لم يكن يحمل سلاحاً، كان يحمل خبزاً.
الخبز، في بلادٍ أرهقها الانتظار،
ليس طعامًا فقط،
بل وعدًا صغيرًا بأن الحياة ما زالت ممكنة.
هو آخر ما تبقّى من الحياة اليومية حين تنهار المعاني الكبرى.
أوقفوه في الطريق،
كما تُوقَف الأشياء الهشّة حين تمرّ في زمنٍ قاسٍ.
لم يكن في المشهد عنفٌ صريح في البداية،
كان هناك استعراض.
قوّة تُمارَس لتُرى،
لا لتُستَخدم.
سألوه سؤالًا أكبر من عمره.
سؤالًا لا يُوجَّه للأطفال،
ولا ينبغي أن يُوجَّه لأحد.
وحين قال الحقيقة،
لم يقلها كمن يدافع،
ولا كمن يتحدّى.
قالها كما يقول الطفل ما يعرفه فقط.
وحين طُلب منه أن يثبت إيمانه،
أن ينطق ما يُملى عليه،
لم يرتبك.
لم يرفع صوته.
لم يُجادل.
قال بهدوءٍ يشبه الوجع:
«على الأقل أنا أُصلّي».
جملة قصيرة،
لكنها حملت كل ما لم يستطع قوله.
قالت إن الإيمان ليس عرضًا عامًا،
ولا امتحانًا مفروضًا،
ولا إذلالًا يُمارَس باسم الله.
في تلك اللحظة،
لم يحدث انتصارٌ صاخب.
لم يسقط أحد.
لم تُرفع راية.
لكن شيئًا انكسر بصمت:
منطق القوّة نفسه.
هذا الطفل لم يكن شجاعًا لأنه واجه،
بل لأنه لم يسمح لهم أن يسرقوا منه نفسه.
لم يسمح للخوف أن يجعله يكذب،
ولا للإذلال أن يجعله يتنازل عن بساطته.
كان يعرف—بحدس الأطفال—
أن الصلاة علاقة،
لا شعار.
وأن الله لا يُستحضَر في لحظة إذلال،
ولا يُستَخدم لإخضاع جسدٍ صغير.
في بلادٍ تعلّمت أن تصرخ كثيرًا،
قال طفل جملة واحدة،
بصوتٍ منخفض،
ففضح كل الضجيج.
هذا النص ليس عن طائفة،
ولا عن سياسة،
ولا عن صراع.
إنه عن طفلٍ حمل خبزًا،
وحمل نفسه معه،
وخرج من الامتحان
بكرامته كاملة.
على الأقل أنا أُصلّي.
قالها،
ومضى.
وبقيت الجملة،
تؤلم أكثر مما تصرخ….
في بلدٍ أُنهك بتعريفاتٍ قسرية—
طائفية، سياسية، أيديولوجية—
جاء طفل ليعيد المعنى إلى بساطته الأولى:
أن تكون سوريًا
لا يعني أن تُبرهن،
ولا أن تُقسم،
ولا أن تُذلّ.
يعني فقط
أن يُسمح لك أن تكون إنسانًا
من دون خوف.
ربما لا تغيّر جملة واحدة مسار بلد،
لكنها تفضح المسار إن كان معطوبًا.
وربما لا يُنقذ طفلٌ وطنًا،
لكن وطنًا لا يحمي أطفاله
لا يستحق اسمه.
(على الأقل أنا أُصلّي)
ليست عبارة دينية،
بل حدٌّ أخلاقيٌّ أخير.
خطٌّ يقول:
هنا يبدأ الإنسان،
وهنا—إن لم نتوقّف—
ينتهي الوطن.