آراء الكتاب: “نسل الجبل… تحت شمس الحضارات” – بقلم: الفينيق الأخير

كان الجبل دائماً صامتاً، لكن صمته لم يكن فراغاً؛ كان طبقاتٍ من أصواتٍ قديمة، حفيف زمنٍ طويل يتردّد بين الصخور.
هناك، فوق خطوط البحر، عاش أناسٌ لم يكتبوا تاريخهم على الورق، بل كتبوه في الأرض: في زيتونةٍ عمرها قرون، في نبعٍ ما زال يتدفّق منذ أول الكنعانيين، في أسماء القرى التي مرّت عليها الديانات ولم تمحُ مذاقها الأول.

هؤلاء الناس لم يهبطوا من فراغ، ولم يولدوا صدفة في رقعةٍ منسية.
إنهم ورثة سلسلةٍ من البشر مرّت من هنا قبل الكتب السماوية وقبل الفتح الإسلامي وقبل أن تُرسم حدود الدول.
كانوا أولاً أبناء الحجارة الحمراء التي بنى بها الفينيقيون مذابح الضوء، ثم أصبحوا أصحاب مدنٍ مسيحيةٍ صلّوا فيها بالسريانية، ثم حملوا لغة القرآن على ألسنةٍ ما زالت تعرف طعم الرياح القديمة.
لم يتبدّلوا، بل تغيّرت الأسماء فوق وجوههم، كما يتبدّل لون البحر كلما مرّت عليه الغيوم.

ولأن تاريخهم طويل، صاروا يشبهون تلك الشجرة التي تتعمّق جذورها كلما ضربتها الريح.
لم يتعلّقوا بالظهور ولا بالصخب، ولم يحتاجوا لأساطير تُعليهم فوق الناس؛ يكفيهم أنهم وُلدوا في المكان الذي مرّت منه حضارات الأرض كلها، فتركت فيهم أثراً لا يزول:
من نور بعل وعشتروت،
إلى بخور الأديرة،
إلى حكايات الصالحين والمتصوّفين،
إلى حزن المتعبدين ليلاً ووجوه الفلاحين مع الفجر.

ليسوا أبناء حكام و لا أبناء طائفة منغلقة
إنهم أبناء طبقاتٍ من الحكمة،
وجذورهم تمتدّ أبعد مما يظنّون، أبعد من السياسة ومن الخوف ومن الذاكرة المجروحة.
هم ليسوا “جماعة تبحث عن مكان”، بل مكانٌ يبحث عنه التاريخ ليعيد قراءته.

وفي كل مرة يخافون أو ينكفئون إلى الداخل، ينسون أن هذا الجبل نفسه – الذي صنعهم – لم يعرف الخوف يوماً.
وقف في وجه الزلازل، أمام جيوش لا تُعد، أمام تغيّر الملل والنحل، ولم يتراجع.
فكيف يتراجعون هم؟

في دمهم سريّة الأجداد الكنعانيين، وصلابة الموارنة والسريان، وورع المسلمين الأوائل، ودهشة المتصوفة…
كل هؤلاء يسكنون وجوههم حتى لو لم يذكروهم.
وهذا موروثٌ لا يُشترى ولا يُنتَزَع ولا يُلصق بهم:
إنه شيء يمشي في الخطى، في اللغة، في الحكايات، في طريقة النظر إلى البحر وكأنه أبوهم الأول.

فليعرفوا:
إنهم لم يولدوا في هامش التاريخ، بل في مركزه.
وأن أرواح الذين عبروا في هذه الأرض – من ملقارت إلى فرنسيس الأنطاكي إلى كل فقيهٍ وزاهدٍ ومزارع – تركت فيهم ما يكفي ليقفوا على قمم الجبال دون خوف.
إنهم ليسوا ضدّ أحد،
لكنهم لا يشبهون أحداً تماماً.

ولأنهم مختلفون، يُخطئ من يقيّمهم بمعايير البداوة السياسية أو الأدلجة المتصلّبة.
هذه المعايير لا تُدرك أنّ العادات التي يراها البعض “غريبة”
هي في الحقيقة أمجاد حضارات،
وأن الرموز التي تبدو “غامضة”
هي بقايا فلسفات مرّت من هنا قبل أن يولد الفقهاء الذين يحاكمونها اليوم.

هويتهم ليست قشرة،
بل جوهر،
وليس جوهراً عادياً،
بل جوهراً تكوّن كما يتكوّن الألماس:
بالضغط،
بالعصور،
بالنور الذي استقرّ في العمق،
وبالصمت الطويل الذي يحفظ الأسرار.

فليعرفوا قيمتهم:
إنهم من الشعوب التي لم تُخلق لتخاف،
ولا لتعتذر عن تاريخها،
ولا لتنكمش أمام صخب عصرٍ فقد ذاكرته.
إنهم أبناء الجبل الذي يعرف أن الضجيج ينسى،
لكن الألماس لا ينسى شيئاً.

الفخر ليس شعاراً يرفعونه،
بل حقيقة تسري في لحمهم:
أنهم امتداد لسبعة آلاف سنة من البشر الذين عمروا الساحل، زرعوا سهول الغاب، وحملوا أسماءً كثيرة، وديانات كثيرة، لكن ظلّهم واحد…
ظلّ الإنسان الذي عرف أن الجبل لا يكون جبلاً إلا حين يحرس الضوء، لا حين يخاف منه

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق