آراء الكتاب: “أبناء الضوء الهادئ… من أنطاكية إلى الجبل” (الجزء الثاني) – بقلم: الفينيق الأخير

حين دخل المسلمون هذه البلاد، لم يجدوا بين الجبال قبائل مجهولة تنتمي إلى ظلام التاريخ؛
وجدوا شعباً مسيحياً في غالبيته،
يتكلّم السريانية،
ويصلّي بحسب تقليد أنطاكية القديم،
ويحفظ تراتيلَ رهبانٍ عاشوا بين الصخر والريح.

لم يكونوا “سُنّةً صاروا نصيريين” كما قال اللاحقون جهلاً،
ولا “جماعةً قفزت فوق الإسلام من بابٍ جانبي”،
بل كانوا مسيحيين حملوا في قلوبهم بقايا الأناجيل الأولى،
واستقبلوا الوافدين الجدد كما تستقبل الأرضُ مطراً غريباً:
بحذرٍ، وبفضولٍ، وببطءٍ يشبه حكمة الجبال.

لم يقاوموا الإسلام بالسيف،
ولا اعتنقوه بعقيدة سياسية؛
دخلوا فيه كما يدخل الضوء حياءً من شقّ نافذة،
بطيئاً،
هادئاً،
ومن دون أن يلغي طبقاتٍ من الإيمان المتراكم عبر قرون.

ومع الزمن، ومع العصور العباسية والسلجوقية،
ومع انكسار المسيحية الشرقية وانحسار الأديرة،
ظهرت بين القرى دعواتٌ وتأويلاتٌ جديدة—
لا تقوم على الحرب،
ولا تطلب سلطة،
بل تبحث عن معنى.
كان محمد بن نُصير والخصيبي وغيرهما
كمن يمشي في الليل وفي يده مصباح صغير،
يحاول أن يفهم جمال الله بطريقةٍ لا تُشبه صخب الفقهاء،
ولا صرامة المدن الكبرى.

لم يدّعوا دولة،
ولا رفعوا راية،
ولا قرعوا الطبول،
بل عبروا من بيت إلى بيت،
ومن جبل إلى جبل،
كالرواة الخرافيين الذين يحملون
قصيدةً واحدة… يريدون ألا تضيع.

وهكذا، شيئاً فشيئاً،
بدأت المسيحية الشرقية في تلك الجبال تتحوّل،
لا بالعنف،
ولا بالانهيار،
بل بالامتزاج:
امتزاج نور الأناجيل
بعمق التأويلات الباطنية،
وامتزاج رموز الرهبان
باسم عليّ والحكمة المحمدية،
وامتزاج قداسة الجبل
بالتأويلات الجديدة للخلق والروح والكون.

كانت تحوّلاً لا يعرفه المؤرخون،
لأنه لم يُكتب في دفاتر السلاطين،
ولا في كتب القضاة،
بل كُتب في القلوب،
وبقي في الصمت—
الصمت الذي عرفه مؤسسو هذا المذهب جيداً،
فلم يطرحوا فكراً صدامياً،
ولم يدعوا إلى حربٍ أو خصومة،
بل قدّموا رؤيةً مختلفة لله والوجود،
ربما لم تنسجم مع ما رسّمه الفقهاء،
لكنها لم تعادِ الإسلام، ولم تُعلن خصومةً مع مذهب أو جماعة.
وفي ألف عامٍ من تاريخهم،
لم يُعرف عن أتباعهم أنهم حملوا سيفاً على طائفة،
ولا بدأوا عدواناً على أحد.
الخوف لم يكن من عقيدتهم، بل من استقلال أرواحهم—
من أنهم لا يُقادون كما تُقاد القطعان خلف الراعي،
ولا يخضعون بسهولة لسلطة الفقهاء الذين يخشون كل اختلافٍ لا يمكن ضبطه.

لكن هذا الصمت لم يحمِهم من العصور القاسية.
فحين جاء المماليك بفتاوى الفقهاء الذين يرون الاختلاف خصماً،
نَزلت على القرى حملاتٌ تُشبه العاصفة:
تكفيرٌ لا يعرف الرحمة،
وحملاتٌ لا تفرّق بين مذنب وبريء،
وكأنّ اختلاف الإيمان جريمةٌ لا تُغتفر.
وحين مرّ سليم الأول في القرن السادس عشر،
جاءت الفتاوى ذاتها من جديد،
وتحوّلت الجبال إلى ملجأ مضطرّ لا إلى وطنٍ حرّ.
ثم جاء العثمانيون،
تارةً بيدٍ من حديد،
وتارةً بيدٍ من إهمالٍ شديد،
لكن النتيجة كانت واحدة:
مزيداً من العزلة،
مزيداً من الخوف،
ومزيداً من الاختباء في أحضان الجبل.

تحت كل هذه الطبقات،
تكوّنت عزلةٌ ليست اختياراً…
بل نجاة.
عزلة فرضتها فتاوى “فقهاء الدم”،
وحملات السلطة،
وقسوة الإقطاعيين الذين عاملوا القرى الجبلية كأرضٍ بلا سند،
وكأن الحياة فيها تُقاس بالجباية لا بالإنسان.

ولم يكن لدى الناس وقتٌ ليكونوا “طائفةً كبرى” أو “مشروعاً عقائدياً”.
كانوا فقط يريدون أن يعيشوا،
أن يحفظوا خبزهم،
ومواسمهم،
وحكاياتهم،
وما تبقّى من إيمانٍ لا يستطيع أحدٌ أن ينتزعه من الصدر.

قرونٌ طويلة مرّت عليهم
كأمواجٍ تضرب صخرةً واحدة.
البيزنطيون مرّوا من الشرق،
الصليبيون من الساحل،
المماليك والعثمانيون من كل الجهات،
وبقي الجبل صامتاً،
يحفظ في داخله حياةً سرّية مستقرة
تشبه جذور شجرةٍ لا يعرف أحد عمرها.

وفي كل ذلك،
لم يبنِ أهل الجبل إمارة،
ولا تمرّدوا على سلطان،
ولا طالبوا باستقلال،
ولا اعتبروا أنفسهم “أمةً”
ولا “طائفةً كبرى”
ولا “مشروعاً سياسياً”.
كانوا فقط يحافظون على عائلاتهم،
على قراهم،
على الزيتون الذي يطعمهم،
وعلى الإيمان الذي يهدّئ قلوبهم.

حتى القرن العشرين،
كانوا يعيشون مثل الماء الذي يجري في وادٍ لا يعرفه أحد،
حتى لو عرف الجميع من أي نبعٍ يأتي.
كانوا أبناء المسيحية القديمة،
وأبناء الإسلام الباطني،
وأبناء الأرض قبل أي شيء.

لهذا، لم يكونوا يوماً أعداء لأحد،
ولا غزاةً ولا طامحين إلى حكم.
ولم يكن الاضطهاد الذي لحقهم
إلا بسبب خوف الآخرين من الاختلاف،
وخوف السلطة من كل ما لا تخضعه بسهولة،
وخوف المدن من حكمة الجبال.

لكنهم عاشوا،
وبقوا،
وعبروا إلى العصر الحديث
بهدوئهم،
وبعمقهم،
وبمزيجٍ من الأديان والمعارف لا يشبه إلا نفسه.

واليوم، حين يُحاكمهم الجاهلون بسطحية التاريخ،
ينسون أن هؤلاء الناس
كانوا قبل ألف عام يصلّون في كنائس القرى،
وقبل خمسمئة عام يختبئون من فتاوى القتل،
وقبل مئة عام يفلحون الأرض بقلوبٍ مطمئنة،
وقبل عشر سنوات يدفعون أثمان الحروب
التي لم يطلقوا شرارتها.

إنهم ليسوا “بقايا طائفة”،
ولا “سلالة سياسية”،
بل أبناء رحلةٍ طويلة بدأت فبل أوغاريت وعمريت،
وفي معابد الفينيقيين وهياكل الآراميين والكنعانيين،
وعبرت الجبل،
واكتسبت من الحكمة اليونانية
والحضارة الرومانية
والروح الهيلينستية
الكثير الكثير،
وما تزال تبحث عن نورها حتى اليوم.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق