مقال جدير بالقراءة: ملايين العرعور والحمويين .. كيف مات الناس من أجل ملايينهم!! .. – الكاتب مجهول

وما زاد الصورة قبحاً أن من تصدّروا المشهد ليلة حملة فداء لحماه اختصروا كل ما يمكن أن يقال:
ذاك الشيخ الذي كان يحرض على القتل بلغة طائفية فجة، ويرفع صوته كأنه وصيّ على مصائر الناس،
فإذا به اليوم يظهر أمام رؤوس الأشهاد وهو يتبرع بستة ملايين دولار دفعة واحدة؛
رجلٌ يفترض – وفق ما ينادي به من دين – أن لا يكنز الذهب والفضة،
فإذا به يكنزهما، ويتاجر بالدين نفسه،
ويقدّم منه جزءاً يسيراً ليصنع حوله وهجاً جديداً لا يغيّر من حقيقة ما صنع.

أما ذاك الذي كان عاملاً بسيطاً يقود جراراً زراعياً بأجرة يومية،
فتحوّل خلال سنوات قليلة إلى قائد فصيل يضم عشرات الآلاف،
واستلم معابر لا يعرف أحدٌ حجم الأموال التي عبرت من خلالها،
حتى صرنا نرى والده الفلاح يتبرع بمليون ومئتي ألف دولار
وكأن الفساد قد صار إرثاً عائلياً…
وكأن الدم الذي سال قد تحوّل إلى ثروة تتنقل من يد إلى أخرى،
ثم تُعرض اليوم بكل فجاجة في حفلة تبرع عابرة.

فأيّ وجهٍ للثورة هذا؟
وأيّ معنى يبقى حين يصبح الذهب بديلاً عن الدم،
وحين يُبدَّل الشعار بالسوق،
وحين يخرج من بين صفوف “المناضلين” رجالٌ يتباهون بما لا يملكه إلا من اغتنم من الخراب؟

هل يمكن لهؤلاء أن يقولوا “ضحينا من أجل الثورة”؟
أم أن الحقيقة المُرة تقول:
لقد اغتنوا من جراح “الثورة”، ونهضوا على أنقاضها، ثم عادوا اليوم ليقدّموا الفتات مما جمعوه وكأنه منّةٌ أو تضحية؟
هذا ليس وجه ثورة؛
هذا وجهُ انهيارٍ أخلاقيٍّ كامل،
كان يختمر في الظل،
حتى فضحته الليلة التي خرجت فيها الملايين من الظلام…
لا نصرةً لأحد، بل شاهداً على من كانوا يسترزقون من دماء الناس بينما كانوا يرفعون راياتهم.
واليوم يجلسون بوجوهٍ مدهونةٍ بالخشوع،
وقلوبٍ مملوءةٍ بالنفاق،
يجلسون كما يجلس التاجر فوق بضاعته،
لا كما يقف صاحب الحق فوق جراحه.
يعرفون تماماً أن ذاكرة هذا الشعب قصيرة،
وأن الخراب الذي خلّفوه واسع بما يكفي
ليتسع لثرواتهم أيضاً.
يعرفون ثمن الوطن الذي يقفون على أطلاله،
أطلالٌ لم يورثوها سوى مزيد من الخراب،
ولم يتعلموا منها سوى فنِّ المتاجرة بالدم.

لقد كان شعراء الجاهلية أكثر وفاءً لأطلال أحبتهم؛
وقفوا عليها، بكى بعضهم واستحيا بعضهم،
أما هؤلاء فجلسوا…
جلسوا على الأطلال ذاتها
كمن يجلس على مقعدٍ فاخر في مسرحٍ محترق.
لا حياء، ولا رهبة، ولا أثر لروحٍ تذكر الموتى.

واليوم يرفعون أصواتهم بثقة من يعرف دروب الرياء،
ويقولون للناس بلا خجل:
“قدّموا دماءكم…”
أما هم،
فيحتفظون بحساباتهم البنكية
في انتظار اللحظة المناسبة
ليعرضوها على الملأ
كأوسمةٍ لم يحصلوا عليها إلا
من دمٍ لم يكن دمهم،
ومن وطنٍ لم يكن وطنهم

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق