مقال جدير بالقراءة: الطريق إلى الخلاص السوري… لا يمرّ بتل أبيب ولا بأنقرة، وكذلك ليس عبر أبن تيمية؟؟- بقلم: د. بسام ابو عبدالله

في لحظة يائسة من هذا العذاب السوري الطويل، وحين يطفو الغريق باحثا”عن أي قشة تقيه الموت، لا يعود للمنطق مكان، ولا للشعارات معنى. بعد مقالي الأخير حول مؤتمر تل أبيب ووهم “إنقاذ الأقليات”، وردتني رسائل صادقة وصريحة إلى حدّ الوجع، من أصدقاء يعيشون نبض الشارع في الساحل السوري، حيث لم يعد الناس يريدون تنظيرا” ولا خطبا” بل يريدون النجاة فقط.

قالوا بوضوح: لم نعد نحتمل القتل اليومي، ولا الإذلال، ولا ازدراء السلطة التي تتقن فنّ القهر، ولا عصابات التكفير التي توزّع الموت باسم الله. أصبحنا، كما قال أحدهم، نعيش إعداما” جماعيا” بطيئا”، إذ يُغلق علينا باب الرزق والكرامة معا”، وتُلقى علينا تهمة الخراب كله، كأننا نحن من أشعل الحرب وأكل الحطب!

إنهم يقولون بصوت مرتفع: نحن لسنا باحثين عن خلاص طائفي، بل عن وطنٍ حقيقي، وإن وُجد مشروع وطني جامع، فنحن أول من سيلتحق به، وأول من يدافع عنه. لكنهم يضيفون، بمرارة وواقعية: إن لم يوجد هذا المشروع، فلا تلوموا من يمدّ يده إلى أي جهة، حتى لو كانت إسرائيل، لأن من يختنق لا يسأل عمّن ينقذه، بل كيف يتنفس.

أولا” – الحقيقة المؤلمة أن الناس لم تعد تصدق أحدًا، ولا تثق بخطاب أحد. كل ما يسمعونه وعود وتهويمات، فيما تُدار دمشق بعقلية عصابة لا دولة، تنهب وتقتل وتستثمر في خوف الناس، وتحول الجيش إلى ميليشيا طائفية تكفّر مواطنيها. من يُقتل في الجبل أو الساحل أو السهل ليس “شهيد الوطن” بل “ضحية السلطة”. وهنا تصبح الأسئلة مشروعة: أي وطن هذا الذي يذبح أبناءه ثم يطلب منهم الولاء؟ وأي دولة تلك التي تغسل يديها من الدم وهي غارقة فيه حتى أذنيها؟

ثانيا”- يتغاضى منظّرو السلطة اليوم عن خطر آخر لا يقلّ فتكا” بسورية، وهو المشروع العثماني الأردوغاني الجديد الذي يسعى أردوغان من خلاله إلى فرض هيمنته على سورية ، تحت شعارات الدين والأخوة الإسلامية.
هذا المشروع، الذي يستند إلى أطماع توسعية واضحة، لا يختلف في الجوهر عن مشروع إسرائيل الكبرى. كلاهما يسعى لاقتطاع أرض، وإذلال شعب، وإعادة صياغة المنطقة وفق مصالحه. لكنّ المفارقة أن كثيرين في دمشق يغضّون الطرف عن أنقرة، فقط لأن أردوغان “إسلامي”، وهو من تبنى ودعم مشروعهم .
لا أحد منهم يجرؤ على تذكير الناس بتاريخ هذا الرجل، ولا بعلاقاته القديمة مع اللوبي الصهيوني، ولا بوعوده التي نكث بها حين أقسم يمينا” معظما” عام 2009 أنه لن يقطع مياه دجلة والفرات عن سورية والعراق، ثم حوّلهما إلى نهرين يحتضران، قاتلا” الزراعة والحياة معًا…(بالمناسبة السياسة فن الممكن ، والدول تبحث عن مصالحها، وتغلف هذه المصالح تارة بالإسلام اذا كان مفيدا”، وتارة بالقومية التركية ) و تركيا ، كما اسرائيل وأمريكا، وروسيا وغيرها من الدول تبحث عن مصالحها باختصار شديد.

ثالثا”- الاستقلال الوطني لا يتجزأ، فمن يحتل أرضك في الجنوب باسم الأمن، لا يختلف عمن يحتل أرضك في الشمال باسم الدين. إسرائيل وتركيا وجهان لعملة واحدة وكانا شريكين في مشروع إسقاط الدولة السورية وتفكيكها، الفرق فقط في الزيّ هذا يرتدي عباءة التوراة، وذاك يلوّح براية الإسلام، لكن الهدف واحد: السيطرة، ونهب الثروات، وتحويل سورية إلى ساحة نفوذ متنازع عليها، كما غيرهم من الدول، أي هناك مشاريع تتصارع على الأرض السورية، وهذا الأمر هو تحد ، وفرصة في نفس الوقت، تحد اذا نجح كل طرف في تحقيق أهدافه على حسابنا كسوريين ، وفرصة اذا استفدنا من هذه التناقضات، والصراعات من أجل مصالحنا الوطنية؟؟؟؟

رابعا”- بقاء هذه السلطة في دمشق يعني عمليا” بقاء الطريق مفتوحا” أمام كل المشاريع الخارجية، فالحاكم الذي لا يملك شرعية من شعبه لا يمكنه الدفاع عن استقلال بلده. هؤلاء الذين يدّعون الوطنية اليوم سقطوا في كل امتحان: قتلوا السوريين، وسرقوا قوت الناس، دمّروا مؤسسات الدولة، ووزعوا الولاءات كما تُوزّع الغنائم. لا تعنيهم سورية، بل تعنيهم السلطة، ولو فني كل السوريين!!!!!

خامسا”- إن المشروع الوطني الجامع ليس ترفا”، ولا حلما” ، بل طوق النجاة الأخير. يجب أن يقوم على دولة مدنية عادلة، تحكمها المواطنة لا الطائفة، والعقل لا الشعارات، والمصلحة العامة لا الولاءات. وإلا فإننا نسير جميعًا إلى الهاوية، حيث لن ينجو أحد، لا في الساحل، ولا في الجبل، ولا في السهل.

سادسا”- من الوهم الاعتقاد بأن تنظيم الإخوان ومشتقاته من النصرة وغيرها يمكن أن يتحول إلى تنظيم ديمقراطي ومنفتح، لمجرد أن أعضاءه ارتدوا البدلات الرسمية والساعات الفاخرة ، فهذه الحركات التي غسلت أيديها بدم السوريين، واستثمرت في فوضى الشعارات الدينية تستخدم الدين والهوية كسلاح لاحتكار الحقيقة، ورفض الآخر، وتبرير القتل باسم الله أو الشريعة، وهذه فرصة لتوحيد السوريين وليس تفريقهم اذا أحسنا البحث عن البديل الوطني الجامع !!!!

سابعا”- ان السلام العادل مع إسرائيل لا يمكن أن يكون قرارًا فئويًا أو طائفيًا، بل يحتاج إلى إجماع وطني حقيقي يحدده الشعب السوري، ولا يمكن أن يتم مع مشروع اسرائيل الكبرى التي تتوسع على حساب الأرض السورية و العربية ، وتمنع قيام دولة فلسطينية، فيما تبني مشروعها على تمزيق محيطها، واحتلاله.

وأما الجيرة مع تركيا فلا يمكن أن تُبنى على تبعية ولا على وهم الخلافة الجديدة للسلطنة العثمانية التي تتلطى خلف عباءة الاسلام بل على احترام متبادل وسيادة متكافئة.

ثامنا”- بواقعية، لا يحق لنا كسوريين أن نلوم أحدا” فالبلد والدولة حين تنهاران، يتناهشها الجيران، وغيرهم من القوى الدولية طمعًا وخوفًا وفرصةً ومصلحة، ونقدنا الشديد لذاتنا ، ضروري لبناء المستقبل ، ليس ذلك النقد الذي تفوح منه روائح الطائفية العفنة، بل النقد العلمي الموضوعي، وسيبقى الحال كذلك حتى ينهض مشروع وطني جامع، يسير خلفه غالبية السوريين، ويشكل فرصة الإنقاذ الأخيرة قبل زوال بلد اسمه سورية، في لعبة الأمم .

تاسعا”- يبدو لي أن هذا المشروع سيظهر في زمن ليس ببعيد، لأنه آخر الخيارات الممكنة لمصلحة السوريين، بعد أن سقطت كل الأوهام، وكل المشاريع البديلة ، وسورية ستنهض فقط عندما يفهم السوريون أن سورية منهج حياة ، ومنهج اعتدال، وليست طوائف ومذاهب كما يريدنا البعض أن نفهم .

عاشرا”- لن يدرك أبناء سورية طريق الخلاص الحقيقي، إلا عبر طريق الوطن ليس كمفهوم جغرافي، وإداري فهذا تفصيل ، بل كمنهج حياة وعيش مشترك مستمد من تاريخ سورية عبر آلاف السنين بما فيها التاريخ المعاصر، لكن بالطبع ليس مع سلطة الأمر الواقع في دمشق لأنه لا إمكانية لذلك أبدا”، فالطريق إلى تل أبيب، أو أنقرة، أو موسكو أو باريس، أرحم كثيرا” من الطريق مع ابن تيمية و الفاشية الدينية التي ترتع في شوارع سورية و مدنها، و قراها، ومساجدها، ومؤسساتها الثقافية، والتعليمية، واعلامها ، ووسائل التواصل الاجتماعي ، والحل ليس بأي الطريقين نسير بل هو طريق واحد: مشروع وطني جامع….

وبانتظار نضوجه لا تلوموا السوريين أبدا” ولا تنظروا عليهم لأنني مؤمن إيمانا” عميقا” أنهم سيلتحقون بهذا المشروع دون أي نقاش حينما يعلن عن نفسه جهارا” – نهارا” ، دون حرق المراحل ، ودون سرعة أو تسرع، مع إدراك حقيقة أساسية أن السوريين جميعا” يختنقون ووصلوا إلى مرحلة تشبه تماما” كلام الشاعر السوري الكبير نزار قباني في رسالة من تحت الماء ( إني أتنفس تحت الماء….إني أغرق، أغرق، أغرق )…….

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق