في الصراعات الكبيرة تظهر ظواهر جديدة تبدو وكأنها تولد من بطن الزمن لتقدم عظتها .. فالتاريخ لايكتفي بالقاء المواعظ والدروس وتكرار نفسه .. بل هو معني باستيلاد الرموز والقصص الجديدة .. ولن يكون التاريخ تاريخا اذا كان يتكرر .. بل ان التاريخ كائن ولود .. يلد احداثا جديدة …
وفي تاريخ القضية الفلسطينية ظهرت كائنات غريبة في التاريخ هي التي نحار في التعامل معها لأن لاهوية لها .. فلا هي صديقة ولا هي عدوة .. ففي الوقت الذي يفتش فيه الناس اليوم عن العدو فانني أبحث عن كائن خرافي يتسلل في الشرق ليفتك بالمقاومة الفلسطينية .. فنصفه عدو ونصفه صديق .. لأن هذا هو مايجب أن أحذره ..والحقيقة أن هذا الكائن الخرافي هو (صديقي وصديق عدوي) .. وهذه معادلة لم توجد في معادلات الصراع البشري .. لكنها موجودة في معادلة الصراع مع العدو الاسرائيلي .. فهناك شيء جديد من التحالفات الغريبة التي ولدت في هذه المنطقة .. لم تعهده التحالفات عبر التاريخ .. وهو يكسر القواعد القديمة لتحديد الصديق والعدو .. فهناك تعريف لأصدقائك بأنهم (صديقك .. وصديق صديقك .. وعدو عدوك ) أما أعداؤك فهم ثلاثة (عدوك وعدو صديقك وصديق عدوك) .. الا في قواميس السياسة العربية حيث هناك كائن هلامي اسمه صديقك هو صديق عدوك .. وعدوك هو عدو عدوك .. فأصبحت تركيا هي صديقة العرب وصديقة اسرائيل والناتو .. حيث صارت سورية عدوة اسرائيل ولكنها عدوة العرب الجدد في الربيع العربي في معادلات عجيبة وخلطات لاشبيه لها لهذيانات خرافية ..
ولكن ماذا يكون الشخص الذي يكون صديقي وصديق عدوي أيضا؟ .. وهو نوع هجين من العلاقات المعقدة التي يحاول البعض ان يطلق عليهم اسم (المحايدين) أو النائين بالنفس .. ولكن في صراع من مستوى الصراع العربي الاسرائيلي هذا النوع من الكائنات الهلامية الرخوة خطير جدا على الفلسطينيين والعرب .. لأنه في الصراعات الوجودية أنت تحتاج الى صديق نقي وليس الى صديق هجين .. وعدو نقي لاعدو معدل وراثيا ..
هناك حالتان تنطبقان على هذا النوع من العلاقات الخطرة التي يستهين بها العربي .. هي علاقة تركيا وقطر بالمقاومة الفلسطينية وتحديدا حماس .. فالغريب أن يصدق عاقل في العالم أنه يمكن لتركيا الناتوية التي ترتبط باسرائيل بعلاقات وصداقة ومصالح اقتصادية وأمنية واتفاقات عسكرية وسياسية وهي التي تمدها بالغذاء عبر ميناء حيفا .. وبالرغم من كل هذا يعتبرها البعض أيضا صديقة للمقاومة لأنها أطلقت شعارات واحتفالات ومظاهرات واستقبلت بعض قادة حماس على السجاد الاحمر الذي تستقبل عليه الوفود الاسرائيلية .. والغريب ان وضع تركيا لايختلف عن وضع الاردن الهاشمي لصاحبه عبدالله الثاني .. كحليف ظاهري للفلسطينيين .. ونوابه لايتوقفون عن الخطابات والمطالبة بطرد السفير الاسرائيلي وايقاف النعاهدات والتطبيع دون ان يرف جفن الملك .. ولكن في نفس الوقت لاتتوقف قوافل الانقاذ وسلاسل التوريد من عبور الاردن نحو تل ابيب بكل أطايب لاطعام ووسائل الحياة .. ولافرق بين خط تركيا حيفا وخط الامرات -عمان – تل أبيب ..


ونفس الأمر ينطبق على قطر .. فهناك من لايزال يصر على ان يصنف قطر على انها صديقة للمقاومة ومشروعها لانها تستضيف بعض قادة حماس .. وتعطي بعض المال .. ولكن قطر مفتوحة لاسرائيل بكل ديبلوماسييها وموسادها وتجارتها .. وقطر تشاغل سورية وحزب الله وتحرض عليهما وتمول المسلحين الذين يشاغلون الجيش السوري .. الجيش الوحيد العربي الذي يمكن ان يهدد اسرائيل كجيش .. والجيش السوري هو الذي يدرب كل أعداء اسرائيل ويزودهم بالسلاح من الرصاص الى الصاروخ .. فهو مدرب حزب الله ومدرب الفصائل الفلسطينية وهو خزان السلاح الرئيسي لهم .. ولكن قطر تعتبر نفسها عدوته و صديقة للفلسطينيين .. وهو نوع ضبابي غريب من الاغراق بالوهم والايهام .. وتشويش صريح على المنطق والعقل وصرامة التاريخ في تصنيفه للعدو والصديق .. فلايوجد في كل التاريخ ان يكون لك صديق هو أيضا صديق عدوك .. يمده بكل أسباب البقاء .. ويعينه عليك .. ويمنعك من قتله ..
تركيا اليوم هي أكثر أشكال هذا الكائن الغريب المخادع خطرا .. والذي يتصرف وكأنه صديق الفلسطينيين والعرب .. ولكنه في نفس الوقت صديق الغرب والاوربيين والاسرائيليين .. وهناك من لايزال يصدق ان صراعا وجوديا من مستوى وحجم الصراع مع المشروع الصهيوني يمكن ان يتحمل او يقامر بوحود هذا الشكل الغريب من الكائنات الرمادية المخادعة .. الذي يدعي انه صديقك ولكنه يعطي عدوك كل أسباب الحياة التي تمنعه من الهزيمة والتي تؤمن له أسباب الصمود .. فالنفط التركي المسروق من الحقول السورية النفطية يصل بلا توقف الى حيفا ويحرك معاملها .. وسلاسل التوريد التركية أنقذت الاسواق الاسرائيلية من نفاذ الأغذية الطازجة .. وهي تتعاون مع خط دبي تل ابيب لاغراق السوق الاسرائيلي بكل أسباب الصمود والغاء قيمة الدعم اليمني العظيم لغزة بخنق عنق اسرائيل وقطع الاوكسجين عنها ..
اليوم وصل الرئيس اردوغان (الشهير بحادثة سرقته لمدينة حلب والذي سرق شمال سورية وسرق الزيتون والنفط والقمح وشباب سورية وأرسلهم للقتال في ناكورني كارباخ وليبيا وليس في فلسطين) .. وصل الى مصر .. وظهر في المشهد على أعتاب غزة .. فقد ظهر زائرا لمصر مع عدوه القديم السيسي .. وسمعنا غزلا ونوعا عهدناه في الكلمات عن الاشقاء المصريين والاتراك .. كما درجت عادة أردوغان في الميل لاكتشاف الاخوة عندما يخطط لسرقة أخيه وقتله .. فهو وصف الاكراد بالاخوة وكان مسعود البرزاني أخا له في خطاباته .. والرئيس بشار الاسد كان أخا عزيزا له .. وحتى بوتين كان أخا عزيزا ..
لماذا ظهر أردوغان في هذا التوقيت في مصر؟؟ هل صحيح انها زيارة مجدولة من قبل .. وليس لغزة نصيب الاسد منها؟؟
المتاح من معلومات هو أن الزيارة تكليف من اميريكا لاردوغان بالدخول الى جانب المصريين للاتفاق على انقاذ اسرائيل من ورطة غزة .. بادخال المقاومة في خدعة الاطمئنان للضامن التركي .. فتركيا (الاسلامية) ستقدم عرضا للمقاومة من أنها ستكون الضامن لوعود اسرائيل الى جانب مصر .. وهذه الوعود لن تكون تعهدات علنية بل تعهدات سرية .. لأن اسرائيل تريد ان تنهي الحرب دون أن تظهر عليها الخسارة والتراجع .. ومكافأة أردوغان هي تخفيف الضغط عن الليرة التركية التي صارت بوزن الريشة (المخطط أدناه لفاجعة الليرة التركية التي يريد اردوغان انقاذها على حساب غزة) ..

مشروع أردوغان يقضي أن تقلل المقاومة من لاواقعية مطالبها والاستجابة لـ (لاواقعية) المطالب الاسرائيلية .. وهناك اقتراح ان تضع المقاومة الاسرى الأسرائيليين في عهدته .. وسيكون الطيب اردوغان وتركيا الى جانب مصر في حماية مطالب المقاومة .. ويظن من سرب الأمر ان يقترح الاتراك ان يتم نقل الاسرى عبر معبر رفح الى تركيا .. وستظهر اسرائيل على انها أخرجت قضية الاسرى من أيدي حماس .. وانها لم تقدم تنازلات .. لأنها لن تتعهد علنا بأي شيء ولكنها ستتعهد لتركيا سرا بضمانات طلبتها حماس ..
أتمنى من المقاومين في غزة أن ينتبهوا من فخ الوقوع في الاطمئنان لتركيا .. المعركة التي خاضها أهل غزة أسطورية ومذهلة ومن المفجع ان تسقطها الخيانة والغفلة ..
عليهم أن يتعلموا من مقابلة بوتين أن لاضامن في الكون لأي حق الا ممن كان صديقك فقط وليس صديقك وصديق عدوك .. الاوروبيون قدموا كل الضمانات للروس عدة مرات .. وبعد ان نقض الاميريكون الاتفاقات كان الضامنون الاوروبيون يقولون انهم لايقدرون على فعل شيء .. وهذا طبيعي فلايمكن لأصدقاء اميريكا ان يكونوا أصدقاء لروسيا أيضا ..
وقبل ذلك قبل الفلسطينيون بضمانة الاتحاد الاوربي بشأن الاسير الفلسطيني أحمد سعدات وقبلوا بتسليمه على ان تتم حراسته بقوة أوروبية .. وبعد ان نفذوا مطالب اسرائيل اقتحمت اسرائيل السجن واعتقلت سعدات ولم يدافع عنه الضامنون الاوربيون .. وتركوه لمصيره وانسحبوا ..
نفس الضمانات لاتفاقات اوسلو قدمها الاوروبيون والاميريكون .. والنتيجة هي استيطان كل الضفة الغربية ..
اياكم ان تظنوا ان تركيا بردائها الاسلامي ستكون أكثر ضمانا من الضامن الاوروبي .. فتركيا في النهاية دولة ناتو ولها مصالحها .. وهي تعتبر ان عودتها للشرق ليس لمصلحة العرب بل هي مصلحة تركية خالصة لانها تعتبر ان لها الحق كقوة ناتوية ان يكون لها حصة من كعكة الشرق الاوسط .. وهي تفتش عن الغاز والاتفاقات التجارية وليس لاعمار غزة .. وقد رأى الاخوان المسلمون بأم أعينهم كيف ان اردوغان كان ضد حكم العسكر الانقلابيين (كما كان يصف السيسي) .. ولكنه في لحظة صدر له أمر امريكي بالتقارب مع السيسي .. جمع اخوان مصر الذين كانوا في تركيا في ليلة وضخاها وقطع ألسنتهم بالمقص .. ووضع في مؤخرتهم خازوقا تركيا ..
البعض يظن أن حماس الاخوانية ملتزمة بالتنظيم العالمي للاخوان وأنها ستضع نفسها في خدمته كما هي مرحلة خالد مشعل الذي ذهب الى أردوغان وأعطاه البندقية الفلسطينية لتقاتل معه في سورية وليبيا .. ولكن برأيي فان هناك أمرا في غاية الاهمية وهي ان حماس ليست اخوانية خالصة بحكم الطبيعة والصراع … فهذه امتداد لحركة تحرر وطني تعاني الاحتلال .. وليست تتمتع برفاهية التنظيمات في بلدان مستقلة .. ووجدت الاخوانية طريقا واسلوبا من أسباب التحرير .. والحركات الوطنية التحرررية تنتج أشكالا متعددة من التشيكلات والمقاومات .. حسب كل مرحلة .. فمرحلة النهوض القومي العربي ومن الناصرية والبعث .. ظهرت منظمة التحرير في قلب الشعب الفلسطيني .. وكانت امتدادا للحركة القومية العربية بدليل ان كثيرا من المقاتلين العرب كانوا يبدؤون تدريباتهم مع فتح .. حتى ان الشهيد عماد مغنية بدأ حياته العسكرية في معسكرات فتح قبل ان ينتقل لشكل كفاحي جديد في حزب الله .. عندما ظهرت المرحلة الاسلامية التي أنتجتها مرحلة الثورة الاسلامية في ايران وحزب الله انبثقت من فلسطين حركات اسلامية .. ومنها حماس وهي نسخة من حزب الله بطابع فلسطيني .. ولذلك فان عصب حماس ليس اخوانيا بقدر ماأنه وطني فلسطيني .. ولهذا السبب تمكنت حماس من الانقلاب على نفسها وعلى تيار خالد مشعل عندما وجدت انه مشروع اخواني لتركيا اكثر من أنه لفلسطين .. وهي اليوم تطالب باطلاق اسرى غير اخوانيين وليسوا لحماس لكن اداءهم الوطني فلسطيني خالص مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات .. فكلما اقتربت الحركة التحررية من الخط الوطني فانها تتعزز مكانتها وأداؤها النضالي .. وعندما تتراجع في أدائها الوطني تترهل وتسقط كما حدث مع فتح التي ترهلت وسقطت منذ مرحلة أوسلو وصارت تحتاج الى عملية انقاذ .
حماس والمقاومة اليوم ستتعرض لضغوط محرجة تركية .. بحجة ان تركيا تريد انقاذ أهل غزة من المجزرة .. رغم ان تركيا المنافقة قادرة على ان تنقذ غزة بايقاف تصدير النفط والأغذية وتجميد العلاقات التجارية والعسكرية والامنية مع اسرائيل وتستعمل نفوذها في الناتو لتطلب من دول الناتو الضغط على اسرائيل .. لكن تركيا اكتفت بالمظاهرات التي قدمتها لندن ونيويورك .. وليس لها أي فضل على غزة في هذا .. فكل مظاهرات العالم لم توقف قتل الاطفال ..
مشكلتنا في أننا نتنكر لدروس التاريخ وحكمه القديمة .. فأصدقاؤك ثلاثة وأعداؤك ثلاثة .. أما أن يكون صديقك صديقا لعدوك فهذا هراء يجعل التاريخ يضحك ويعلو صوت ضحكاته عليك .. أما نصف صديق ونصف عدو فهذه تصنيفات لم نشهدها الا في زمن الخداع الكبير الذي صرنا نقبل فيه كائنات هلامية نصفها صديق ونصفها عدو … مثل مخلوقات الاساطير الاغريقية .. فالبغاسوس طائر خرافي له أجنحة نسر وجسم حصان .. وابو الهول أسد له رأس رجل .. هذه كائنات خرافية لاتوجد في عالم الحقيقة بل في عالم الاحلام .. مثلها مثل تركيا الاسلامية الناتوية .. جسد ناتو ورأس مسلم .. ومثل قطر المحتلة بقاعدة العيديد وهي تقود حركة التحرر العربي والفلسطيني فتخيلوا جسما فيه قاعدة عيديد وجزيرة ولكنه يقود الحرية والديمقراطية العربية ضد اميريكا والغرب !! ..
شيء عجيب هذا الهراء الذي لايزال العرب الطيبون يدفعون ثمنه من وجودهم وحياتهم وهم يصدقون هذه الكائنات الخرافية .. ويصدقون ان في التاريخ شيئا اسمه نصف صديق ونصف عدو ..
خشيتي ان تصدق المقاومة الضمانات التركية .. فاليوم دخلت تركيا لتنقذ اسرائيل من حماس والمقاومة .. وليس لتنقذ غزة وأهلها .. غزة تقاتل بضراوة مثل طروادة .. لايمكن اسقاطها الا بالخديعة .. خديعة الحصان التركي والاسلامي القطري .. وعليها ان تكون حذرة جدا في المفاوضات .. ومسؤوليتها التاريخية عن اي خطأ لاتغتفر .. لأنها أمام فرصة تاريخية لن تتكرر .. فقد تعثرت اسرائيل وهي مرتبكة جدا ومصابة بالهياج .. وترتخي قبضتها عن المنطقة .. وتقترب من مصير مجهول .. وانهيار بيت العنكبوت ..
التنبيهات: نشرة “كنعان”، 15 فبراير 2024
التنبيهات: Pourquoi Erdogan s’est-il rendu précipitamment en Égypte ? – Monde25
bravo bravo bravo !! excellent article !! vous avez tout compris !! chere madame on va s’amuser et c’est pour trés bientot !!