
لم تُعرَف أرض الساحل السوري يومًا بوصفها أرض قطيعة،
بل بوصفها أرض تراكم.
هنا لم يكن الدين حدثًا مفاجئًا،
ولا انقلابًا كاملًا على ما سبقه،
بل طبقة تُضاف إلى طبقات أقدم،
تُعيد ترتيب المعنى
دون أن تمحوه.
من الفينيقيين الذين رأوا في النار دورة حياة،
وفي البحر طريقًا للعودة،
إلى الآراميين الذين منحوا اللغة روحها اليومية،
إلى المسيحية المبكرة التي دخلت أنطاكيا قبل أن تدخل روما،
إلى الإسلام الذي استقرّ في الجبال بتأويلات هادئة،
ظلّ الساحل فضاءً تتجاور فيه الرموز
أكثر مما تتصارع.
لهذا، لم يكن غريبًا أن تبقى الأعياد المسيحية حاضرة في الذاكرة الشعبية،
لا بوصفها طقوسًا كنسية،
بل بوصفها مواسم معنى.
عيد الميلاد،
لم يُعش كعقيدة لاهوتية،
بل كعيد للنور في قلب الشتاء.
ولادة الضوء حين يطول الليل،
وفكرة البداية حين يبدو الزمن مغلقًا.
في القرى، لم يكن الاسم هو المهم،
بل الإحساس:
أن شيئًا جديدًا يمكن أن يولد
حتى في أكثر اللحظات ظلمة.
عيد الفصح (القيامة)،
لم يُفهم بوصفه حدثًا تاريخيًا منفصلًا،
بل بوصفه قانونًا كونيًا:
ما يموت لا يختفي،
وما يُدفن عميقًا
يبحث يومًا عن طريقه إلى السطح.
القيامة هنا ليست انتصارًا على الموت فقط،
بل إعادة تعريف له.
أما إلياس والخضر،
فهما ذروة هذا التراكم.
شخصيتان تتداخل أسماؤهما بين المسيحية والإسلام والتراث الأقدم،
ولا تُقرأان بوصفهما نبيَّين أو وليَّين فقط،
بل بوصفهما رمزين للاستمرار.
الحاضر الذي لا يموت،
والحكمة التي تظهر حين يضيع الطريق،
والحماية التي لا تُعلن نفسها.
في هذا السياق،
يصبح من الممكن فهم التوازي الرمزي بين قيامة المسيح
وقيامة طائر الفينيق،
من دون خلطٍ عقدي أو إسقاط ساذج.
الفينيق، في الميثولوجيا الفينيقية،
يحترق ليُبعث من رماده،
ليس كخلاص فردي،
بل كدورة كونية.
والمسيح، في المسيحية،
يقوم من الموت بوصفه حدثًا خلاصيًا روحيًا.
الاختلاف هنا جوهري في اللاهوت،
لكن التشابه عميق في اللغة الرمزية:
الحياة أقوى من الفناء،
والنهاية ليست كلمة أخيرة.
في الساحل السوري،
لم يُنظر إلى هذه الرموز بوصفها متناقضة،
بل بوصفها أصواتًا متعددة تقول الفكرة نفسها
بلغة مختلفة.
وهكذا،
لم يشعر الناس أنهم “يتخلّون” عن شيء
حين دخل دين جديد،
ولا أنهم “يقلّدون” حين احتفلوا بموسمٍ أقدم.
كانوا يعيشون ببساطة
في أرضٍ تعرف أن المعنى لا يُحتكر،
وأن الروح،
حين تكون عميقة،
تتّسع لأكثر من اسم.
هذا التراكم الديني
ليس علامة ضعف في الهوية،
بل علامة نضجها.
فالهوية التي لا تحتمل طبقاتها
تنكسر عند أول اختبار.
وفي زمنٍ
تحاول فيه الأيديولوجيات
أن تُحوّل الدين إلى جدار،
يظلّ الساحل السوري شاهدًا هادئًا
على إمكانية أخرى:
أن يكون الدين ذاكرة حيّة،
لا ساحة إقصاء،
وأن تكون الأعياد
جسورًا بين الأزمنة،
لا حدودًا بين البشر.
