مقال جدير بالقراءة: فاروق الشرع.. الرواية المفقودة عن رجل فقد نفسه – بقلم: وتد من قاسيون

ليس في السياسة مصادفات، كما ليس في الرواية بطل بلا قدرٍ يُفضي به إلى سقوطه أو خلوده. وفاروق الشرع، الذي صاغته يد حافظ الأسد بحنكة البنّاء الذي يعرف مقاسات الجدار وموضع الحجر، كان أحد أبناء تلك المدرسة التي آمنت أن السياسة هي فنّ الوقوف بثبات حين يسقط الجميع. لكنّ الرجل الذي كان يوماً لسان الدولة ووجهها، انقلب في آخر المشهد إلى ظلّ باهت، كأنما أنهكته المرايا التي طالما تباهى بانعكاس صورته فيها، في تجسيد مذهل لمقولة شكسبير: “أحياناً، القناع الذي نرتديه يصبح وجهنا الحقيقي.”

لقد صنعه حافظ الأسد على عينه، لا لبلاغته وحدها، بل لقدرته على أن يكون صوت دمشق في وجه الريح. كان دقيقاً في كلماته، موزوناً في إيقاعه، يتحدث كما لو أن كل حرفٍ عنده مرسوم على حجر. ولو لم يكن الأسد، لما عُرف الشرع، ولربما انتهى موظفاً متقاعداً في مؤسسة الطيران، يروي حكايات عن زمنٍ لم يصنعه بيده. تلك هي الحقيقة التي ضاعت بين مجاملة التاريخ وغرور الرجل بنفسه، فتجلّت مأساة آدمية شبيهة بما كتبه تولستوي: “كل سقوط يبدأ بخطيئة صامتة.”

لكنّ ما بدأته يد الدولة ختمته يد السياسة الناعمة القادمة من الخليج. ومنذ مطلع الألفينيات بدأت قطر تبني حول الشرع أسواراً من الغواية، وفتحت له نوافذ المال والنجومية، عبر صبيّها الأثير عزمي بشارة، الذي تولّى طباعة “الرواية المفقودة” وتلميع صاحبها مع بدايات الحرب على سورية، حين كان العالم العربي يجتر براز الجزيرة، ويبتلع طُعم ما سُمّي بـ«الربيع العربي». لم تكن “الرواية المفقودة” عملاً أدبياً بقدر ما كانت إعلاناً رمزياً عن جزء أول لرواية خيانةٍ مفقودة لم يكتبها صاحبها. تجاهل فيها الشرع ما لا يُغتفر: علاقته الوثيقة بقطر، وتورطه في تخريب العلاقة السورية مع السعودية كرمى لقطر، حتى صدر في حينها بيان سعودي نادر باسمه. كان الرجل يومها يظن أن ذكاءه الدبلوماسي يحميه من الحساب، لكنه لم يعلم أن من يفتح ثغرة صغيرة في جدار الوطن، سيتحوّل مع الزمن إلى بابٍ خلفيٍّ يدخل منه الأعداء. وكما كتب دوستويفسكي في الأخوة كارامازوف: “إن الإنسان حين يبيع ضميره، يبيع معه كل ما حوله من الحق والوجدان.”

ولم يكن غريباً، بعد إسقاط دمشق في كانون الأول 2024، أن يكون أول من حجّ إليه الحاكم الجديد أبو محمد الجولاني هو فاروق الشرع. مشهدٌ بدا سوريالياً: عميل الغرب القادم من دهاليز المخابرات يزور رمزاً من رموز الدولة والسيادة اللتين أسقطتا في ليل من الخيانات بلا حدود. وكأنّ التاريخ أراد أن يكتب خاتمته بيده، أو كأنّ الروح التي خانت صانعها استدعت من يقرأ عليها تعويذة النهاية. كان الجولاني، في تلك الزيارة، يُسلّم رسالةً غير مكتوبة: أن الخيانة لا تُنسى، وأن الحياد في زمن الانهيار هو نوعٌ من الاصطفاف مع العدو.

لقد ظنّ الشرع أن الصمت ذكاء، لكنه لم يدرك أن الصمت إذا جاور الخيانة صار جريمة. خلط بين الكياسة والانكفاء، بين الحذر والخذلان. ولو عاش في نظامٍ تابعٍ كأنظمة اليوم، لربما كان وزيراً مطيعاً يبرّر التطبيع باسم الواقعية السياسية. لكنه وُلد في زمن الأسد، وصُنع من طينته، ثم خان تلك الطينة ففقد هويته. تماماً كما في مأساة “فاوست” الذي باع روحه للشيطان مقابل وعدٍ بالخلود، باع الشرع تاريخه لقطر مقابل أن يبقى “رمزاً” في زمن لم يعد يعرف الرموز إلا كسلع قابلة للشراء.

هكذا انتهى رجل الدولة إلى رجلٍ من ورق. لا يملك من مجده إلا ظلّ خطاباته القديمة، ولا من ولائه إلا ذاكرة الآخرين عنه. إن مأساة فاروق الشرع ليست في خيانته فحسب، بل في أنه خان نفسه أولًا، خان المعنى الذي صاغه الأسد الأب في رجال دولته: أن الكبرياء الوطني ليس رأياً، بل ديناً. وكما قال غوته: “من يضيّع الجذر، لا يمكنه أن يثبت على أي فرع.”

واليوم، حين نقرأ “الرواية المفقودة” بفصولها الصفراء المحدّثة، لا نبحث فيها عن فكرٍ أو أدب أو رواية صحيحة، بل عن ضميرٍ ضاع بين السطور. ضمير رجلٍ ظنّ أن التاريخ ينسى، وأن الوطن لا يعاقب. لكنّ التاريخ لا ينسى، وسوريا لا تغفر. كل خيانة تُؤجَّل حسابها، وكل من باع صمته سيُحاكمه المستقبل والتاريخ.

فما جرى لسورية ليس نهاية، بل فصلٌ من زمنٍ طارئ. والذين ظنّوا أن سورية ستتحوّل إلى جاريةٍ في مخدع الغاز أو محظيةٍ عند بابٍ عالٍ جديد، سيكتشفون أن هذا الليل مهما طال، فإن فجره سوريّ الملامح. لأن الأوطان التي تُولد من الرماد لا تموت، والرجال الذين صنعهم الأسد الأول لا يُستنسخون في مختبرات النفط. وسوريا التي أنجبت حافظ الأسد تعرف كيف تنجب حافظاً آخر، كلّما احتاجت الذاكرة إلى من يغسلها من غبار الخيانة. وكما قال شكسبير: “الليل مظلم، لكن الفجر ابنُه الشرعيّ.”.. وذلك الفجر لا ريب فيه

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق