

لم تكن تلك الحلقة على قناة المشهد مجرّد نقاش تلفزيوني، بل لحظة كاشفة عن خللٍ أعمق في الإعلام العربي حين يقترب من الأسئلة الهويّاتية.
منذ الدقائق الأولى، طُرحت الفكرة لا كسؤال بل كحُكم: أن العلويين “وافدون” من الجبال إلى مدن الساحل، وأن أهل المدن تاريخيًا من غيرهم.
لم يكن هذا عرضًا لوجهة نظر، بل تأطيرًا مُسبقًا أُلقي على الطاولة ليُجبَر الضيف على الدفاع قبل أن يبدأ الحوار.
حين طلبَ الضيفُ الالتزام بالمهنية وعدم الانحياز، لم يُقابَل الطلب بنقاش، بل بانفجار سلطوي على الهواء: «لا تعلّمنا شغلنا… وإذا لم يعجبك فانصرف». في تلك اللحظة، خرجت مقدّمة البرنامج من دور الوسيط ودخلت دور الخصم. لم تعد تُدير الحوار، بل تُخضعه.
لم تُناقش الفكرة، بل حاولت إسكاتها.
ما قيل على الشاشة لم يكن زلّة لسان، بل فعلًا واعيًا.
الجملة لم تنزلق، بل وُضعت في مكانها بدقّة: «هؤلاء أبناء الجبال لا المدن».
إن كانت قائلة العبارة تجهل التاريخ والجغرافيا، فالأمانة المهنية تفرض عليها الصمت.
وإن كانت تعرف وتؤطِّر عمدًا، فذلك أخطر: لأن السمّ حين يُقدَّم في كأس المعرفة لا يُرى، لكنه يفتك.
الإعلام الذي يتصرّف من علٍ، ويقاطع، ويرفع صوته ليكسر سردية ضيفه، لا يمارس نقدًا، بل سلطة رمزية. سلطة تُعيد إنتاج الإقصاء بلغة “المعلومة”، وتُمرّر الأحكام بوصفها حقائق. هذا إعلام لا يبني رأيًا عامًا، بل يُهندسه..
المشكلة الحقيقية في منصّة تُدرِّب الجمهور على قبول الإقصاء بوصفه تحليلًا.
لو كانت قناة المشهد تملك أدنى درجات المهنية لاعتذرت للضيف و الجمهور و أعادت تأهيل المذيعة.
هذا ليس دفاعًا عن شخص، ولا هجومًا على مذيعة.
و لكن من تخدم عملية إعادة توزيع الجغرافيا على الهواء مباشرة؟
ولماذا يُستدعى التاريخ بهذه الخفّة في لحظة هشاشة وطنية؟
الحقيقة أبسط وأقسى:
لا أحد هنا طارئ،
ولا أحد هنا مالك مطلق.
الجماعات لا تولد مكتملة،
والمدن لا تنتمي إلى دمٍ واحد.
الساحل لم يكن يومًا غرفة مغلقة،
ولا الجبل سجنًا أبديًا.
الناس صعدوا ونزلوا،
هربوا واستقرّوا،
اقتربوا من المدن حين أُتيح لهم،
وانكفؤوا إلى الأطراف حين أُقصوا.
لكن الإعلام التحريضي لا يحبّ هذا التعقيد.
التعقيد لا يخدم السرديات السريعة،
ولا يُنتج اصطفافًا.
لذلك يُعاد تبسيط التاريخ،
وتُضغط الجغرافيا،
ويُقال للناس—بصوتٍ هادئ لكنه قاطع—
أنتم هنا… لا هناك.
العلويون— ليسوا طارئين على المدينة ولا أسرى الجبل.
هم استمرارية بشرية عاشت على هذه الأرض وتحوّلت معها.
من أوغاريت وعمريت، إلى اللاذقية و جبلة و طرطوس،
تبدّلت اللغات والعقائد، وبقي البشر.
عرفوا البحر والسهل والجبل، والقرية والمدينة.
حين كانت المدن مفتوحة، كانوا فيها.
وحين ضاقت السياسة، انكفؤوا إلى الأطراف.
ليس لأن المدينة ليست لهم، بل لأن السلطة—لا الجغرافيا—تقرّر أحيانًا من يسكن أين..
لكن ما جرى على الشاشة ليس معزولاً عن تاريخ أطول فمحاولة اختزال جماعة في ”الجبل” و نفيها عن المدينة ليست فكرة جديدة بل سردية قديمة تعود كلما ضاق الحاضر وهنا يبدأ الجزء الثاني من الحكاية بعيدا عن الاستديو، في الجغرافيا نفسها.
ياآسيا تعلّمي… حين تُسمّى الجبال بأسماء أهلها
ليست الأسماء تفصيلًا بريئًا في التاريخ.
الأماكن لا تُسمّى اعتباطًا، ولا تحمل أسماء الجماعات إلا حين تكون تلك الجماعات حاضرة بوزنها، لا بظلّها.
حين يُوصَف الساحل السوري بأنه “منطقة العلويين أو الساحل العلوي”،
وحين تُسمّى السلسلة الجبلية بـ“جبال العلويين” أو “جبال النصيرية”،
فذلك ليس شعرًا جغرافيًا، بل اعترافًا تاريخيًا بالثقل.
لا تُسمّى الجبال بأسماء “قشرة”.
ولا يُنسب مكان إلى جماعة هامشية عابرة.
في المقابل، انظر إلى السلسلة المقابلة في لبنان، التي تُعرف بـجبل لبنان، لا لأنها بلا جماعات، بل لأنها لم تُختزل يومًا بجماعة واحدة بعينها.
التسمية هنا معيار وزن، لا تزويق لغة.
و حين جاءت لحظة الانتداب الفرنسي
و فكّرت فرنسا بتشكيل كيان في الساحل، لم تبحث عن أسماء في دفاتر المدن فقط، بل عن من يملك الأرض فعليًا.
جميع القيادات التي جرى التواصل معها كانت من الطائفة العلوية، لأن فرنسا—كدولة استعمارية—لم تكن تُجامل الرموز، بل تُفاوض موازين القوى المحلية.
لو كانت العائلات الوازنة في مدن الساحل من غيرهم، لكان التواصل معهم، ولكان مركز الكيان مدينةً لا جبلًا.
لكن الجبل كان العنوان، لا لأن الجبل رومانسي، بل لأن الوجود الفاعل كان فيه، وعلى امتداده إلى البحر.
هذا لا يعني—ويجب أن يكون ذلك واضحًا—أن المدن لم تكن متعدّدة، ولا أن غير العلويين غائبون عنها.
لكن التاريخ لا يُدار بالمشاركة الرمزية، بل بمن يملك القدرة على الاستمرار والتمثيل في لحظة الانقسام.
الانتداب لم يختر العلويين بدافع عاطفي، بل لأنهم كانوا الكتلة المتماسكة القادرة على حمل كيان—لو قُدِّر له أن يقوم.
ثم جاءت الضربة الأبرد.
عام 1939، حين سُلخ لواء الإسكندرون عن سوريا وضُمّ إلى تركيا، لم يكن الأمر خطأ خرائط ولا صدفة دبلوماسية.
كان قرارًا سياسيًا واعيًا، شاركت فيه نخب سورية آنذاك، لإعادة ترتيب الديموغرافيا.
بفصل الجناح الشمالي—أنطاكية والإسكندرون—عن الجناح الجنوبي، انكسر الامتداد الطبيعي للعلويين، وتحولوا داخل الدولة الناشئة إلى أقلية عددية.
هذا لم يكن تفصيلًا، بل هندسة مقصودة للثقل.
وهنا تتكامل الدلائل:
الأسماء،
والانتداب،
والسلخ.
كلّها تشير إلى حقيقة واحدة لا تحتاج خطابًا دفاعيًا:
أن الوجود العلوي في الساحل لم يكن وجود “قشرة”،
بل وجودًا فاعلًا،
مؤثّرًا،
ومقلقًا بما يكفي ليُعاد رسم الخرائط من أجله.
هذا الوجود لم يُصنع بالسلطة،
ولا بدأ مع الدولة الحديثة،
بل سبقها.
وجودٌ تشكّل من البحر والجبل معًا،
عرف القرية والمدينة،
وصمد حين تغيّرت العقائد وتبدّلت الدول.
من هنا، فإن أي خطاب إعلامي يحاول اختزال العلويين في الجبل، أو نفيهم عن المدينة، لا يرتكب خطأً تاريخيًا فقط، بل يُنكر منطق الوقائع نفسه.
فالذين تُسمّى الجبال بأسمائهم،
والذين تُسلخ الأقاليم لإضعافهم،
ليسوا ضيوفًا على المكان،
بل أحد أعمدته.
هذه ليست دعوة امتياز،
ولا سردية تفوّق.
إنها فقط قراءة صريحة للتاريخ كما هو:
التاريخ الذي يقول إن أهل الجبل والبحر،
حين يُقصَون،
لا يختفون،
بل يعودون في كل مرة
كحقيقة يصعب محوها،
ولو تغيّرت الأسماء.