
سأستعير من مؤلفات نيتشه (أفول الاصنام) هذا المصطلح .. ويعني نيتشه بذلك انهيار القيم الصلبة القديمة والقيم التي صنعها المجتمع والتي قدسها المجتمع وصارت مثل الآلهة .. فمااعتبره الناس في سورية أفولا لأصنام الديكتاتورية كان في نفس الوقت نهوضا للأصنام الجديدة .. وسأقول ان الأصنام في سورية تقام الآن في كل مكان .. أصنام رجال الدين وقديسي الثورة .. وأصنام العنف والكراهية المقدسة وأصنام الصحابة والسيرة النبوية وأصنام الثورة ..
ولكن مخطئ من يعتقد أن مانراه اليوم هو نتيجة ماسمي 14 سنة من الحرب او 54 سنة من الديكتاتورية كما يحاول منظرو وفلاسفة الأسماك أن يقولوه لكم .. ومخطئ أكثر من يدعي ان هذا الذي نراه هو نتاج زمن ديكتاتوري بل هو الداء الخفي الذي يخفيه المجتمع العربي والسوري بالذات منذ قرن من الزمن .. وتحديدا منذ اعلان استقلاله عن الدولة العثمانية .. حيث وجد الانسان نفسه فجأة مثل أهل الكهف توقظه مدافع الحرب العالمية .. الكهف العثماني كان مظلما مليئا بالتخلف والامراض والفقر والذل والحشرات والقوارض الاقطاعية .. والتغييرات الديموغرافية القسرية .. منذ تلك اللحظة التاريخية كان المجتمع يبحث عن طريقة ينفجر فيها ويتقيأ أمراضه الحبيسة .. ولكن الظروف الدولية كتمته وحبست تقيؤاته الى أن اصطدم العالم بالكهف .. فماهي الا سنة او سنتان بعد الاستقلال حتى وقع في براثن سايكس بيكو.. ثم بقي مستعمرا يبحث عن هويته الجديدة الى أن خرج الاستعمار .. ولكن المجتمع السوري الخارج من الكهف العثماني بعد نوم استغرق 400 سنة أفاق على حقيقة أنه يعيش في عالم مختلف عن العالم الذي تركه عندما دخل الكهف في مرج دابق .. وهو غير قادر على التأقلم مع العالم الجديد .. العالم الذي بدأ يسرقه وبتر عضوا حيويا منه هو المجتمع الفلسطيني الذي هو جزء من مجتمع سورية وبلاد الشام .. ثم ظهرت القومية العربية وأحداث النكبات والكوارث .. و انتقل رجل الكهف الى مرحلة اكتشاف النظريات الكبرى في العالم مثل الاشتراكية والشيوعية .. ولم تظهر أمراض المجتمع السوري التي خزنها عبر جيناته الصامتة 400 سنة وتناقلها غضبا صامتا الا اليوم .. عندما نظر الى نفسه في المرآة ..
أنا لم أجد شبيها بهذه الظاهرة .. ولم أعرف أي ثورة في العالم أنتجت هذا الكم من الفجور والبذاءة .. فالقتل الذي شهدته باريس ايام الثورة الفرنسية والقتل الذي شهدته موسكو ايام الثورة البلشفية .. وكل الثورات الدموية .. لم تنتج هذا النوع من انهيار الاخلاق الشامل .. وهذا النوع من التفاهة الجماهيرية حيث انك صرت أمام مجتمع تتوسع فيه بسرعة طبقة الرعاع .. والهمج .. والغريب ان الهمج والرعاع السوريين الذين خرجوا من مزارع الثورة السورية ينتشرون في اوروبة ويفترض أنهم تهذبوا وتعلموا من الاوروبيين فن التخاطب والتهذيب .. وفن التسامح والانفتاح .. الا السوريين المغتربين الذي يرقصون على أغان سفيهة ومليئة بالعبارات النابية والشتائم الجنسية .. رغم ان معظمهم عالة على مجتمعات اللجوء ومتسولون في المجتمعات الاوربية .. وحسب احصاءات ألمانية مثلا فان نسبة من يتلقون المعونات الاجتماعية ولايعملون تتجوز 60% من السوريين .. لكن الانحطاط الاجتماعي والاخلاقي لم تعد حتى اوروبة قادرة على ان تغسله ..
لايمكن ان يصدق أحد ان مانراه هو سببه هذه الحرب .. فنحن شهود عيان على ماهي أحداث وحروب وصراعات أعنف كثيرا من المظلومية السنية المزعومة .. في يوغسلافيا تقاتل الجميع وقتل الجميع الجميع .. وفي راوندا تقاتل الهوتو والتوتسي وقتل في شهر واحد 800 ألف انسان .. ولكن لم ير العالم هذا الفسق والفجور والانحطاط الاخلاقي الذي يقدمه الشعب السوري بطريقة مهينة له في الشوارع والمظاهرات وفيها يظهر مثل مهرج يلعب بالروث كي يتشفى من ذاكرته .. ويعصر البعوض ليشرب منه الدم .. لم يعرف التاريخ هذا النزوع للحيوانية ..
تقاتل اللبنانيون 15 سنة ولكن في كل منشورات الطوائف التي قرأناها وحفظناها لم ينحدر اللبنانيون الى هذا المستوى من البذاءة والقذارة .. لم يشقوا القبور ولم ينسفوها ولم ينبشوها .. ولم يرقصوا في حفلات الأعراس على شتائم بذئية تدل على عيب أخلاقي وفجوة في الدين الذي تحول الى صانع للرذيلة ووعاء للدناءة الطائفية ..المجتمع يتحلل بسرعة وينهار بسرعة ويتحطم بسرعة .. الفقر يتفشى ولكن الاخلاق صارت شيئا تأكله الجرذان لان الناس رمتها في الطرقات .. هناك من يتلاعب بأخلاق الناس .. ويعيد توزيعها كراهية وحقدا على الجميع ..
الحرب السورية أنتجت عددا هائلا من الاميين وأنتجت نوعا جديدا من الدين الاسلامي الذي يتسم بالوقاحة والفوضوى والجريمة والحقد .. وهو لايبدو أنه تعلم من القرآن .. لدرجة ان السؤال هو عن مدى تأثير القرآن في شعب يقول انه يقرأ القرآن ولكنه يمارس الكراهية والحقد والدموية .. وأخلاقه هي الشتائم والسباب الفضائحي .. وغياب اي طريقة للتفاهم مع هذا الجيل الأعمى الذي يبدو في عجزه المطلق عن الحوار .. فأي خلاف معه لايستحضر المفردات القرآنية بل فورا يفجر مخزونا من الشتائم ولايقدر على الحوار فيه الا بالشتائم الجنسية في أول رد فعل على مايسمع .. وصار هذا السلوك سببا في ازدراء المجتمعات عموما للشعب السوري .. الذي لايعرف الا لغة الكراهية ولغة التعنيف واستعمال الشتائم الجنسية ..
الحرب السورية هي ليست مجرد أزمة أخلاقية وأزمة ضمير وأزمة وعي .. بل هي أزمة صراع مع الذات وحقد على الذات .. وهي نوع من الميول الانتحارية الجماعية نتيجة عقدة نقص تجاه الفشل أمام الغرب والعالم ولم يجد الا أن ينتصر في معركة طوحين الهواء .. نتيجة معقد نفسي تداخل مع المعقد الديني أنتج شعورا عاما بالفشل والتقهقر بالقياس والمقارنة مع بقية الأمم فيحاول ان يعزوها لزمن الأسد رغم ان الحقيقة هي انها انعكاس داخلي بالفشل الذريع والهزيمة الحضارية الشاملة على كل المستويات .. وهذا يبدو جليا أن مشروع الدولة الجديدة عنوانه اسلامي .. وعنوانه الاسلامي سني .. ولكن كل المشتغلين بالمشروع يعيشون في العالم الاوروبي المسيحي ويرفضون الخروج منه الى البلد الذي صنعوه بأنفسهم .. وهم جميعا بالعنوان الاسلامي العريض واللحى الطويلة والاصرار على اظهار الحجاب كهوية للمرأة لايبدون اي نوع من الاهتمام بمحرقة غزة السنية .. ويبدو العجز كالفضيحة أمام أي خبر عن اذلال اسرائيلي للسوريين ولسلطتهم ووانتهاك لارضهم .. فهو لايحظى الا باالصمت .. والتجاهل .. أو كما صار معروفا (وضع المزهرية) واحيانا يظهر كنوع من العناد بالقبول به نكاية بمن يعرض عليه صورة فشله ..
السوريون كمجتمع يتآكل بسرعة رهيبة لأن الملاط الاخلاقي الذي يجمع المجتمع ذاب وتفتت بسبب تفتت الدين واعادة انتاجه بشكل جديد .. وبسبب حرمان جيل كبير من التعليم بسبب الثورة تحول الى جيل لايفكر .. وصارت قطع البناء متماسكة فقط بعامل الاحتكاك وليس بعامل الالتصاق والتماهي .. وهذا النوع من التجمعات سيسهل فرطه بسرعة وبناء مجتمعات جديدة على أنقاضه ..
هناك من يعلم ان الاخلاق هي حصن المجتمع والانسان والدين .. وانهيارها يجعل الانسان يتصرف كالحيوان مثلما رأينا قطعان الحيوانات في أوروبة وهي تهتف ببذاءة .. ولايشبه حقدها الى سلوك المستوطنين الاسرائيليين في الضفة الغربية .. رغم ان الجميع يعلم ان معظم من كان في تجمع القطيع السوري في مظاهرات الوروبة الداعو للجولاني هو من جموع العاطلين عن العمل والذين يتلقون معونات اجتماعية ومعظمهم غير متعلمين ولايحملون مؤهلات علمية .. رغم ان المعلومات تشير الى ان هذا القطيع بدأ يجتاح بثقافته الطبقات المتعلمة التي صارت تسير مع القطيع وتستجيب له بسبب انها أيضا تم تدميرها أخلاقيا ..
انه صعود الاصنام .. وأفول الاخلاق .. وأفول الامم .. فهذا الفجور في الكراهية ييدل على اضطراب نفسي شامل .. وهذا الفجور في الحقد على زمن قدم له أبهى ايامه وقدم له مايطلبه المجتمع من دعم للفقراء واطلاق لطاقاتهم .. واستخراج مكامنه .. لاتفسير له الا انهيار المنظومة الاخلاقية بشكل شامل .. حيث لايريد ان يتذكر الرعاع والهمج من كل تلك الايام الا يومين هما يوم حماة ويوم تدمر .. وهما يومان جعلهما المخيال الشعبي يتفوقان ويغطيان على 54 سنة من العطاء والكرامة وانشاء الجيش والدخول بالشعب السوري في معادلات العالم لأول مرة منذ ان سقطت الدولة الاموية .. ولكنه لايريد ان يذكر لماذا كانت حماة .. ولايريد ان يسأل ماذا حدث في حماة .. ولايريد ان يعرف أرقام الضحايا في حماة .. ولايريد ان تناقشه في أرقام الهولوكوست المقدسة عن ملايين الضحايا بالبراميل وعن ملاييم المشردين .. ولايسمح لك ان تفتح نافذة في عقله كي توقظه من رقاده وسباته وغيبوبته .. انه يتمتع أنه من اهل الكهف ولايريد ان يخرج من الكهف .. بل يسير الكهف معه … ولايريد ان ينظر الى الدولة الاموية التي لم تقم من جديد الا في زمن حافظ الاسد الذي أطلق الدولة الاموية الثانية وقدم الامويين على انهم أصحاب مشروع حضاري وانساني ووطني ودولة لها هيبة وطموح في العالم .. فشعار حزب البعث هو شعار الدولة الاموية .. فالامة العربية الواحدة في الخريطة التي ينشرها حزب البعث هي تقريبا خارطة الدولة الاموية .. والرسالة الخالدة للبعث هي احياء الدولة العربية والرسالة التي تتضمنها في الاسلام التي كانت هي عصب الدولة الاموية .. هذا المجتمع الذي لايذكر من زمن حافظ الاسد وزمن البعث سوى يومين هما يوم تدمر ويوم حماة ..
السوريون يحتاجون الى ثورة أخلاقية كبيرة لاقصاء ثقافة الهمج والرعاع ومعاقبة صناع الانحطاط من مثقفين واعلاميين واعادة انتاج الاخلاق التي غادرت المجتمع تدريجيا منذ عام 2011 وبدأت تجف مستوياتها بفعل الخطاب الثوري الذي برر الانحطاط الاخلاقي من اجل رفع الظلم .. دون ان يدرك ان بيع الاخلاق الذي كان تجارة الثورة الرئيسية عن طريق اطلاق الاكاذيب والأوهام لايرفع الظلم بل يدمر المجتمع .. وهذا مانراه الان من دمار شامل اجتماعي ..
التنبيهات: كنعان النشرة الإلكترونية العدد 7075 - Al Enteshar Newspaper