كتب داود أبو شقرة: (الخروج من التاريخ خروج من الجغرافيا)

يعتقد أنه مع انتهاء مهلة ال 72 ساعة، سيتم حسم ملف الجنوب السوري في اجتماع باريس اليوم بين أسعد الشيباني وزير الخارجية في حكومة دمشق الانتقالية، ورون دريمر وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي والمبعوث الأميركي توماس باراك.
ولفك شيڤرة الاجتماعات الدولية، فإن الإنكليز يرسمون، ويدفعون باريس إلى التنفيذ، وهذا يعني أن اجتماعات باريس تعني دراسة الخرائط الجديدة في المنطقة بموافقة إنكليزية-أميركية. وإن الاجتماعات في دول شرقية (ٱذربيجان مثلا) هي مجرد اتفاقات أمنية.
والٱن بعد أن أُنضجت الأمور، حانت لحظة اتخاذ قرارات مصيرية صعبة استغرقت إرهاصاتها مئة وأربعة أعوام، وكان ونستون تشرشل وزير المستعمرات البريطانية، قبل أن يصبح المندوب السامي بعد هربرت صموئيل صاحب الفكرة الأساس لإبعاد نابليون بونابرت عن المشهد، بأنه أول من فكَّرَ بإقامة (دولة يهودية) لفصل عرب ٱسيا عن افريقيا، قبل مئة سنة من مؤتمر بازل، وصرح بذلك للمسيو فانتور كبير علماء الحملة الفرنسية عام ١٧٩٨م.
صموئيل هو الذي طرح فكرة إقامة دول على أساس ديني وطائفي في “الشرق الأدنى” -وفق تسميات وزارة الخارجية البريطانية- كمبرر لقيام “الدولة اليهودية” التي كانت عنوانا للوثيقة الصادرة عن مؤتمر بازل في سويسرا عام ١٨٩٧ برئاسة تيودور هرتزل.
لقد التقت مع الفكرة نفسها التي طرحها الصليبيون بعد نجاح “حروب الاسترداد” في الأندلس، ونقل الصراع إلى ما وراء البحر المتوسط، هذه الفكرة التي تلقفها البطريرك الياس الحويك عام ١٩٢١ مطالبا كليمنصو رئيس وزراء فرنسا ٱنذاك: “صارلكم ٧٠٠ سنة بتوعدونا بدولة على الساحل الشرقي للمتوسط”. فقال كليمنصو: الجنرال بياباب نزل بفلسطن، يمكن منحكم جزءاً منها” ورسم قوساً على خريطة سوريا، فكانت لبنان. لكن الإنكليز يعملون بهدوء وصبر وصمت، فبعد وعد ارثر بلفور بأربعة عقود نفذوا الوعد.
خاصة بعد انتصار الحلفاء في الحربين العالميتين الأولى والثانية، في حين رمى الشريف حسين أحلام دولة العرب في شباك مكماهون، واما الحاج أمين الحسيني فكان رأيه أن ألمانيا هي المنجاة…
هذا الشعور بالخواء والانهزام توالى على مدى الاحتلال العثماني، لم لا وقد تقاعست السلطنة العثمانية عن نصرة غرناطة لمنعها من السقوط، وتوجهت بجيوشها لمحاربة الصفويين والعرب (المماليك) بذريعة تنظيف البيت الداخلي، مدعية أن إسماعيل الصفوي يشكل خطرا فارسيا شيعيا على الوجود السني. تلك المقولة- الشعار كانت إحدى كذبات التاريخ الكبرى، فلقد كان إسماعيل هذا سنيا وتركيا أيضا، وليس شيعيا كما أشيع، لكنها الحرب على “حطام الدنيا” وتلك فوتت على المسلمين متابعة. فتوحاتهم في أوروبا، وأخرجتهم من الأندلس لأنهم انشغلوا بحروب بعضهم بعضا.
وما أشبه اليوم بالأمس، حيث نجد الدول الإسلامية المتخلفة اقتصاديا وصناعيا وحتى في أنظمة الحكم والدساتير والقوانين منشغلة في حرب بعضها بعضا ولازالت حتى بدأت الحركات الانفصالية تقسم المقسم، تلك التي أجهضها أجدادنا قبل قرن وأربع سنوات.
لقد نجحت إسرائيل في إقامة “الدولة اليهودية” بعد خمسين عاما (كما وعدت في مؤتمر بازل). وشجعت على قيام كيان لبناني سنة ١٩٤٣ على أساس ديني كممهد لقيام دولة يهودية في ١٥ أيار ١٩٤٨، ثم قامت محاولات عدة لإحياء فكرة الدولة الدرزية التي قامت بين عامي ١٩٢٢ و ١٩٣٧، أي قبل قيام الدولة اليهودية بإحدى عشرة سنة، وكذلك دولة العلويين في الساحل السوري، ودولتان للسنة في دمشق وحلب، وملحقان بالدولنين السنيتين هما العشائر البدوية شرق حلب (منطقة ب) وعشائر البادية السورية ملحقة بدولة دمشق (منطقة أ).
إن الروح الوطنية التي تمتع بها أجدادنا السوريون ٱنذاك ارتقت فوق الروح العشائرية والمذهبية والدينية، في مجتمع كان يرزح ٨٠٪ منه تحت جهل الامية، في حين تبدلت نسبة التعلم في مجتمعاتنا الحالية إلى ٨٠٪ وانحسرت الأمية إلى عشرين من اولئك الذين لا يميزون بين (بني أمية) و(محو الأمية) ولكنهم هم الفاعلون على الأرض في كرسوا حدود التقسيم -بالدماء- إلى جانب مساطر واقلام الدول الغربية التي رسمت الخراىط لتحقق “شرق أوسط جديد” تتوسع فيه خرائط دول على حساب أخرى ، وكما عبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب “إسرائيل نحيلة” أي أنه يجب توسيعها لتضم الحلم التوراتي “من بابل إلى مجمع البحرين” أي (من الفرات إلى النيل) لأن “مجمع البحرين” يقع شمال القاهرة (قرب القناطر الخيرية)، وهي ليست بحاجة لتشجيع على ذلك، إذ إنها الدولة الوحيدة في العالم التي لا تمتلك دستورا دائما، بل هي كما عبر وزير الحرب الشهير موشي ديان پان “حدود إسرائيل. تنتهي مع أبعد مسافة تطالها جنازير الدبابات الإسرائيلية”.
وذات يوم دخل رئيس الوزراء إسحق شامير إلى مدرسة في الجولان، وكانت المعلمة تشرح للطلبة درسا في الجغرافيا، وقد رسمت خريطة إسرائيل على السبورة، فقال للمعلمة: “لا تثبتي في أذهان الطلاب حدودا لدولتنا لأنها ليست نهائية، عليهم أن يدرسوا التاريخ بمعزل عن الجغرافيا”.
إن موروث “العهد القديم” يحدثنا عن جلعاد وجبل نبو وحورين (حوران) والتراخونيد، والملك عوج، في الجبل، وكيف نجا من الطوفان، وكذلك الحضارة النطوفية في أغوار الاردن وفي اللجاة بجبل الدروز “قرَّاصة” تحديدا، قبل أن يعبر يوشع بن نون ببني إسرائيل نهر الأردن إلى الضفة الغربية حيث ارض كنعان، أرض اللبن والعسل “الموعودة”. وقبل أن يوحد الملك داود الأسلاك في دولة قوية بلغت ذروتها في عهده وعهد ابنه سليمان بن داود بحيث بسطت سيطرتها على دول الجوار وصولا إلى العراق واليمن.
كما تضم الخرائط الكثير من الخرائب الأثرية التي تحدث عنها المستشرقون في بلاد الشام والعراق مند ثلاثمئة سنة.
كل ذلك يؤكد أن المنطقة التي لم تهدأ الحروب فيها يوما، ما كانت لتؤخذ إلا بتفرق أبنائها، تماما كما غزا الٱشوريون دمشق الٱرامية اربع مرات كانت فيها متضامنة مع العمونيين والمؤابيين، والديكابوليس عامة، فعادوا مدحورين، حتى تفتت جبهتهم الداخلية، فتم احتلال دمشق وفرض عليهم اتفاقيات مذلة ومكوسا باهظة.
اليوم يعود التاريخ القهقرى لملوك الطوائف الذين فقدوا الاندلس سنة ١٤٩٢م لا بقوة ألفونسو، ولا بقوة إيزابيلا وزوجها، بل بتفرق كلمتهم، واختلافها على تفسير القرٱن الكريم، كفروا بعضهم بعضا، فخرجوا من التاريخ، وخسروا الجغرافيا أيضا…

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق