارض أصليون .. والجميع حولتهم إلى مظلومين، ثم بعد ذلك تسأل لماذا يكرهوننا ؟؟ لماذا يريدون الانفصال عنا وتركنا والبحث عن وطنهم الجديد ؟؟ بدل أن تسأل لماذا سيحبوننا ..

بصدق انني لاأرى اي سبب ليحبك احد .. وأرى كل الاسباب لكي تكون مكروها ومنبوذا وضئيلا ومحتقرا .. ولاسبيل للعيش معك الا بعد ان ينزل عليك نبي جديد .. كمكا تمنى يوما الكاتب السوري نبيل فياض الذي تنبأ ان السنة يحتاجون الان الى نبي جديد ليؤهلهم للحياة ويعلمهم الاخلاق وان يعلمهم ان يحبوا أنفسهم قبل كل شيء .. لا، كراهيتهم لم تعد مقتصرة على كره الاخر .. بل كره الذات وكره النفس .. وكره الروح ..

نصيحتي لكل من يعتقد بالمظلومية السنية ان يقرأ كتاب الفيلسوف علي شريعتي ستعمل الشعور الديني أو المظلومية أو الانشغال بقضايا معينة لصرف الإنسان عن مساءلة نفسه ومراجعة أفعاله .. المظلومية قد تكون حقيقة تستوجب الإنصاف، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أداة للتهرب من المسؤولية. والاختبار الأخلاقي ليس أن نطالب الآخرين بالتعاطف معنا فحسب، بل أن نسأل أنفسنا: هل نعاملهم بالعدل الذي نطالبهم به؟

النباهة عند شريعتي ليست مجرد الذكاء أو الشهادات العلمية أو كثرة المعلومات، بل هي نوعان: النباهة الفردية أي أن يفهم الإنسان نفسه وحقوقه وواجباته .. وألا يسمح للآخرين بتشكيل وعيه أو استغلاله .. والنباهة الاجتماعية التي تعني أن يفهم ظروف مجتمعه .. وأسباب الظلم والتخلف.. وأن يدرك مسؤوليته عن إصلاح الواقع .. بدلاً من الاكتفاء بمصلحته الشخصية وأنانيته الدينية ..

ولكن ما المقصود بالاستحمار؟ هذا المصطلح القاسي دلالة على تغييب وعي الإنسان وتوجيه تفكيره بعيداً عن القضايا التي تستحق اهتمامه وهو يميز بين شكلين رئيسيين:

  • الاستحمار المباشر: نشر الجهل أو التضليل، وتقديم معلومات أو أفكار تحرف فهم الإنسان للواقع مثل ان تغيب احتلال جنوب سورية وجبل الشيخ واستيلاء تركيا على حلب والشمال السوري وفقدان الاقتصاد ولاثروات ومع هذا يحتفل الامستحمر انه تحرر .. وصار يقرر ..
  • الاستحمار غير المباشر: إشغال الإنسان بقضايا صغيرة أو خلافات جانبية حتى ينسى القضايا الأساسية المتعلقة بالحرية والعدالة والكرامة والمستقبل .. فتصبح العدالة هي في محاكمة شخص بريء مثل المفتي حسون .. وكثيرين ممن ليست لهم علاقة بمظلوميتك ..

وباختصار فان الاستحمار هو ماتراه اليوم في سورية .. كل الشعب يتم استحماره .. وهو سعيد بأنه تحرر واستحمر ..

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

نعم ان الساروت يجب ان يبقى رمز مايسمى بالثورة السورية .. انه رمزها الحقيقي بوجهها الدميم .. الغباء الشرير .. والشر الغبي

لاأدري لماذا نحاول ان نحرم الثورجيين من رمزهم .. ولااأدري لماذا نصر على ان نجردهم من رمزيته .. ان هذا لعمري خطأ كبير وظلم لنا نحن وليس لهم .. نعم ان الساروت هو رمز الثورة السورية .. ويجب ان نقدمه مع صورته على انه هو أجمل وأفضل رمز للثورة السورية .. فشكله دميم وقبيح ومنفّر .. ويستدعي التقيؤ .. فهو من الزط .. والهمج .. وليست له هيبة الثوار الذين نراهم في الصور التي عرفناها للثورات رغم الجهد الكبير للفوتو شوب في تقديم لوحة عظيمة لصورته القبيحة والدميمة .. ولو رآه الناس على حقيقته لاشك انهم كانوا سيضحكون من ان يتم اختصار وجه سورية الجميل وعراقة شعبها وجمال نسائها ورجالها بوجه من وجود الزط والذي لاشك نتيجة خلطات جينية لاحصر لها لقبائل مهاجرة من أسيا الوسطى تعمل في رعي الماشية شاء الزمان ان يعتبرها الشعب السوري الجميل تمثله وهي وجهه ..

الثورات العريقة الاصيلة تبحث عن وجوه جميلة تمثلها او عن رجالات تصنع العبارات والفلسفات والشعارات .. أما هذا النحات لشعارات العنصرية الدينية والكراهية فهو خير من يمثل الثورة السورية .. فهو صاحب نداءات مبتذلة وقميئة وسوقية جدا وحقيرة وفي منتهى الخسة والنذالة وفي منتهى الجهل والطائفية .. وهو صاحب نظرية في الكراهية .. كما انه يمثل في كلامه الغباء الجماهيري ويمثل السذاجة الجهادية التي تظن فعلا وتصدق انها تصنع ثورة .. وانه صار مثل جان جان روسو او روبسبيير .. او دانتون الفرنسي .. لأن الجزيرة وفريق المخابرات البريطانية والتركية والاسرائيلية أقنعوا كثيرين مثله انهم ثوار وان العالم يتعلم منهم .. فاندفع بغباء واضح لاظهار براعته الثورية وصدق الكذبة .. اندفع اندفاعا ليس له مثيل في تقديم نموذج للشر الغبي … والغباء الشرير ..

ولتعرفوا الفرق بين الثوار الحقيقيين من أناشيدهم .. قارنوا بين أهزوجة (طيارة طارت بالليل .. فيها عسكر فيها خيل .. فيها ابراهيم هنانو .. راكب على حصانو .. ) وبين أهزوجة المجنون ساروت على دق الدفوف الجاهلية (شرطة نصيرية .. صبرا ياعلوية .. بالذبح جيناكم … بلا اتفاقية) ..

نعم ياساروت .. انك انت رمز الثورة .. وسنوزع صورك في العالم على انك رمزها وأيقونتها .. وسنوزع أناشيدك الوطنية على العالم ليرى الثورة الحقيقية .. ويستمع الى الاناشيد العظيمة والالحان الرائعة وسيمفونيات بحيرة البجع السورية التي ستكون (بحيرة الزط) .. وبدل كسارة البندق سيكون لدينا (كسارة النصيرية) ..

كلهم ساروت .. وأنا متمسك به رمزا لهم ..

نُشِرت في المقالات | تعليق واحد

القياس وسيلة لكشف الالتباس .. ماذا لو كنت جاسوسا سوريا في كرسي نتنياهو ؟؟ ماذا ستفعل؟؟

أحيانًا، لا تستطيع أن تفهم مأساة الضحية بمجرد أن تستمع إليها، ولا أن تدرك حقيقة الجلاد بمجرد أن تصغي إلى ما يقوله عن نفسه. هناك تجارب لا يكشف حقيقتها إلا أن تنظر إلى العالم من موقع من يتألم، أو أن تحاول فهم منطق من يمتلك أدوات القهر والقتل والتدمير.

فالضحية تستطيع أن تصف لك وجعها، لكنها قد تعجز عن نقل عمق المأساة التي تعيشها.. ولن تحس بها الا اذا كنت انت الضحية في مكانها .. والجلاد قد يتحدث عن الأمن والاستقرار والمصلحة الوطنية، بينما تكشف أفعاله شيئًا مختلفًا تمامًا .. وقد لاتدري كيف يكون شعور الجلاد مالم تمسك بيد السزط وتصبح جلالدا مثله .. ولهذا، فإن فهم السياسة لا يقوم على الكلمات وحدها، بل على دراسة الأفعال، والنتائج، والجهات التي تستفيد منها.

حين أقول إن سلوك الرجل الذي يجلس اليوم في قصر الشعب بدمشق يثير لديّ شكوكًا عميقة بشأن الجهة التي تخدمها سياساته، ألاحظ أن كثيرين يستغربون الفكرة. بعضهم يتردد، وبعضهم يستبعدها باعتبارها ضربًا من الخيال، وبعضهم يفسر ما يحدث بأنه مجرد براغماتية سياسية أو مناورات فرضتها الظروف.

لكن لماذا نستبعد احتمالًا لمجرد أنه يبدو صادمًا؟ ولماذا لا نختبر الفرضيات من خلال نتائج الأفعال بدلًا من الاكتفاء بالانطباعات؟

دعونا نستخدم القياس السياسي، لا بوصفه دليلًا قاطعًا، بل أداة لاختبار طريقة التفكير.

تخيلوا أن جهازًا استخباريًا تمكن من إيصال عميل له إلى قمة السلطة في دولة معادية. هل نتوقع أن يرفع ذلك الشخص لافتة تعلن حقيقة مهمته؟ أم أن نجاحه، إذا كان عميلًا فعلًا، سيعتمد على قدرته على اتخاذ قرارات تبدو في ظاهرها قرارات سيادية، بينما تترتب عليها نتائج تخدم خصمه؟

لنفترض، على سبيل المثال، أن عميلًا سوريًا وصل إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية بحجة انقلاب على نتنياهو داخل المؤسسة العسكرية أو (ثورة اسرائيلية) . ما الإجراءات التي قد نتوقعها منه إذا كان يعمل سرًا لمصلحة سوريا؟ قد نتوقع منه إضعاف القدرات العسكرية الإسرائيلية، وتسريح الجيش الاسرائيلي وترك سلاحه بلا أفراد كي يدمره السوريون .. ولن يتحرك لصد السوريين الذين سيقومون بانزال على جبل الشيخ وسيتركه دون قتال بحجة انه مشغول بأموره الداخلية .. و سيقوم اتخاذ قرارات تضر بالمصالح الأمنية الإسرائيلية، أو تعميق الانقسامات الداخلية.. فيثير الاشكيناز ضد السفارديم .. والحاريديم ضد العلمانيين .. ويصمت عن مجزرة يقوم بها مستوطنو الشمال ضد مستوطني الجنوب .. أو سيسمح بتسهيل تحركات عسكرية سورية ضد إسرائيل ومرور دوريات سورية على تخوم الجليل … لكن السؤال الحاسم لن يكون: هل تشبه هذه الأفعال ما نتصوره عن عميل؟ بل: هل اتخذ هذا الشخص فعلًا تلك القرارات، وما الأدلة التي تثبت دوافعه وصلته بالجهة التي يخدمها؟

هنا نعود إلى دمشق.

إذا كانت السياسات المتبعة تؤدي إلى إضعاف الجيش السوري، أو تفكيك قدراته، أو تعميق الانقسامات بين مكونات المجتمع وقيام سياسة تحريض طائفي ودعوات عنفية واحتجاجات تثير الغرائز الطائفية دون اي عقاب او مسائلة ، أو السماح بتوسّع عسكري إسرائيلي في الأراضي السورية من دون ردع فعّال في زمن يقول ويزعم الجولاني انه حارب جيوش ثلاث دول وانتصر فيها ولكنه مع اسرائيل يتصرف وكأنه اسرائيلي لدرجة انه سيحارب في اليمن الذي حارب اسرائيل .. وسيحارب في لبنان أعداء اسرائيل، فمن حق السوريين أن يسألوا: لماذا تحدث هذه النتائج؟ ومن المستفيد منها؟ وهل كان بالإمكان اتخاذ خيارات أخرى تحمي البلاد وتمنع تفككها؟

هذه أسئلة مشروعة، ولا ينبغي إسكاتها بوصفها مبالغات أو نظريات مؤامرة لمجرد أنها محرجة للسلطة.

إن المشهد الذي يخشاه كثير من السوريين هو أن يشعر بعض أبناء البلاد بأنهم مهددون بسبب هويتهم أو انتمائهم، في حين تبدو إسرائيل قادرة على التحرك عسكريًا داخل الأراضي السورية أو على مقربة من العاصمة من دون أن تواجه ردعًا يوازي حجم التهديد. وإذا ثبت وجود تفاوت في مستوى الحماية والأمن، فمن الضروري مساءلة السلطة عن أسبابه ونتائجه.

المطلوب من السوريين اليوم ليس أن يصدقوا كل اتهام، ولا أن يرفضوا كل سؤال صادم. المطلوب أن ينظروا بعين مفتوحة إلى ما يجري، وأن يقارنوا الوعود بالنتائج، وأن يسألوا من يحكم: ماذا فعلت لحماية سوريا؟ وماذا خسرت البلاد في ظل حكمك؟ ولماذا يستطيع خصمك أن يحقق مكاسب استراتيجية بينما يدفع السوريون ثمن الانقسام والضعف والخوف؟

في السياسة، لا تكفي النيات المعلنة. الأهم هو ما يحدث على الأرض، وما إذا كانت القرارات تحمي الوطن أم تضعفه.

لا تحكموا على الحاكم من خطبه، بل من أفعاله. ولا تجعلوا خطورة الاتهام سببًا لمنع السؤال، ولا تستهيونا بالشك الذي له قوة اليقين .. فاذا أردت ان تصل الى اليقين فماعليك الا أن تمعن في الشك.

أيها السوريون،

أريد منكم اليوم أن تفعلوا شيئًا واحدًا: أن تخرجوا، ولو للحظات، من دائرة الانطباعات المسبقة، وأن تنظروا إلى ما يجري في سوريا من زاوية مختلفة.

أنا لا أطلب منكم أن تصدقوا كل ما تسمعونه، ولا أن تتبنوا حكمي لمجرد أنني أطرحه بثقة. أطلب منكم أن تفكروا، وأن تسألوا، وأن تقارنوا بين ما يقال لكم وما يحدث أمام أعينكم.

حين يرى بعض الناس أن الجولاني مجرد رجل براغماتي يناور، أو حاكم يخطئ ويصيب، أو قائد يحاول تثبيت سلطته في ظروف صعبة، أطرح سؤالًا آخر: ماذا لو كانت بعض القرارات التي نراها اليوم جزءًا من استراتيجية أوسع؟ وكيف يمكننا اختبار هذا الاحتمال بدلًا من رفضه فورًا؟

من جديد .. أعيدوا تخيل السيناريو الافتراضي.

أرجوكم فكروا .. وسأعيد عليكم الفرضية .. لنفترض أن جهازًا استخباريًا نجح في إيصال عميل إلى قمة السلطة في إسرائيل، إلى المكان الذي يجلس فيه بنيامين نتنياهو. هذا العميل لا يستطيع أن يكشف حقيقته، ولا أن يعلن أنه يعمل لمصلحة دولة أخرى. فكيف يمكن أن نحكم على أدائه؟

لن ننظر إلى خطاباته فقط. سنراقب قراراته العسكرية، وموقفه من أمن الحدود، وقدرته على حماية الجيش، وطريقة تعامله مع الانقسامات الداخلية، والنتائج التي تترتب على سياساته. وسنسأل: هل تضعف هذه القرارات إسرائيل أم تقويها؟ وهل توجد أدلة على أن ما يحدث مقصود، أم أنه نتيجة أخطاء وحسابات فاشلة؟

الآن، اقلبوا الصورة، وانظروا إلى سوريا.

هل من الطبيعي أن يقلق السوري على أمن بلاده، بينما تتسع حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية في الأراضي السورية؟ هل من المقبول أن يخاف مواطن بسبب هويته الطائفية أو انتمائه الاجتماعي، في حين يسير اليهودي في سورية اليوم آمنا مطمئنا ويتجول وهو مطمئن .. ويبني كنيسه في جوبر ويستولي على الارض فيها فيما يطرد العلوي من مسكنه .. وفيما يعيش السوري العلوي قلقا والدرزي خائفا والكردي مضطربا والسني المعتدل يعيش رعبا؟ .. في حين تعجز الدولة عن توفير شعور متساوٍ بالأمان لجميع مواطنيها؟ وهل يكفي أن تقول السلطة إنها تسعى إلى الاستقرار، إذا كانت نتائج سياساتها تثير مخاوف عميقة بشأن وحدة البلاد وسيادتها؟

هذه ليست أسئلة هامشية. إنها أسئلة تتعلق بمستقبل سوريا نفسها .. وبنظرية خطيرة لايجب ان تبقى في اطار الشك بل نظرية يتم اخضاعها للتحقيق والبرهان …

إذا كانت الدولة تفقد قدرتها على الردع، وإذا كان جيشها لا يستعيد دوره في حماية الأراضي السورية، وإذا كانت الانقسامات المجتمعية تتعمق، وهناك سياسة افقار غريبة متعمدة بحجة عدم وجود أموال لمنع الشعب من التفكير ومراقبة السلطة لأنه مشغول بلقمة عيشه .. رغم ان الأموال التي نقلت الى قبرص التركية تكفي لحل كل مشاكل السوريين الاقتصادية او تخفيفها الى حد كبير .. فمن حقنا أن نطالب بتفسير واضح. ومن حقنا أن نسأل عن القرارات التي اتُخذت، والقرارات التي لم تُتخذ، والبدائل التي جرى تجاهلها. إن هذه النتائج تثبت وحدها أن الحاكم جاسوس إسرائيلي، ولايحتاج ذلك إلى دليل إضافي .. القياس يفتح باب التحقيق، لكنه عندما يكون مقياسا وطنيا خالصا يستطيع ان يثبت الحكم في القضية بحكم نهائي لايقبل الشك ولا الطعن ..

اسألوا أنفسكم: إذا كان الحاكم وطنيًا، فما خطته لحماية السيادة السورية؟ وإذا كان مستقل القرار، فكيف يفسر تفاوت ميزان القوة على الأرض؟ وإذا كان هدفه توحيد البلاد، فما الذي يفعله لمنع الانتقام والتمييز وضمان سلامة العلويين والدروز والسنة وسائر السوريين؟

لا أريد منكم أن تستبدلوا حكمًا متسرعًا بحكم متسرع آخر. أريد منكم أن ترفضوا تقديس الحاكم وترفضوا اخضاعه لاختبار العذرية الوطنية ، وأن لاترفضوا أيضًا تحويل الاتهامات الخطيرة إلى حقائق عندما يقود التحليل العقلي والمنطقي الى اثبات انها خطيرة وأخطر مافيها أنها صعبة التصديق ..

راقبوا الأفعال. اطلبوا الوثائق وفصيلة الدم .. قارنوا التصريحات بالوقائع .. اسألوا عن المسؤولية السياسية والعسكرية.. ولا تسمحوا لأحد أن يستخدم الخوف من المؤامرة والتشكيك لإسكات النقد، أو أن يستخدم النقد والترهيب والاحراج من اتهام لم يثبت ان عكسه ضعيف ..

سوريا لم تكن ملكًا للحاكم، ولا أمن السوريين تفصيلًا في حساباته .. ومن يجلس في قصر الشعب عليه أن يثبت بأفعاله أنه سوري يحمي الشعب والأرض والسيادة السورية .. لا أن يكون مسؤولا اسرائيليا عن حماية السيادة الاسرائيلية ..

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

آراء الكتاب: الحرباء السياسيّة! – بقلم: حفيدة قاسيون الأشمّ

كنت أبحث عن أسباب تقمّص شخص لصفات شخصيّة أخرى في علم النفس؛ ذلك أن لتقمّص شخص ما لشخصيات مختلفة ومحاكاة تصرفاتها وأقوالها عوامل لا بد من البحث عنها لمعرفة أسبابها وعواملها.
وأتمنى الانتباه إلى تعريف التقمّص، إذ في أذهانكم بالتأكيد شخصيّة نموذجيّة لهذا التقمّص، كي ندرك أيّة سمات تحمل هذه الشخصيّة.
عُرِّف التقمّص في معجم التحليل النفسي بأنه عمليّة بناء الأنا وعملية تعويض ناتجة عن فقدان الشخصيّة سمة معينة، أو سمات، فهو بذلك يعدّ سيرورة نفسيّة لا شعوريّة مستمرّة لدى الفرد المتقمّص.
يرى فرويد أن التقمّص نمط من التفكير يعبّر عن أنانية في الحصول على كل السمات والصفات الإيجابيّة الخاصّة بالشخص المتقمّص.
ومن أنواع التقمّص: التقمّص النرجسي، والتقمّص الجزئي، والتقمّص العاطفي.
ويهمّنا هنا النوع الثاني (الجزئي)، وهو الذي يُبنى على التصوّر والخيالات حول صفة خاصّة لشخص آخر، وبالتالي محاولة تمثيلها بجودة مثاليّة حتى يظهر بمظهر القائد أو البطل.
وقادنا البحث في التقمّص إلى مفهوم المحاكاة، وهي لغة الجسد. ولهذا السلوك ثلاثة محاور، بينها:
الجانب المظلم: المحاكاة كسلاح للتلاعب. وتستخدم هنا كأداة خبيثة، فالمتلاعب المحترف، وهو شخص سيكوباتي، يدرس لغة جسدك ويتعمّد تقليدها بوعي كامل لاختراق دفاعاتك النفسية؛ إنه يفتعل “تأثير الحرباء” ليوهمك بأنه يفهمك بعمق، فتغيّر اللون السلوكي يزيد من فرص قبوله وإعجاب الآخرين به.
ومن سلبيّات “تأثير الحرباء” فقدان الهوية الشخصية والشعور بعدم اليقين أو القلق. كما من جوانبه السلبيّة أنه عندما تصبح المحاكاة واعية ومبالغاً فيها يُنظر إليها على أنها تلاعب أو نفاق، وفي حالات أخرى يغدو الانغماس الشديد في تقليد الآخرين تعبيراً عن ضعف شعور بالهوية الذاتية وفقدان الأصالة.


تقول الدكتورة ثروت المعاقبة عن “تأثير الحرباء” بأنه لايقتصر على التأثير فقط بل يعمل على محاكاة مشاعر الآخرين والمواقف وتعبيرات الوجه واللغة والنبرة واللكنة والمفردات، وهنا نعلم تماماً أن الشخص المتلوّن يجذبك لقاعه ليفترسك.
بعد هذا التعريف بالتقمّص والمحاكاة وتأثير الحرباء، هل عرفتم من هي الشخصيّة الأنموذج للتقمّص، ومن هي شخصيّة الحرباء السياسيّة الأنموذج؟!.

بقلم: حفيدة قاسيون الأشمّ

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

آراء الكتاب: حين يتحدث المندوب الإسرائيلي “السوري” في الأمم المتحدة – بقلم: حفيدة قاسيون الأشم

يقول المندوب الإسرائيلي البريطاني “السوري ” في جلسة للأمم المتحدة بأنه لن يحارب الكيان اللقيط وأن ساحة المعركة الوحيدة التي يعرفها هي هنا على طاولة الأمم المتحدة وطاولة الخوار، عفواً الحوار، فقط، وأن مامن داع لمحاربته، فالانبطاح والتبعية له وتنفيذ أوامره خطوة بخطوة، وأمراً بأمر، أجدى من قتاله، إذ بم سيستفيد إن حاربه؟! هل سيتلقى المال والذهب؟! حتماً لا، هل سيفقد شيئاً من كرامته؟! حتماً لا لأنها غير موجودة أصلاً. هو يتحدث باسم الشعب الإسرائيلي وباسم الحكومات البريطانية والأمريكية والخليجية أسياده الذين لحم أكتافه من دولاراتهم، فكيف يحارب الكيان اللقيط فيما أسياده في نفس الخندق مع الكيان الإسرائيلي، إن العبد لا يقارع أسياده.
إنه لايمثل الشعب السوري والدولة السورية في هذه الأمم؛ لأن الهوية السورية لا يكتبها ولا يحددها أعداؤها، بل الشعب السوري نفسه، وتاريخه الحافل بالبطولات ضد هذا الكيان بدءاً من ٦ تشرين الذي شطبه معلمه اللقيط مجهول النسب من روزنامة التاريخ السوري، وليس انتهاء بآخر معركة معه ومع مرتزقته الأمويين الزنادقة أبناء الزنا، ليس هو من يحدد طبيعتها وتكوينها ومفرداتها وتاريخها ، الشعب السوري الذي تربى على القومية والوطنية لن تمثله يابن بريطانيا، وهذا الكرسي الذي أجلسوك عليه لتتحدث بمايوافق هواهم، كبير عليك؛ إذ ليس من مقامك يا أيها البريطاني الكرسي السوري والدبلوماسية السورية، هذا التمثيل الدولي الذي لايمت إليك بصلة فضفاض جداً عليك يامهزلة التاريخ، فاخلع عنه؛ لأن التمثيل السياسي السوري يحتاج إلى رجال سوريين، ديدنهم وعقيدتهم محاربة الكيان اللقيط وطرده من كل بقعة أرض يحتلها.


وليكن في علمك وعلم مشغليك ومعلميك بأن معركتنا أصبحت مضاعفة، إذ كانت مع الكيان وباتت معه ومعكم، إذ لم نر أكثر عهراً منكم وإجراماً وطائفية، ولا أكثر صفاقة وانبطاحاً وخذلاناً، نحن الذين تربينا على معاني القومية والسيادة والوطنية والكرامة والعنفوان، لن تستطيع أن تسحبنا إلى خندقك الذليل المذل يا أيها النذل الجبان، فشتان بين الشرف والعهر، قال لن نحارب إسرائيل قال، ومن أنت لتتحدث باسم الشعب السوري، أنتم ياقرطة وشلة وأوبة الحكومة ، بدءاً من كبيركم الكراكوز، وانتهاء بأصغر أموي لقيط، لاتمثلون الدولة السورية ولا شعبها ولا تاريخها، فخذوا عهركم واخلعوا عن كراسيكم، فمن يكتب التاريخ بالدم لا كمن يكتبه بالعار!

بقلم: حفيدة قاسيون الأشم

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

ثورة من وهم .. قصة الكيماوي السوري الذي استعملته بريطانيا في سورية

لايزال اول استعمال للسلاح الكيماوي في المنطقة العربية حكرا على البريطاني ونستون تشرشل الذي استخدمه في العراق ضد الثوار في الجنوب العراقي في ثورة العشرين ..

واليوم تتكشف الاسرار التي تظهر ان الكيماوي الذي استعمل في سورية تم باشراف المخابرات البريطانية وتخطيطها .. وان كيماوي سورية هو بريطاني الهوية والتخطيط بشهادة عالم الاجتماع البريطاني ديفيد ميلر الذي اتهم “فصائل” من “المعارضة السورية” سابقاً بالتورط في قتل مدنيين وتلفيق أدلة بشأن هجمات كيميائية نُسبت إلى نظام الأسد، بينها هجمات دوما والغوطة وخان شيخون.

وأشار ميلر، الأستاذ السابق في جامعة بريستول، إلى تورط الاستخبارات البريطانية (MI6) ومنظمة «مايداي ريسكيو» المرتبطة بدعم الخوذ البيضاء في عمليات تضليل وتزييف أدلة، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عنه ..

وطبعا المخابرات البريطانية لن تعتذر عن هذه الجريمة وعن سلسلة الجرائم التي قام بها الاسلاميون والجهاديون في سورية باشراف المخابرات البريطانية وخاصة منظمة الخوذ البيضاء التي أعطيت جوائز تكافئها وهي تقوم بقتل الاسرى ..

نحن لاننتظر اعتذارا من قبل المتورطين بالتخطيط لهذه الجرائم ولكن من هو معني بالاعتذار قبل اي جهة أخرى هو الشعب السوري الذي صدق الكذبة ولم يثق بنفسه وبقيادته وجيشه وروج لها واستعملها لتبرير خيانته لوطنه وقيادته .. ومن يستحق ان نطالبه بالاعتذار أكثرهو كل النخب السورية التي لاتزال تثرثر وتقوم باعطاء آراء ونصائح للشعب السوري في هذه المرحلة وبعضهم يهاجم الجولاني ويدعو لاسقاطه .. ولكنهم جميعا تبنوا كذبة المخابرات البريطانية ولم يقوموا الى الان باعادة النظر بمواقفهم وطلب الصفح والغفران من الضحايا ومن الشعب السوري ومن الجيش العربي السوري ومن قيادته ومن الرئيس بشار الاسد لأنهم شاركوا في هذه الكذبة الانكليزية وورطوا شرائح من الشعب السوري في تغذية الكراهية ضد بلدهم وشعبهم وعززت الكراهية الطائفية لأن الجريمة نسبت لطائفة واحدة ضد طائفة أخرى …

هؤلاء لو كانوا في اليابان ولهم أخلاق الساموراي .. لاستلوا سيفوهم وركزوا مقابضها في الارض ثم ارتموا فوق رؤوس السيوف لتبقر بطونهم وقلوبهم كي يغفر لهم الشعب خيانتهم وكذبهم ..

طبعا ليسوا ساموراي بل هم شلة من المنافقين والكذابين والانتهازيين والعبيد والخراف والارانب وقليلي الاصل وأبناء زنا .. وأبناء جثث ..

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

مقال جدير بالقراءة: من مطعم مجد الطباع إلى مول القمرين: حين تُستباح الأرض وتُمحى ذاكرة تشرين – بقلم: غيلان الدمشقي

في نيسان عام 2002، دخل القنصل الأمريكي مطعم «أوكسجين» في دمشق، فطلبت منه صاحبته مجد نيازي الطباع المغادرة، احتجاجاً على الدعم الأمريكي للعدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين. لم تكن مجد وزيرة للخارجية، ولا قائدة عسكرية، ولا صاحبة منصب سياسي. كانت امرأة سورية تدير مطعماً، لكنها كانت تدرك أن السيادة لا تبدأ عند الحدود وحدها، بل تبدأ من وجدان الإنسان، من إحساسه بأن أرضه ليست مباحة، وأن كرامته لا تُباع ولا تُشترى.

لم يكن جندي إسرائيلي يومها يتجول في أسواق ريف دمشق، ولم تكن الدوريات الإسرائيلية تقيم الحواجز في قراه. ومع ذلك، لم تحتمل تلك المرأة وجود ممثل الإدارة الأمريكية الداعمة لإسرائيل في مطعمها. لم تنتظر تعليمات، ولم تحتج إلى من يشرح لها معنى الوطنية. قالت كلمتها، وغادر الرجل.

وبعد أربعة وعشرين عاماً، تتداول الأوساط المحلية في عرطوز روايات عن دخول جنود إسرائيليين إلى مول القمرين والتبضع فيه، وهي روايات لم أجد لها حتى الآن توثيقاً مستقلاً يحسم تفاصيلها. لكن مجرد تداول هذا المشهد، في ظل التوغلات الإسرائيلية المتكررة في الجنوب السوري، يكشف مقدار ما تغير في البلاد.

فكيف انتقلنا من امرأة تطرد قنصلاً أمريكياً احتجاجاً على عدوان يقع خارج حدود وطنها، إلى واقع يصبح فيه دخول جنود الاحتلال إلى الأرض السورية خبراً يتكرر، ثم يُطوى تحت ركام الأخبار اليومية؟

ليس السؤال عن القوة العسكرية الإسرائيلية وحدها، بل عن مصير دولة، وعن معنى الثورة حين ينتهي الطريق إلى انكشاف الحدود، وتفكك مؤسسات الردع، وتحول السيادة إلى مفردة في الخطب، بينما تُرسم حدود المسموح والممنوع خارج البلاد.

دولة الأمس وسلطة الأمر الواقع

لم تكن سوريا في عهد الأسد دولة غنية، ولا كانت بمنأى عن الأزمات والأخطاء. لكنها احتفظت، حتى في أشد سنوات الحرب والعقوبات الاقتصادية، بمؤسساتها العسكرية والإدارية، وبقدر من القدرة على إدارة المجتمع وتقديم الخدمات الأساسية.

وكانت الجبهة مع إسرائيل شاهداً على الفارق بين وجود دولة تمتلك أدوات ردع، مهما كانت محدودة، وبين سلطة تواجه صعوبة في منع القوات الإسرائيلية من فرض الوقائع على الأرض.

فالجولان احتُل عام 1967، لكن اتفاق فصل القوات عام 1974 جاء بعد حرب تشرين عام 1973، وبعد تضحيات الجيش العربي السوري، ليؤسس واقعاً حدودياً استمر عقوداً والاقتحامات البرية لم تكن مشهداً قابلا للتخيل.

وقد أدركت القيادة السورية السابقة، في ظل التفوق العسكري الإسرائيلي والدعم الأمريكي له، أن المواجهة لا يمكن أن تعتمد على الحرب النظامية وحدها. فدعمت حزب الله، واحتضنت حركة حماس وفصائل المقاومة الفلسطينية، وأسهمت في بناء شبكة إقليمية جعلت للاعتداء على سوريا وحلفائها حسابات تتجاوز حدودها الجغرافية.

كانت لتلك السياسة أثمان باهظة، لكنها عكست خياراً استراتيجياً يقوم على امتلاك أوراق قوة بدلاً من الاكتفاء بالمناشدات الدبلوماسية.

ومع ذلك، لم يكف خصوم النظام السابق عن اتهامه بالتفريط بالجولان، وكأن حرب تشرين وتضحيات الجيش واتفاق فصل القوات لم تكن سوى تفاصيل لا تستحق الذكر.

واليوم تنقلب المفارقة على أفّاكي الثورة. فقد سقط الجيش الذي اتهموه بالعجز، وانكشف الجنوب الذي وعدوا بتحريره، وأصبحت القوات الإسرائيلية تتقدم إلى مناطق لم تكن تدخلها على هذا النحو في العقود السابقة.

فهل يكون تحرير الوطن بإسقاط جيشه وتفكيك مؤسساته، ثم ترك حدوده مكشوفة أمام عدو لم يُخفِ يوماً أطماعه؟

إن سقوط السلطة السابقة لم يكن في ذاته دليلاً على قيام دولة أفضل، كما أن تبديل الأعلام والأسماء لا يخلق سيادة. والشرعية الوطنية، في نظري، لا تستمدها السلطة من رضا العواصم الأجنبية، بل من استقلال قرارها وقدرتها على حماية أرضها ومواطنيها.

الخبز والمحروقات والدواء: مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها

ولعل المقارنة الاقتصادية تكشف جانباً آخر من المفارقة، لا يقل أهمية عن المقارنة العسكرية.

لقد عاشت سوريا في سنوات الحرب الأخيرة تحت عقوبات اقتصادية قاسية، وتراجع حاد في الإنتاج والموارد، وانهيار في قيمة العملة، ونقص متكرر في الوقود والمواد الأساسية. ومع ذلك، استمرت الدولة السابقة في تحمل مسؤولية مباشرة عن دعم السلع والخدمات الأساسية.

بقي الخبز المدعوم جزءاً من الحياة اليومية، وبقيت المحروقات تُوزع عبر منظومة دعم وتقنين، واستمرت المستشفيات العامة والبرامج العلاجية في العمل رغم النقص والعجز. وظل توفير الأدوية النوعية، ومنها أدوية الأمراض السرطانية، من مسؤوليات المؤسسات الصحية العامة، وإن عانت تلك البرامج من انقطاعات وصعوبات حقيقية.

لم يكن المواطن يعيش في رخاء، ولم تكن الطوابير أو الأزمات غائبة. لكن الفارق بين دولة تعترف بأن عليها واجباً اجتماعياً تجاه المواطن، ولو عجزت أحياناً عن أدائه كاملاً، وبين سلطة تدفعه إلى مواجهة السوق وحده، فارق يتجاوز الأسعار إلى فلسفة الحكم نفسها.

أما اليوم، فتثقل أسعار الخبز والمحروقات والكهرباء والنقل كاهل السوريين، وتتراجع القدرة الشرائية، بينما تتوالى الوعود بالاستثمارات والانفراج الاقتصادي.

وهنا لا تكفي الاحتفالات برفع العقوبات، ولا صور اللقاءات مع المستثمرين، ولا الإعلانات عن مشاريع بمليارات الدولارات. فالاقتصاد لا يُقاس بقيمة الوعود المعلنة، بل بقدرة الأسرة على شراء الخبز، وتأمين الدواء، وتدفئة منزلها، والوصول إلى عملها.

وفي تقديري، يكشف هذا التحول عن انتقال مقلق من مفهوم الدولة الراعية، التي ترى في الدعم التزاماً سياسياً واجتماعياً، إلى سلطة تتعامل مع حاجات الناس بوصفها أعباء مالية ينبغي التخلص منها.

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح على أفّاكي الثورة ليس لماذا كانت سوريا فقيرة في سنوات الحصار، بل لماذا لم تتحول الوعود بالرخاء بعد سقوط النظام وتخفيف العقوبات إلى تحسن ملموس في معيشة الناس؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد انهيار الدولة ليس ضياع مؤسساتها العسكرية وحدها، بل أن تضيع معها فكرة الواجب العام، فيصبح الخبز سلعة لا مسؤولية، والدواء امتيازاً لا حقاً، والمواطن زبوناً في سوق لا يجد فيه ما يكفي من المال ليعيش بكرامة.

العطر الترامبي: حين تُمنح الشرعية من الخارج

لم يكن انتقال الجولاني من قيادة جبهة النصرة إلى رئاسة سلطة دمشق مجرد تحول في الملابس أو الألقاب. إنه، في جوهره، سؤال عن الطريقة التي تُصنع بها الشرعية السياسية في زمن الهيمنة الأمريكية.

فالرجل الذي ارتبط اسمه بتنظيم القاعدة، والذي حمل تاريخاً ثقيلاً من الحرب السورية، أصبح يُستقبل في المحافل الدولية، ويصافح الرؤساء، ويتلقى من ترامب عطراً أمام الكاميرات، وكأن الماضي يمكن أن يُمحى بقرار سياسي، وأن الشرعية يمكن أن تُمنح ببخة عطر.

لم يتغير الماضي، لكن رائحته السياسية تغيرت.

وفي ذاكرة السوريين منشآت مدمرة، ومدن منكوبة، ومستشفيات ومحطات كهرباء خرجت من الخدمة، وملايين الناس الذين دفعوا ثمن الحرب. ولا تستطيع صور الاستقبال أن تغلق هذا الملف، ولا أن تعفي القوى المسلحة وقياداتها من المساءلة عن أفعالها حيث تثبت مسؤوليتها.

ثم جاءت المفارقة الأكثر دلالة. ففي لقاء علني جمع ترامب بالجولاني، تفاخر الرئيس الأمريكي بما قدمه لإسرائيل، معدداً القدس والجولان، من دون أن يسجل الموقف العلني اعتراضاً من الجولاني على ذكر الجولان في تلك اللحظة. وبعد ذلك روى الجولاني أنه مازح ترامب مقترحاً منحه الإسرائيليين ولاية نيوجيرسي بدلاً من الجولان السوري.

إنها «الجرأة بأثر رجعي» التي تناولتها في مقالتي السابقة «ضحكٌ كالبُكا»، حين يصبح المرء في روايته اللاحقة أكثر جرأة مما ظهر عليه في حضرة القوة.

وهنا يستحضر المرء هجاء المتنبي لكافور الإخشيدي:

لَقَد كُنتُ أَحسِبُ قَبلَ الخَصِيِّ
أَنَّ الرُؤوسَ مَقَرُّ النُهى

فَلَمّا نَظَرتُ إِلى عَقلِهِ
رَأَيتُ النُهى كُلَّها في الخُصى

وَماذا بِمِصرَ مِنَ المُضحِكاتِ
وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكا

وهذا ما يجعل أبيات المتنبي حاضرة في الذهن أمام مشهد الجولاني وضحكه على نكتة نيوجيرسي. ففي القراءة المجازية لهذا المشهد، تبدو ضحكته أمام الحديث عن الجولان تعبيراً عن غياب الموقف السياسي الذي تقتضيه السيادة. وهنا تكتسب سخرية المتنبي معناها: حين تختل العلاقة بين السلطة والحكمة، يصبح موضع العقل نفسه موضع تهكم، وتتحول الملهاة السياسية إلى مأساة وطنية.

فالجولان ليس طرفة، والسيادة ليست سرعة بديهة، والاعتراض على الاحتلال لا يُقاس بقدرة الحاكم على إضحاك الحاضرين، بل بما يتخذه من مواقف وإجراءات لحماية الأرض السورية.

وفي تقديري، فإن المأساة ليست في خضوع سلطة ضعيفة لموازين القوى وحدها، بل في أن يصبح هذا الخضوع أساس بقائها، وأن يتحول الاعتراف الخارجي إلى بديل عن الشرعية الوطنية، فتُقدَّم التنازلات بوصفها حكمة، والعجز بوصفه واقعية، والتبعية بوصفها انفتاحاً على العالم.

من أذربيجان إلى دمشق: المفاوضات تحت القصف

دخلت سلطة الجولاني في اتصالات ومفاوضات مع إسرائيل بحثاً عن تفاهم أمني، في مسار أراه أقرب إلى طلب القبول من قوة الاحتلال منه إلى التفاوض من موقع الندية.

وفي تموز 2025، جرت اتصالات سورية إسرائيلية في أذربيجان، ثم شهدت دمشق في السادس عشر من الشهر نفسه غارات إسرائيلية استهدفت مبنى هيئة الأركان ومحيط القصر الرئاسي.

يا لها من مفارقة: سلطة تبحث عن التفاهم مع إسرائيل، فيأتي القصف الإسرائيلي إلى قلب عاصمتها.

وهنا يستحضر التاريخ مشهداً آخر. ففي أيلول 1993، وقف ياسر عرفات في حديقة البيت الأبيض ليصافح إسحاق رابين، تحت رعاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، أملاً في أن تفتح اتفاقات أوسلو الطريق إلى الدولة الفلسطينية.

وبعد تسع سنوات، كان عرفات محاصراً بالدبابات الإسرائيلية في مقر المقاطعة برام الله.

ليس التاريخ نسخة مكررة من نفسه، لكنه يكشف أحياناً عن منطق ثابت: حين يذهب الطرف الأضعف إلى التفاوض من دون قوة ردع، فإن المصافحة لا تمنع الطرف الأقوى من مواصلة فرض إرادته بالسلاح.

ولا يعني ذلك أن الدبلوماسية نقيض السيادة، بل إن التفاوض الذي لا يستند إلى قدرة على حماية المصالح الوطنية قد يتحول إلى وسيلة لإدارة اختلال موازين القوى، بدلاً من تغييره.

وهنا تتجلى مأساة الجنوب السوري. فلم تعد الاعتداءات الإسرائيلية مجرد غارات جوية متفرقة، بل أصبحت التوغلات البرية والحواجز والاعتقالات وفرض القيود على حركة السكان جزءاً من الواقع الذي تعيشه قرى عديدة.

إنني أرى في هذا الواقع نتيجة سياسية وعسكرية لانهيار منظومة الدولة السابقة، وقيام سلطة لم تُظهر قدرة على بناء بديل رادع، بل اتجهت إلى طلب التفاهمات والاعتراف من القوى التي تستفيد من ضعف سوريا.

لقد انتهت شعارات التحرير، في قراءتي لما آلت إليه البلاد، إلى نتيجة تناقض مضمونها المعلن: تقويض مؤسسات الدولة، وتفكيك عناصر قوتها، وترك الأرض مكشوفة أمام الاحتلال. ومن هنا يبرز السؤال عن المسافة بين الوعود الثورية ونتائجها الفعلية، وعن مسؤولية القوى التي رفعت تلك الوعود ثم آلت إليها السلطة.

أين أصوات المنابر التي ملأت سوريا ضجيجاً؟

على مدى خمسة عشر عاماً، استُخدمت المنابر الدينية والإعلامية في تعبئة الناس ضد النظام السابق. ولم يقتصر الخطاب على نقد السلطة وسياساتها، بل تحول لدى بعض الخطباء والدعاة إلى تحريض مذهبي، وإلى دعوات لقتل طائفة بعينها.

وأمام ما يجري اليوم، يحق لنا أن نسأل أولئك الذين لم تتوقف أصواتهم عن الحديث باسم الدين والوطن: أين غيرتكم على الأرض السورية؟ أين غضبكم من دخول القوات الإسرائيلية إلى القرى؟ وأين خطبكم عن الكرامة حين تُقصف دمشق وتُستباح حدودها؟

كلامي موجّه إلى خطباء أهل السنّة الذين صمتوا عن مذابح العلويين في الساحل، وعن الهجمات والتحشيدات الطائفية التي استهدفت أهل السويداء، والتي أحمّل سلطة الجولاني مسؤولية تأجيجها وإطلاق العنان للمجموعات المتطرفة المشاركة فيها.

وأين أصوات هؤلاء الخطباء اليوم، وهم يشاهدون أهل السنّة أنفسهم، من جنوب سوريا حتى تخوم دمشق، يتعرضون لانتهاكات القوات الإسرائيلية؟ وأي معنى يبقى للخطاب الديني حين يصمت عن انتهاك كرامة السوري، علوياً كان أم درزياً أم سنياً، ثم يدّعي احتكار الحديث باسم الدين والوطن؟

لقد استطاع بعضهم أن يجعل من إسقاط النظام السابق غاية تتقدم على كل اعتبار، حتى بدا وكأن الوطن نفسه يمكن أن يدفع الثمن ما دام الخصم السياسي قد سقط.

وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الحرب السورية: أن يصبح الانتصار على الخصم الداخلي أهم من حماية البلاد من العدو الخارجي، وأن تتحول الوطنية من انتماء إلى الأرض إلى ولاء لجماعة أو سلطة.

كيف تآكل الوجدان الوطني؟

لا أعتقد أن الشعوب تولد شجاعة أو خانعة، ولا أن السوريين فقدوا بطبيعتهم القدرة على مقاومة الإذلال. لكنني أعتقد أن سنوات الحرب الطويلة وما رافقها من تحريض إعلامي ومذهبي قد أحدثت تصدعاً عميقاً في الوعي الوطني.

فحين يُقنع الإنسان طوال سنوات بأن خصمه الداخلي هو العدو المطلق، قد يفقد تدريجياً القدرة على ترتيب الأخطار. وحين تتحول السياسة إلى معركة وجودية بين جماعات متناحرة، يصبح الوطن مجرد ساحة للصراع، لا قيمة عليا تجمع المختلفين.

وقد أسهمت منابر إعلامية إقليمية، ومنها بعض المنابر الخليجية، في ترسيخ هذه الرؤية، عبر اختزال سوريا في صراع على السلطة، وتقديم انهيار مؤسساتها بوصفه انتصاراً من دون حساب كلفته الوطنية.

ولذلك فإن استعادة الوعي الوطني تبدأ بإعادة التمييز بين الدولة والحاكم، وبين الوطن والسلطة، وبين نقد النظام وتدمير المؤسسات التي تقوم عليها حياة الناس وأمنهم.

من حرب تشرين إلى صلاح الدين: إعادة تشكيل الذاكرة الوطنية

في الخامس من تشرين الأول 2025، صدر المرسوم رقم 188 الذي حدد العطل الرسمية، وأسقط عطلة السادس من تشرين الأول، ذكرى حرب تشرين التحريرية، وأدخل يوم الثامن من كانون الأول بوصفه يوم التحرير.

وهكذا أصبح اليوم الذي ارتبط بتضحيات الجيش العربي السوري خارج التقويم الرسمي للعطل، بينما أصبح انهيار الجيش العربي السوري مناسبة للاحتفال.

وليس هذا، في نظري، مجرد تعديل إداري. إنه تعبير عن إعادة ترتيب الذاكرة الوطنية بحيث يبدأ التاريخ من لحظة وصول السلطة الجديدة، وتُدفع إنجازات الماضي وتضحياته إلى الهامش لأنها لا تنسجم مع الرواية السياسية المنتصرة.

ولم يكد الجدل حول تغييب ذكرى تشرين من العطل الرسمية يخبو، حتى جاء خبر نقل تمثال صلاح الدين الأيوبي من جوار قلعة دمشق، في العاشر من تشرين الأول 2026.

وبررت محافظة دمشق نقل التمثال بتبرير سخيف، زاعمةً أن الأمر يتعلق بالصيانة والترميم ودراسة موقع جديد له. لكن هذا التفسير الإداري لا يجيب عن السؤال الأهم: لماذا يُنقل رمز تاريخي ارتبط بتحرير القدس من موقعه أمام قلعة دمشق، في وقت تتعرض فيه الأرض السورية للتوغلات الإسرائيلية؟

فصلاح الدين ليس مجرد فارس من البرونز، بل رمز تاريخي ارتبط باستعادة القدس ومقاومة الحملات الصليبية. وقد ظل تمثاله في قلب دمشق حاضراً في ذاكرة المدينة، شاهداً على مرحلة من تاريخها وعلى المعاني التي اختار السوريون تخليدها في فضائهم العام.

ولا توجد قرينة مستقلة تثبت أن نقل التمثال جاء استجابة لرغبة إسرائيلية. لكن تزامن هذه الخطوة مع إلغاء عطلة حرب تشرين والتوغلات الإسرائيلية يمنحها، في قراءتي، دلالة رمزية تستحق المساءلة.

فحين تتراجع القدرة على حماية الأرض، يصبح الحفاظ على الذاكرة الوطنية أكثر أهمية، لا أقل. وحين تُنقل رموز القوة والانتصار من مواقعها المألوفة، يكون من حق الناس أن يسألوا عن الأسباب والبدائل، وعن موقع تلك الرموز في الصورة التي يراد للعاصمة أن تقدمها عن نفسها.

إن أخطر ما في إعادة كتابة التاريخ ليس أن تتغير أسماء المناسبات أو مواقع التماثيل، بل أن يصبح الماضي كله خاضعاً لحسابات السلطة الراهنة، فيُحتفى بما يخدم شرعيتها ويُهمَّش ما لا ينسجم مع روايتها.

وهكذا يلتقي سؤال تشرين بسؤال صلاح الدين: هل تُصان الذاكرة الوطنية بوصفها ملكاً عاماً للسوريين، أم يعاد تشكيلها مع كل تبدل في السلطة؟

من أوكسجين إلى القمرين: ما الذي بقي من الوطن؟

في عام 2002، كانت امرأة سورية ترى في وجود قنصل أمريكي في مطعمها، في ظل العدوان على الفلسطينيين، ما يستدعي موقفاً شخصياً دفاعاً عن الكرامة.

وفي عام 2026، نجد أنفسنا أمام واقع تتكرر فيه التوغلات الإسرائيلية، ويواجه السوريون الغلاء وتراجع القدرة الشرائية وتآكل الدعم، فيما تتوالى الوعود بالاستثمار والازدهار، ويثار الجدل حول موقع حرب تشرين وصلاح الدين في الذاكرة العامة.

لم يكن السوري في زمن الحصار يعيش حياة كريمة بالمعنى الاقتصادي الكامل، لكن الدولة كانت لا تزال تتحمل جانباً من مسؤولية الخبز والمحروقات والعلاج. أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا بقي للمواطن من واجبات الدولة، وماذا بقي للوطن من أدوات السيادة؟

إنني لا أرى في المسار السياسي لسلطة الجولاني ما يطمئن إلى استعادة الدولة الوطنية المستقلة. بل أرى، في اتجاهاته العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، مؤشرات إلى اتساع الارتهان للخارج وتقديم اعتبارات بقاء السلطة على مقتضيات حماية الأرض والناس.

وفي قراءتي، قد تحولت موارد البلاد ومؤسساتها إلى غنائم تتنازعها شبكات النفوذ، بدلاً من أن تكون ملكاً عاماً للسوريين؛ وهي مسؤولية سياسية تستوجب الكشف والمحاسبة، لا الاكتفاء بالشعارات.

فالسيادة ليست علماً يُرفع، ولا عطراً يُهدى، ولا نكتة تُروى في حضرة رئيس أمريكي. إنها قدرة الدولة على حماية حدودها، وصون ذاكرة شعبها، وضمان الحد الأدنى من كرامة مواطنيها.

وبين مطعم «أوكسجين» ومول القمرين، وبين ذكرى تشرين وتمثال صلاح الدين، تقف سوريا أمام سؤال واحد تتفرع عنه الأسئلة كلها: كيف نحفظ الوطن حين تتغير السلطات، وكيف نمنع أن تصبح الأرض والذاكرة وحقوق الناس جزءاً من غنائم المنتصرين؟

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يلاحق أفّاكي الثورة ليس: كيف أسقطتم النظام؟ بل: ماذا فعلتم بالوطن بعد أن سقط؟

=================================

رابط المقال:

من مطعم مجد الطباع إلى مول القمرين: حين تُستباح الأرض وتُمحى ذاكرة تشرين

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق

الانتقام من صلاح الدين والاستعدداد لتمثال السلطان عبد الحميد .. والبداية كانت بتماثيل حافظ الاسد ثم في ضريح حافظ الاسد .. واليوم تمثال صلاح الدين .. وغدا قبره .. ترجمة حرفية لعبارة (هاقد عدنا يلاصلاح الدين)

ساذج من يظن ان هذه التغييرات في معالم المدينة بريئة .. وانها ليست لغة عبرية ورسالة انطلقت من القرن الحادي عشر الميلادي واستقرت في قلب القرن الواحد والعشرين .. وانها رصاصة انطلقت من القدس وعبرت ألف سنة من الزمن عائدة لتستقر في قلب صلاح الدين الايوبي ..

السؤال الذي يطرحه كل سوري وكل مسلم هو: ماهي الفائدة والغاية الان من نقل تمثال صلاح الدين من قرب قلعته وقبره وتحويله الى مكان ناء لايراه الناس ولايرى الناس .. فحيثما كان قرب القلعة كان يراه السوريون جميعا .. فهناك سوق الحميدية وهناك الطريق الى الجامع الاموي وهناك القلعة التي سميت باسمه .. وهي مناسبة يومية ليتذكر السوريون انهم أمتداد لتلك المرحلة وأن من هزمهم صلاح الدين عادوا .. وليس فقط الجنرال غورومن نسبت له عبارة (هاقد عدنا ياصلاح الدين) .. بل الحقيقة ان القدس التي حررها صلاح الدين قد سقطت بيد الغرب عبر وكيلته اسرائيل .. وان حطين ثانية صارت حاجة ملحة ..

لم يكن الجنرال غورو قادرا على الانتقام من ضريح صلاح الدين لكن أحفاده اليوم سيفعلونها بيد الاسلاميين انفسهم .. سفراء اسرائيل في دمشق ..

كل مايذكّر السوريين بمرحلة صلاح الدين يجب ان يزال من المشهد لينشغل الناس بمشهد آخر .. ويصبح صلاح الدين بعد فترة في ذاكرة السوريين نوعا من الجبنة لأن اخلاء الساحة غالبا هي تمهيد لوضع تمثال السلطان عبد الحميد أمام باب الحميدية .. لنقل الناس لمرحلة العيش في المرحلة العثمانية حيث اعداء العثمانيين غير أعداء السوريين .. وابطال السوريين غير أبطال العثمانيين .. بدليل انه لايوجد اي اشارة في تركيا لصلاح الدين على الاطلاق ..

من يلاحظ كيف ان هناك عملية تكسير الذاكرة وقطعها بالسكين ينتبه كيف ان الانتقام من تماثيل حافظ الاسد لم تمكن فقط تعبيرا عن غضب شعبي بل كانت امتثالا لخطة اسرائيلية غربية في ايجاد قطيعة بصرية مع كل من حاول ايذاء اسرائيل وحاربها وحارب الغرب ومشروعه في المنطقة .. فقد تم توجيه غضب الناس نحو تماثيل حافظ الاسد .. وبعدها بايام تم النيل من هيبة القبر .. ثم صارت اهانة الروح نشيدا وطنيا .. وانتقاما اسرائيليا من الرجل الذي أوجع اسرائيل وأيقظ الروح السورية والوطنية ..

اليوم سيزال تمثال صلاح الدين وسيزرع مكانه شيء أخر .. ربما شجرة .. وربما متحف في العراء لصيدنايا وخرافاتها .. أو تمثال لعبد الحميد لينسى السوريون في كل صباح صلاح الدين ويصبّحوا وجوههم بشخصية عثمانية باعت فلسطين .. فالصهيونية لاتنسى من خدمها .. فكل الوثائق اليوم تنفي فكرة ومزاعم ان عبد الحميد رفض بيع فلسطين بل الحقيقة انه كان يقايض الوكالة اليهودية وأن بيع مساحات شاسعة من الارض كانت في عهده وكانت هذه بؤرة الاستيطان الاولى .. ولكن اسقاطه كان مشروعا امبراطوريا بريطانيا ضد امبراطورية قديمة وكانت الوكالة اليهودية جزءا منفذا فيه ..

عليكم ان تتوقعوا انه بعد مرحلة ترحيل التماثيل .. سيتم التحريض على القبور .. وقد ينقل قبر صلاح الدين الى مكان ناء ويوضع في مكانه ضريح لادخل لدمشق به .. وأخشى ان يأتي زمن ينبش فيه قبر صلاح الدين من قبل قوى كارهة له بتحريض غربي خفي للانتقام من صلاح الدين بعد أن أظهر الاسرائيليون براعة في تحويل السوريين الى قطيع همجي بلا حضارة .. وشعب نابس للقبور ولاعن لارواح عظمائه .. ولاتستبعدوا ان ياتي يوم تجد فيه مجانين يسبون ويشتمون روح صلاح الدين ويغنون (يلعن روحك ياصلاح الدين) ..

هذا شعب نابش للقبور .. ولاعن للأرواح .. ويحتفي بالجواسيس ويزعّمها عليه .. ويحتفل بالمحتلين .. ويقتل ابطاله .. ويلاحقهم في الجبال .. والوديان .. والا لما تجرأ رجل في العالم على اقتلاع صلاح الدين حصان صلاح الدين .. ورميه بعيدا عن الناس .. وتوجيه اهانة لقلبه والانتقالم لحطين .. كما انتقم الجولاني من الساحل السوري والسويداء وهما من أنجب قادة قارعت الغرب والصهاينة .. فانتقم من المكونات السورية التي تنجب الابطال ..

نُشِرت في المقالات | أضف تعليق