آراء الكتاب: «كونفرانس» شرق الفرات يضع حكومة دمشق في خانة اليك – بقلم النذير من الشرق

منذ سقوط نظام بشار الأسد، دخلت سوريا في مرحلة غير مسبوقة من التحولات السياسية والاجتماعية والعسكرية. المشهد الداخلي تفتت إلى جبهات متصارعة، وتحولت البلاد إلى مسرح لتدخلات إقليمية ودولية متشابكة. محاولات إطلاق «حوار وطني» كانت حاضرة على الورق، لكنها في الواقع جرت بمعزل عن تمثيل كافة المكونات السورية، حيث جرى تهميش وإقصاء قوى محلية وشرائح اجتماعية أساسية. وفي الوقت نفسه، شهد الساحل الغربي توترات مرتبطة بإعادة تموضع القوى الأمنية والعسكرية، فيما تفجرت في الجنوب، خصوصًا في السويداء، احتجاجات ذات طابع سياسي واجتماعي تطالب بإصلاحات جذرية ورفض التهميش.

الوضع الداخلي السوري اليوم يحمل بصمات الانقسام العميق: اقتصاد هش، منظومة مؤسسات متآكلة، وغياب ثقة بين السلطة والمجتمع. رغم الهدوء النسبي في بعض الجبهات، إلا أن الجمود السياسي وغياب عملية سياسية شاملة فتح الباب أمام مبادرات بديلة، محلية الطابع. غير أن هذه المبادرات غالبًا ما تصطدم بجدار من التعنت السياسي في دمشق، أو تدخلات إقليمية تسعى لحماية مصالحها على الأرض السورية.

في هذا السياق جاء “كونفرانس شرق الفرات”، الذي مثّل منصة التقاء بين «الثالوث الوطني» وعدد من القوى والفئات الأقلوية التي لا تحظى بتمثيل سياسي في مؤسسات الدولة أو حتى في الهياكل المعارضة الرسمية. الرسالة الأساسية للاجتماع كانت واضحة: سوريا واحدة، غير انفصالية، مع ضمان تمثيل برلماني عادل ومشاركة فعلية لجميع المكونات. المشاركون شددوا على أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تشمل كل السوريين دون إقصاء، وأن تتجاوز الاصطفافات الضيقة نحو مشروع وطني جامع.

هل ستتجاوب دمشق مع هذا النداء وتحتضن المشروع الوطني السوري بما يضمن شراكة حقيقية لجميع الأطياف؟

هل سيتدخل الطرف التركي لممارسة ضغط مباشر على حكومة دمشق فيما يتعلق بملف شرق الفرات، خصوصًا مع تداخل الملف الكردي وحسابات الأمن القومي التركي؟

“كونفرانس شرق الفرات” وضع حكومة دمشق أمام اختبار حقيقي بين خيارين: الانفتاح على مشروع وطني جامع يُعيد بناء الثقة ويمهّد لمرحلة استقرار نسبي، أو التمسك بسياسة الإقصاء والرهان على المعادلات الأمنية وحدها، وهو مسار قد يطيل أمد الأزمة ويفتح الباب لمزيد من التدخلات الخارجية. الرسالة وصلت، والكرة الآن في ملعب دمشق.

بقلم النذير من الشرق

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق