الواقعية الثورية تقتضي ان تنسوا الجولان وأن تحرقوا القرآن ..الثورة التي تعبت .. وروح حافظ الاسد التي استراحت ..

لم أكن يوما على أي قدر من السذاجة كي أصدق الاسلاميين بعد الربيع العربي .. واذا كان من فضل للربيع العربي فهو انه أسقط الاسلاميين جميعا .. واسقط المسلمين .. وربما للأسف اسقط الاسلام الذي صار بيته منخورا .. فما يحدث اليوم هو محرقة الاسلاميين الكبرى .. وهو اليوم احراق للقرآن نفسه .. فليس من أحرق الورق كان يحرق القرآن .. بل ان احراق القرآن هو في احراق معناه ونسف سوره .. وبيع بعضها في نيويورك بحجة التعب الثوري .. فالاسلاميون ذاهبون لا لبيع الجولان .. بل لبيع القرآن نفسه بالجملة أو بالمفرق ..

السقوط الذي يسقطه الاسلاميون سيكون في دمشق .. فهاهم صاروا على ضفاف القدس .. وهاهي فلسطين وأرض الاسلام لم يعد بينها وبينهم أيه حواجز واية فواصل .. بل المسافة صفر بينهم وبين (اليهود) كما كانوا يقولون بأننا منعناهم من الوصول الى اليهود ..

وهاهو الله ينتظرهم في المسجد الاقصى مع النبي .. فلطالما وعدوه ..

وهاهي غزة تنتظر منهم ان يسرجوا خيولهم وانغماسييهم مثل المعتصم ليفرضوا على الاسرائيليين وقف اطلاق نار يحبس دماء الغزيين ..

ولكن فجأة ظهرت لديهم نظرية التعب الاسلامي .. فالاسلاميون يحاضرون علينا انهم هزموا الامبراطورية السوفييتية بأذن الله .. وهزموا الكفر والالحاد في الشيوعية باذن الله .. وهزموا الطواغيت في ليبيا واليمن ومصر والعراق وسورية باذن الله .. وهزموا الفرس والمجوس والايرانيين باذن الله .. وهزموا حزب الله والجيش السوري ومعهم الجيش الروسي باذن الله .. ولما وصلوا الى فلسطين وفتحت الابواب أمامهم .. أصيبوا فجأة بالتعب والارهاق .. وقرروا الاستراحة في نيويورك .. وصار كل همهم ان يريحوا الشعب السوري من الحرب لانه تعب منها .. ولأن دولته منهكة ومدمرة .. وجلس الاسلاميون يلتقطون أنفاسهم في سورية بعد كل هذه الرحلة الطويلة الجهادية .. وحتى ان (اذن الله ) تعب وصار يحتاج استراحة .. في نيويورك باذن الله ..

وكل العنتريات الاسلامية تعبت وصارت تبحث عن استراحة الان فقط على حدود نتنياهو .. وقررت ان تتحول الى قطط في جبل الشيخ .. وفي الجنوب السوري .. تعب الرصاص أيضا .. وتعبت الانتحاريون ,, ولم تخرج رصاصة واحدة ولو تمثيلا او بشكل مسرحي .. ولم تطلق قنبلة دخانية او صوتية او مفرقعات او حتى ريح من المؤخرات .. من أجل سمعة الدكان الاسلامي .. بل صمت مطبق .. وكأن الاسلام صار قبرا أمام دبابات نتنياهو وجنرالاته واحتفالات وضع حجر الاساس للمستوطنات الجديدة في الجنوب السوري ..

اذا كان الجولاني سيتعب بهذه السرعة فلماذا أيده الله؟ أم أن الله تعب أيضا من الجهاد ومن السهر على المجاهدين .. وتعبت الملائكة التي كانت تنزل عليهم وهم يقاتلون الجيش السوري ؟؟ أم انه يظن أنه في نيويورك وفي الاتفاقات الامنية سيوقع صلح الحديبية .. مثل صلح حديبية كامب ديفيد ؟؟

اليوم اكتمل المشهد الذي كان غامضا ومستعصيا على الفهم .. انه وصل الكمال والتمام .. الدائرة بدات ترتسم في الخمسينات عندما خرج الاخوان المسلمون ضد ثورة ناصر التي قررت مواجهة اسرائيل .. وتابعت الدائرة خطها في الثمانيات عندما تابع الاخوان المسلمون نفس الرسالة ضد حكم الرئيس حافظ الاسد .. وبوصول أردوغان كانت الدائرة الاسلامية تتابع رسم مسارها في ربعها النهائي .. فوصول الاسلاميين الى السلطة في بلد يحكمه الجيش والناتو لم يكن مجرد غلطة تاريخية .. لأن اردوغان جاء الى اسرائيل .. وهناك تم توقيع الربيع العربي .. وقال شارون يومها مقولة شهيرة .. لاتستطيع اسرائيل تغيير الشرق كما تريد من دون مساعدة تركيا ..

ووصل الربيع العربي بعد اردوغان .. وفي الربيع العربي أصدر الاخوان المسلمون البلاغ رقم واحد عن خروجهم نهائيا من الصراع مع الغرب .. وعن التخلي عن فلسطين والقدس والاقصى .. وكان ذلك عبر بيان شهير لـ (عبود الزمر) زعيم الجماعة الاسلامية التي قتلت أنور السادات .. وفي ذلك البيان الذي سماه (المراجعة) .. أقر ان قتل السادات كان خطأ .. وأن السادات هو شهيد ..

لم يفهم الناس عمق المراجعة .. ولكنها كما وصفها صديق مفكر استراتيجي يومها كانت أخطر بيان سمعه على الاطلاق .. فهذه المراجعة برأيه اعتبرت ان مافعله السادات من تعامل مع الاسرائيليين والتخلي عن القدس والجهاد صحيح ومثاب .. وهو من قلب الدين … ومن يقتل السادات كافر .. والسادات شهيد بالتعريف الاسلامي .. اي ان الحركة الاسلامية قررت ان السلام مع الاسرائيليين قرار نهائي .. وأن من يعترضه آثم .. ومن يقتل في سبيله فهو شهيد .. وهل هناك من تفسير لهذه المراجعة الشهيرة الا هذا؟؟

والملاحظ في تلك المراجعة انها لم تتعرض لأي انتقاد من اي تيار سياسي اسلامي على الاطلاق من المحيط الى الخليج .. وكأن هناك من أصدر أمرا موحدا لجميع الاسلاميين أن القرار الآن هو بالخروج نهائيا من المواجهة مع الغرب والثمن من اجل هذا الخروج هو اقامة الخلافة ..

وقد اكتملت الدائرة تماما في 8 – 12 – 2024 .. بوصول الجولاني الى دمشق .. وسيضع النقطة الأخيرة في نيويورك .. حيث البيع النهائي باسم الاسلام والشريعة والغالبية السنية في العالم الاسلامي ..

اليوم .. ضميري أنا مرتاح جدا .. وضمير كل من حارب معنا في الدفاع عن دمشق وسورية .. لأننا كنا نحارب من أجل منع هذا اليوم الذي تباع فيه الارض والكرامة والدين والتاريخ .. بل ان ضمير كل شهيد في الأعالي يستريح اليوم .. فما استشهد من اجله لم يكن تحت تأثير خدعة ولادعاية ولاكذبة .. فلم نكذب على أحد .. ولم نبع دم شهيد .. بل استشهدنا من اجل قضية حقيقية وهي ان لايقال عنا اننا خذلنا أرضنا وديننا وتاريخنا وأبناءنا القادمين ..

نعم متنا .. ولكن متنا من أجل أن نمنع العار الذي وصل .. وفعلنا مافي وسعنا .. وسنقف مرفوعي الرأس أمام التاريخ ومحاكمه .. وأمام الاجيال التي ستحاسب الجميع .. وسنكون فخورين باستشهادنا .. ومبادئنا .. وفخورين اننا لم نكن نخدع انفسنا .. ولم نخدع أحدا .. وأن الثورة كانت هي الخدعة الكبرى التي سيدرسها جيل قادم كما سيدرس الثورة العربية الكبرى ومراسلات حسين مكماهون والفخاخ الانكليزية .. وسيقرأ التاريخ اليوم مراسلات اردوغان نتنياهو .. ومراسلات الجولاني وجوناثان باول .. وسيقرأ مراسلات كثيرة .. وسيبصق كل من يقرأ هذه المراسلات على مسلمي هذه الايام .. وسيحتقرهم .. وسينبش قبورهم نبشا ويذروها في الهواء ليتخلص من عار هذه الايام ..

اليوم سترتاح روح حافظ الاسد في أعاليها .. وهو يرى أن العالم كله سيرى كيف انه حافظ على الأمانة التي وضعت في عنقه .. وخدم بلده مخلصا .. وأنه هو الذي جعل من الجولان وفلسطين أم القضايا السورية .. فلولا تمسكه بكل ذرة تراب وبكل قطرة ماء من طبرية لكان الجولاني اليوم مرتاحا وهو يتنازل .. ولكن طيف حافظ الاسد وأشباح رجاله الذين رحلوا ولم يوقعوا سيبقى حوله ينظر اليه بغضب .. ويجعل كل السوريين حتى من يبرر ويقرر ويحرر محرجا أمام ذاته .. ويخجل من النظر في عيني حافظ الاسد .. وهم يعرفون في دواخلهم أن حافظ الاسد قهرهم جميعا .. واذلهم جميعا .. وهو اليوم يظهر ضآلتهم جميعا أمام طيفه العملاق في الشرق وفي التاريخ لانه رفض كل اغراءات الدنيا وكل الاتفاقات الامنية ولم يقبل ان يذهب الى نيويورك ولا الى اي مكان .. بل فقط أراد أن يغمس رجليه في مياه بحيرة طبرية .. وليس في بحر نيويورك ..

اعطت الدنيا لحافظ الاسد وللرئيس بشار الاسد كل ماتشتهي النفس والضعف البشري .. ولكن أمام التاريخ كان الاثنان يقولان للمانحين والضاغطين والمرغّبين والمرهّبين: ( يفتح الله .. نحن لانوقع .. ولانبيع .. والجولان اما أن يحررها جيلنا او جيل آخر .. سيأتي حتما .. وكل الاوراق التي يسيل عليها الحبر لاتساوي واقعا .. بل الواقع هو الارض التي نوقع عليها بالدم .. وحبر الجولاني سيمحوه دم شباب قادمين .. سيمحو حبره وذكره )..

نم أيها القائد الخالد قرير العين .. ففي هذه الايام تتزاحم القلائد والأوسمة والاوشحة على اسمك وعظمتك .. في كل يوم اعتراف وقلادة وشهادة ووشاح .. وكل كلمة وكل صورة تعترف انك كنت ترى مانراه اليوم .. من أن خوان المسلمين لايعطون حكما ولا وطنا .. وايقن الجميع اليوم ممن كرهك وناصبك العداء من أن الاستسلام ليس من شيمك أو شيم السوريين الحقيقيين .. وانك لن تلوث يدك بمصافحة حقيرة .. ولن تهين دمشق بعلم أزرق .. ولا باتفاق أمني .. ولن يقول التاريخ يوما: في زمن الاسد .. وفي زمن البعث .. وفي زمن العلويين .. بيعت القدس وفلسطين والجولان والاسلام .. والقرآن ..

بل سيقول التاريخ بغضب: بعد ان غاب الاسد .. وزمن البعث .. وزمن العلوييين .. ضاعت القدس وضاع الاسلام وضاع القرآن الذي صار مبتورا .. وسيسأل السائلون التاريخ بفضول: ولكن في أي زمن سقطت القدس وهدم الاقصى وبيعت فلسطين والجولان بالجملة وكأنها حمل من البطاطا على حمار الجولاني سيبيعه في نيويورك؟؟

وسيجيب التاريخ كعادته بكل صراحة: في زمن بني أمية ..

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق