‏من حسني الزعيم الى ابو محمد الجولاني: المهمة واحدة – بقلم: الدكتور سيف دعنا

في الثلاثين من آذار/ مارس 1949، حدث أول انقلاب عسكري في تاريخ الشرق الأوسط بتخطيط عميلَي السي أي إيه مايلز كوبلاند وستيفن ميد، وانتهى بسيطرة مجموعة من الضباط اليمينيين بقيادة حسني الزعيم على الحكم في سوريا، كما اعترف كوبلاند ذاته لاحقاً، ووثّق غيره ذلك التورط

الأميركي في سوريا (عزا البعض سبب التخطيط الأميركي إلى الرفض الشعبي والحكومي السوري حينها بالسماح لشركة نفط أميركية ببناء خط أنابيب يمر عبر أراضيها).

كان أول ما قام به حسني الزعيم هو التواصل مع الكيان الصهيوني (كما تشير أرشيفات الكيان نفسه) بعد أقل من سنة على النكبة ومباشرة بعد وصوله للحكم وعرض عليهم اتفاقية “سلام”، تضمنت اقتراحا واستعدادا بتوطين ٣٠٠ الف من اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وحتى خاض مفاوضات

اتفاقية الهدنة (هدنة حرب ١٩٤٨) بطريقة تثبت للصهاينة جديته وحسن نيته تجاههم، وحتى طلب لقاء المجرم الصهيوني ديفيد بن غوريون (قبل أن يفعلها السادات بثمانية وعشرين عاما تقريبا).

طبعا، مكان ومكانة وتاريخ وجغرافيا سوريا العربية لا تسمح بمكان لمثل هؤلاء السفلة ولا ينتج وجودهم واستمرارهم إلا الإضطرابات وعدم الإستقرار في كل البلد وحتى المنطقة. لهذا سقط الزعيم واطيح به في ١٤ آب/أغسطس 1949، بعد أربعة أشهر فقط (من 30 مارس حتى 14 أغسطس 1949).

لماذا سقط الزعيم؟

لم يخترع الجولاني العجلة بالتواصل مع الكيان وإعلان استعداده للتطبيع. ليست القضية هنا فلسطين فقط، أو أنها قضية خيانة لكل العرب وكل قضاياهم. ببساطة، التطبيع يتعارض مع مكان ومكانة وموقع وجغرافيا وتاريخ سوريا وسينتج بالضرورة اضطرابات وعدم استقرار لا نهاية لها

في سوريا. فإن كنت سوريا ونظرت الى خريطة بلادك، فسترى في الشمال سلاجقة اردوغان قد شمروا عن أذرعتهم وشحذوا سكاكينهم لتقطيع وبلع سوريا (وحتى لو كان غيرهم هو من يحكم تركيا، فسيكونوا دوما خطرا على سوريا واطماعهم فيها لا تتوقف إلا إن استطاع العرب مجتمعين وضع حد

لهم). أما إن نظرت للجنوب فسترى الكيان الصهيوني قد شحذ سكاكينه منذ نكبة فلسطين، وربما حتى قبلها (كما تشير الخرائط المقدمة من قبل الوفد الصهيوني لما يسمى “مؤتمر باريس للسلام” الذي عقد لإعادة رسم خرائط العالم بعد الحرب العالمية الاولى) للنيل من سوريا واحتلال

ما يمكنه منها. أمامك فقط حل واحد: أن تقاتل الكيان وتتحالف مع من يقاتله وأن تعمل على تقوية سوريا ما استطعت وتؤسس لتكتل عربي يوقف سلاجقة تركيا عند حدودهم (ويجبرهم لاحقا ان يعيدوا أراضينا المغتصبة في لواء الاسكندرون) ويتصدى للكيان حتى تحرير كل فلسطين.

الجولاني بإعلانه قبول التطبيع لا يجرب المجرب في الحقيقة. هو يعيد التجربة (ملهاة ومأساة أصبحت كليشيه). هو جاء لهذه الوظيفة حصرا. الفارق بين الجولاني وحسني الزعيم أن الزعيم جاء في زمن كانت الإنقلابات العسكرية ممكنة. أما الجولاني فكان على الغربيين والكيان وتركيا

وبعض العرب السفلة أن يدمروا سوريا ويحاربوا لـ ١٤ سنة فيما سموه “ثورة” حتى يوصلوه للحكم ببرنامج حسني الزعيم نفسه.

تقول الرواية الرسمية (التي قد لا تكون دقيقة إلا في المصير الذي انتهى اليه الزعيم) أنه بعد أربعة أشهر فقط من الحكم سقط الزعيم في ١٤ آب ١٩٤٩، وانه خضع لمحاكمة عسكرية أمام المجلس الأعلى للحرب وأُدين بتهمة الخيانة العظمى وأعدم في اليوم نفسه رميًا بالرصاص.

حمى الله سوريا ولعن الجولاني

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق