

قبل عشرين عاماً اعتلى أحدهم المنبر الأممي وقال: “بالأمس جاء الشيطان إلى هنا، لا تزال رائحة الكبريت تفوح حتى الآن من هذه الطاولة التي اضطررت للتحدث منها”، (رائحة الكبريت رمزية مسيحية مرتبطة بالشيطان وجهنم). ثم واصل كلمته وقال: “بالأمس، رئيس الولايات المتحدة، الذي أسميه الشيطان، جاء هنا وتحدث وكأنه يملك العالم، معرضاً بقاء الجنس البشري للخطر، كان خطابه يناسب تماما فيلما من أفلام “فريدريك هيتشكوك”، ندعو العالم لوقف هذا التهديد الذي يشبه “سيف دموقليس”، لا يمكننا السماح بتنصيب دكتاتورية عالمية ضد شعوب هذا الكوكب، لقد قررنا منذ سنوات خوض هذه المعركة بصوتنا وأفكارنا المتواضعة لتمثيل الكرامة وإعادة صياغة النظام الدولي، منظومة الأمم المتحدة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية قد انهارت، وتحطمت، ولم تعد تعمل، يصفوننا بالمتطرفين لأننا نطالب بالحرية الكاملة في العالم، نحن ننتفض ضد الهيمنة، ولهذا السبب نحن مهددون، رائحة الكبريت تنبعث هنا، ولكن الله معنا”، إنه الزعيم والقائد الفنزويلي البوليفاري الخالد “هوغو تشافيز”.
ودموقليس كان عضواً في بلاط الملك ديونيسيوس الثاني حاكم سيراقوسة بجزيرة صقلية في القرن الرابع قبل الميلاد، لكنه كان مغالياً في وصفه لسعادة وحظ الملك والذي قرر تلقينه درساً، واقترح عليه أن تبادل الأدوار وأن يجلس على عرشه ليوم واحد، ففرح دموقليس وقعد على كرسي الملك، لكنه رأى سيفاً معلقاً بشعرة واحدة يتدلى فوق رأسه، فخاف وترجى الملك بترك العرش، وأصبح “سيف دموقليس” مثلاً على التهديد بالخطر، وفريدريك هيتشكوك مخرج سينمائي شهير بأفلام الرعب وملقب بـ “سيد الإثارة والتشويق”، وبذلك أوجز تشافيز توليفه واشنطن لحكم العالم بالخوف والرعب، وفي كلمة تشافيز هذه قال شهيد الإنسانية والمسلمين سماحة الأمين لحزب الله السيد حسن نصر الله أن تشافيز “عربيٌ كبير كبير كبير”.
ولتندلع عشرين عاماً من محاولات خنق شعب وقيادة فنزويلا بصنوف روائح الكبريت، قبل أن يطل وريث الشيطان “دونالد ترامب” من ولاية فلوريدا على العالم بصور خليفة تشافيز “الرئيس نيكولاس مادورو” أسيراً لديه، في مشهد يراد له أن يكون إعلاناً لأحد أفلام هيتشكوك المرعبة، ملوحاً للعالم بصنوف أعواد الكبريت لمن يخرج عن طاعته، وكأن العالم “ضيعة” تابعة لولاية فلوريدا.
من لندن إلى واشنطن.. بذور يهودية لعدوى الاستعلاء
في الأمس البعيد والبعيد جدا، العداء يترسخ بين اليهود والنصارى، لمحاولتهم قتل نبي الله عيسى عليه السلام، “وما قتلوه يقيناً”، والقائد الروماني تيتوس يشن حملة عسكرية على القدس انتهت بتدمير واسع وسبي أعداد كبيرة من اليهود، “وقطعناهم في الأرض أمماً”، وفي القرن الحادي عشر ميلادي بريطانيا وأوروبا المسيحية الكاثوليكية تطرد اليهود نتيجة الفساد والإفساد بالدعارة والفتن والربا، وفي القرن الثالث عشر ميلادي، -عهد الملك “هنري الثامن”- قام اليهود بإنشاء جمعية حقوقية خيرية باسم “جمعية الانسانيين” ووقفت إلى جانب الملك، والذي دخل في صراع مع الكنيسة الكاثوليكية لعدم إجازة الكنيسة بزوجة ثانية له، وقاد هذا الخلاف الملك إلى إعلان الانفصال عن الكنيسة البابوية، وكلف “توماس كرومويل” اليهودي وجمعيته الإنسانية بقيادة الحملة على الكنيسة، ليقود حملة دموية متوحشة، فهدم وأحرق الكنائس وقتل الرهبان، حتى استحق لقب “جزار الخراف الحقير” كما أورده الكاتب “أندريه موروا” في كتابه “تاريخ إنجلترا”، وليظهر المذهب البروتستانتي الذي حلل ما حرمته الكنيسة الكاثوليكية، وليغنم الملك هنري الثامن بالزوجة الثانية، ثم جاء النائب اليهودي “أوليفر كرومويل” ليكمل الجريمة، مدعياً أن الله يوجهه، واصدر أمر بعودة اليهود إلى بريطانيا، وحرم دخول الكنائس وقتل من يدخلها وطبق الشرعية التوراتية حسب زعمه، وادعى أن الرب أختار بريطانيا بديلاً عن إسرائيل، وأن بريطانيا هي الطريق إلى فلسطين، قبل أن يعود النظام الملكي إلى بريطانيا ويسيطر اليهود بأساليب أكثر دهاء على الدولة بالديون والقروض والتزاوج بين نبلاء الإنجليز وفتيات اليهود، حيث قال الكاتب الإنجليزي “هيبس” أن “النبلاء الانجليز الخالون من الدماء اليهودية هم أندر وجوداً من العنقاء في القرن العشرين”، ومن هنا ظهر التحالف اليهودي المسيحي البروتستانتي بدمج العهد القديم ”التوراة” مع العهد الجديد “الانجيل“ وأسموها لاحقا المسيحية الصهيونية، وسيطر اليهود على بريطانيا، وتحولت بريطانيا من الكاثوليكية إلى البروتستانتية اليهودية الصهيونية الاستعمارية المنفذة للمشاريع الصهيونية والاستعمارية، وهكذا صنع الكبريت امبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
وفي الأمس البعيد والبعيد الرحالة والقرصان “كريستوفر كولومبوس” يكتشف العالم الجديد 1492م ويطلق عليه وطن الهنود الحمر، وبشرعية القتل البروتستانتي التكفيري المقدس ومبرر التبشير وهداية 200 مليون هندي أحمر كافر، خرجت البارجات والسفن البريطانية من لندن قاصدةً وطن الهنود الحمر، ورائحة الكبريت تغطي القارة، ويتم محو شعب الهنود الحمر واغتيال وطنهم بمسمى أمريكا 1507م نسبة للملاح البرتغالي “أمريكو فيسبوتشي”، ووطن الهنود الحمر، يصبح بالغزو والاحتلال مستوطنة للعرق الأوروبي الأبيض تحت اسم “نيو إنجلاند”، ولاحقاً بعض العرق الأبيض يعلن الثورة والتحرير والاستقلال عن التاج البريطاني الملكي في عام 1776م بقيادة جورج واشنطن و13 ولاية توقع وثيقة الاستقلال باسم “الولايات المتحدة الأمريكية”.
وبعد خمسين عاماً من الاستقلال الأمريكي وفي عهد الرئيس الخامس “جيمس مونرو” قال فلاسفة الحكم لقد تجاوزنا الليبرالية والغاية إمبريالية توسعية حسب مبدأ “مونرو” لاحتكار نصف الكرة الغربي، ومن هنا بدأ الكبريت يتحدث بلسان الجغرافيا، وكان ضم ولاية فلوريدا الإسبانية، ثم اجتزاء ولاية “نيو مكسيكو” من المكسيك وضمها للاتحاد، حتى أصبحت الولايات الأمريكية بـ 50 ولاية، وأمريكا تنتقل للإمبريالية التوسعية في العالم، وتحول الكبريت إلى قواعد وأساطيل تطوق العالم وهناك 750 قاعدة عسكرية تنتشر في 80 دولة حسب “ديفيد فاين” مؤلف كتاب “أُمة عسكرية”، والأمة العسكرية تعمل لصالح شركات النفط “الشقيقات السبع” ومصانع الأسلحة العملاقة التي تسيطر على القرار السياسي والعسكري الأمريكي، وهو ما يعرف بمفهوم الدولة العميقة في أمريكا، التي تحولت إلى أمريكا المخابرات والعمليات السرية حيث تم تأسيس وكالات المخابرات الأمريكية السبع في عهد الرئيس الأمريكي “هاري ترومان” عام 1945م الذي شرعن استعمال القنبلة النووية في اليابان وشرعن صنع القنبلة الهيدروجينية وأسس حلف الناتو.
من فرساي إلى نيويورك وفيتو الشيطان
في الأمس البعيد وبعد الحرب العالمية الأولى وتقسيم تركة الرجل العثماني المريض وظهور دول قومية، كانت معاهدة فرساي، ومن رحم الرئيس الأمريكي “ويلسون” ولدت “منظمة عصبة الأمم”، وساد نوع من الاستقرار والأمن العالمي بالرغم من شرعنة الاستعمار والانتداب والتقسيم في الوطن العربي؛ وساد الرخاء الاقتصادي في الغرب الرأسمالي، والمفارقة العجيبة أن أمريكا كانت أول دولة تنسحب من “عصبة الأمم”، وتضررت أوروبا وألمانيا بانهيار اقتصاد أمريكا وساد الكساد الكبير، وانتعش الخطاب العنصري اليميني، وبديمقراطية الصندوق صعد “أدولف هتلر” للحكم واتهم اليهود بافتعال الأزمة الاقتصادية العالمية، وينزع عنهم الجنسية الألمانية، وهتلر وإيطاليا موسوليني الفاشي واليابان يتجهون لبناء القدرات العسكرية مخالفين بذلك “معاهدة فرساي”، واليابان تغزو وتحتل منشوريا والصين، وإيطاليا تحتل الحبشة وإريتيريا والصومال وليبيا، وألمانيا تضم النمسا وتشيكوسلوفاكيا، في ظل عجز تام لـ”عصبة الأمم”، فكانت الحرب العالمية الثانية بين الحلفاء والمحور، انتهت بهزيمة دول المحور ألمانيا وإيطاليا واليابان، ومن جديد أمريكا تدعو إلى قيام منظمة “الأمم المتحدة”، والشرعية الأممية تشرعن احتلال وتقسيم فلسطين وظهور الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي.
وفي الأمس القريب وإلى اليوم أمريكا البروتستانتية تحطم القانون الدولي وترفع الفيتو في كل محفل لا يتوافق مع هيمنتها، وكما للكيان مشروع إسرائيل الكبرى، كان لأمريكا مشروع أمريكا الكبرى بكامل كندا وقناة بنما وتغيير اسم خليج المكسيك لخليج أمريكا ومؤخراً بكامل القارتين الأمريكيتين، وكامل جزيرة غرينلاند الدنماركية، وتغيير أنظمة إيران واقتطاع أجزاء من الأردن وسوريا ولبنان ومصر وضم غزة والقدس والضفة للكيان الصهيوني، مروراً بتهديد جغرافيا وشعوب ومقدرات الأمم في كولومبيا وكوبا ووصولا لاختطاف رئيس فنزويلا من أرضه، وسط هذا التدمير والنهب البروتستانتي أطل المفكر والفيلسوف الروسي “ألكسندر دوغين” بالقول أن “السيادة الآن يمكن أن تُختزل إلى امتلاك الطاقة النووية”، وأن القانون الدولي “انتهى” وأن الأمم المتحدة “غير موجودة”، تمامًا مثل عصبة الأمم في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، وأن العالم يتجه بخطوات متسارعة إلى الحرب العالمية الثالثة أكثر من أي وقت مضى، موضحاً أن لدى روسيا نظيرها الخاص والمباشر لمبدأ مونرو يطلق عليه اسم “اليوروآسيوية” ولا يوجد حل آخر سوى تنفيذه الآن.
مونرو على طاولة الشيطان
اليوم تزكم رائحة الكبريت الأنوف، وتغطي سماء فنزويلا، فهي المتحالفة مع الشرق والمتبنية لمواقف أخلاقية منذ عقود، وصاحبة أكبر احتياطي للنفط في العالم وثروات جاذبة لروائح الكبريت، وأبعد من ذلك، الشيطان يتملكه الغرور بأضغاث أحلام تدمير إيران بوصفه ممراً لإخضاع روسيا والصين حسب وصايا المفكر الأمريكي الصهيوني “هنري كيسنجر”، لكن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي، وللانتقام الإيراني بتدمير المصالح الأمريكية في الخليج تداعيات التسبب بأزمة نفطية عالمية غير مسبوقة، تريد أمريكا تفاديها بالسيطرة على نفط فنزويلا ويفيد التحكم والتلاعب بسوق النفط، وللضغط على الصين وروسيا، فالأولى أكبر مستورد للنفط في العالم، والثانية إحدى أكبر المصدرين للنفط في العالم.
على طاولة الشيطان عاد مونرو ليتصدر استراتيجية الأمن القومي الأمريكي لعام 2026، ومع ذلك، تجري الرياح بما لا تشتهيه أدخنة الكبريت، فمستشار الأمن القومي السابق لترامب “جون بولتون” الذي شدد في العام 2019 على ذات استراتيجية “مونرو” لإعادة تشكيل أمريكا اللاتينية يقول أن “ما حققه ترامب من اختطاف مادورو هو انتصار أجوف”، نعم أجوف، فالاختطاف ليس بمستوى التدمير وتغيير النظام، والقرصنة على النفط في البحار ليس كالسيطرة على الآبار وإدخال الشركات النفطية للداخل الفنزويلي، وترامب خائف ويختلق ألف مبرر وذريعة لشرعنة الغزوة المدفوعة بضغوط وثائق الصهيوني “جيفري إبستين”، فكلما طفحت الفضائح للسطح اندفع ترامب لتنفيذ أجندة بني صهيون ليتراجع الملف في أدراج النسيان، تماماً كما استخدموا “خاشقجي وجاستا” عصاً لترويض النظام السعودي وسوقه في ركابهم، وكذلك الشيطان يخوف أولياءه.
ترتكب الصهيونية اليوم خطأً استراتيجياً سيفتح عليها “صناديق باندورا”؛ ففنزويلا ليست لقمة سائغة، والشارع الأمريكي يرفض تمويل الحروب الخارجية، فضلا عن انقسام الحزب الجمهوري نفسه، وسنرى نتائج مريرة للإدارة الأمريكية في الانتخابات النصفية والتي ستسفر عن معارضة حادة لترامب في مجلسي النواب والشيوخ، وربما نرى عزلاً لترامب لفشل غزواته ونتائجها العكسية، ومن يدري بسماع العالم أنباء عزل ترامب المجنون والفوضوي أو على وقع فضائح “إبستين” أو فضائح بطلة أفلام “البلاي بوي” وفضائح كتاب “الخوف” للكاتب الشهير “وود وورد” الذي أجبر الرئيس الأمريكي السابق “ريتشارد نيكسون” على تقديم استقالته بعد نشره فضيحة “ووترغيت”. والوضع الاقتصادي الأمريكي متراجع، والدراسات الأخيرة تقول أن 80% من الأمريكيين لم يعودوا قادرين على الادخار، والدولار يعيش أسوأ أيامه منذ 8 أعوام، بينما يرتفع الذهب ارتفاعا سيفقد الدولار ثقة العالم به، وسيوجِّه ارتفاعه ضربات مركزة على الاقتصاد الأمريكي، مع تضعضع سوق النفط وسوق سندات الدين الأمريكية.
أبناء بوليفار مستعدون
وفي مشهد سوريالي يمثل الرئيس الفنزويلي مادورو أمام محكمة القراصنة في نيويورك والتي تتلو لائحة اتهامات على سائق الحافلات السابق والرئيس المختطف وهو صاحب الراتب المتواضع قياسا بأقرانه من الزعماء بـ4 آلاف دولار شهرياً، والذي لا يوازي مخصص أحد أبواق منافقي حكومة الفنادق وخونة اليمن في كشوفات الإعاشة، وكان الرد على قدر الاتهام: “أنا رئيس فنزويلا ولست مذنباً وأعتبر نفسي أسير حرب”.
وفي كاراكاس نائبة الرئيس الفنزويلي “ديلسي رودريغيز” تتولى منصب الرئيس المؤقت، وتؤكد أن مؤسسات الدولة كافة السياسية والعسكرية والأمنية في حالة استنفار كامل للدفاع عن الاستقلال والسيادة الوطنية بعد “هجوم وحشي” تعرضت له البلاد، وتؤكد أن “فنزويلا لن تعود أبدا مستعمرة لأي إمبراطورية”، مستحضرة مع الشعب البوليفاري إرث الزعيم التاريخي سيمون بوليفار.
والصين وروسيا تلتقط من مادورو ورودريغيز البناء القانوني لتوظيف كل الممكن وما بعد الممكن، فالصين تقول أنها ستعارض بشكل “ممنهج” أن تنصب دولة نفسها قاضية أو شرطية على العالم، وما يصدر عن الصين ستراه من روسيا بشكل أقل لصالح استنساخ سردية تناظر سردية “مبدأ مونرو” الغربي، بمبدأ “اليوروآسيوية” الشرقي، وتليها الدول التي ستكون فاعلة في الملف وهي الدول التي أصدرت بيانا مشتركاً يندد بـ”الانتهاك الأمريكي الواضح للقانون الدولي وسيادة الدول”، وهي البرازيل وتشيلي وكولومبيا والمكسيك وإسبانيا وأوروغواي، فالبرازيل صاحبة الاقتصاد الأقوى في أمريكا اللاتينية وهي الركن الرابع في مجموعة بريكس، ولا عجب أن نرى إسبانيا العضوة في الناتو تسبب الصداع لترامب، فإسبانيا موقعة على شراكة استراتيجية مع الصين، وإسبانيا صاحبة الإرث الاستعماري السابق للدول اللاتينية لن تسمح بمسح جزء من كينونتها هناك، بل أن هذه الدول تراها حرباً كاثوليكية في مقابل البروتستانتية.
والشيطان يشتاط غيضا ويتحسس الفشل، ويهدد بالمزيد من الكبريت لخليفة مادورو “رودريغيز” بدفع ثمنٍ أكبر من مادورو، والثمن غالي، غالي يا ترامب، وقد دفعه الشعب الفنزويلي عشرون عاماً من حصار ومؤامرات الشيطان عليه، والتي تحدث عنها “تشافيز” ذات يوم أنها مقابل الكرامة، “رائحة الكبريت تملأ المكان، ولكن الله معنا”، وهذه صفة مميزة لليسار الاشتراكي الماركسي في أمريكا اللاتينية وفيتنام المعتز بعقيدته وهويته، على عكس اليسار العربي الذي أخلى الساحة تماماً للإسلام التكفيري والوهابي وقوى تدعي أنها تمثل الإسلام، فكانت الكارثة على اليسار والأوطان والإسلام والقيم والمبادئ والأخلاق، فكل الشعوب والأمم تعتز بهويتها وعقيدتها عدا من تحالفت مع اليهودية، فيما اليهود يستقدمون ما يعتبرونه تاريخهم في كل شاردة وواردة حتى أسماء العمليات والوحدات العسكرية والأسلحة السواد الأعظم منها مسميات تاريخية يهودية من “سهم باشان” إلى “عربات جدعون” و”مقلاع داؤود”، و”وحدة نحشون” المسؤولة عن السجون وهي كلمة مشتقة من اسم “نحشون بن ياكيم” وهو أول من عبر البحر بعد سيدنا موسى عليه السلام.
إسبانيا تدافع عن إرثها.. والعرب يحرقون تاريخهم
وهكذا هي إسبانيا العضوة في الناتو تسارع لأخذ موقعها المزعج لأمريكا دفاعاً عن إرثها الثقافي الاستعماري في الدول اللاتينية، بينما تسارع أنظمة التطبيع والانبطاح العربي في تدمير وتحطيم حضارتها العربية والإسلامية خدمة لبني صهيون، فغيرت مناهجها الدراسية وحذفت آيات الجهاد منها، وكما اخترقت الصهيونية اليهودية المسيحية الكاثوليكية بالبروتستانت، اخترقت الإسلام بالوهابية التكفيرية السعودية، وعندما ظهر المذهب الوهابي السعودي في نجد عام 1745م وصفه قنصل فرنسا في حلب “كوارا نسيز” في كتابه “تاريخ الوهابيين” بـ”الصفاء والنقاء” وبأنهم “بروتستانت الإسلام”.
وكما حضر “توماس كرومويل” و”أوليفر كرومويل” إلى بريطانيا لتعليمها الدين النصراني البروتستانتي وتهويد الأمة البريطانية ثم نشر الحروب والفتن في قارات العالم، حضرت إلى نجد أسرتان من أصل يهودي لتُعلِّم المسلمين أمور الدين الإسلامي بالعودة إلى الإسلام الذي أعلن الجهاد في ديار العرب والمسلمين، فأحد شيوخ القبائل “الشيخ بن سحمي” يقول في تصريح نشره المستر ”هـ.ر.ب ديكسن” رجل المخابرات البريطاني المعروف في الكويت “لم نكن نعلم بادئ الأمر أن بريطانيا جاءت تُعلمنا أمور ديننا، مُرسلةً لنا بجون فيلبي وعبدالعزيز آل سعود، ولم نُدرك هذه الخديعة إلّا بعد فوات الأوان، بعد انقسام المدينة الواحدة والقبيلة والعائلة وقام الأخ بقتل أخيه”، وها نحن اليوم نصل إلى زمن التحرير المناطقي وليحرر الأجنبي اليمني من اليمني، والسوري من السوري، وابن درعا يقتل ابن دمشق، وابن الموصل يقتل ابن بغداد، وابن حضرموت يقتل ابن حضرموت، وبتعاليم الإسلام السعودي الوهابي التكفيري أصبح ابن مأرب يبارك قتل الطائرات الإسرائيلية والأمريكية لابن صنعاء، وابن الرياض يتراقص طرباً في مواسم قريش أثناء سحق اليهود لأطفال ونساء المسلمين السنة في غزة فلسطين، وروائح الكبريت باتت كبتاغون وخمور تذهب العقل والغيرة ومعاني الحمية والعروبة والأخوة الإسلامية، وليظهر “بروتستانت الشرق” بعد “بروتستانت الغرب” وعلى مدى 270 سنة فعل هذا الإسلام التكفيري وبكل مسمياته فِعلهُ في جسد الأمة الإسلامية والعربية جغرافيا وإنسان، وكان معاول الهدم للداخل تمزيقاً وتقسيماً وفتن دموية متواصلة.
وكما انسلخت أوروبا الكاثوليكية من هويتها، يراد سلخ ديار الإسلام عن هويتها، وما نراه في بلدان الخليج من خدمات وأضواء وناطحات يسمى مدنية أو تمدن وليست حضارة، فالحضارة هي الإنتاج الفكري والثقافي والمعرفي والمادي مع منظومة قيم أخلاقية تضبط وترعى مسار التطور والتقدم الحضاري، والتقدم الحضاري الغربي الأوروبي يراه الباحث الأمريكي “والت جارلينجتون” ليس مقياسا للتقدم، فهو استفاد من العلوم وحولها لديناميكية براقة لكنه أهمل الإنسان.
ولعرب الصحراء من حقد النياق نصيب
وما يحدث في الخليج من صراع بين الرياض وأبو ظبي، ليس لتنفيذ سنن الله تعالى في الأرض بمواجهة خطر اليهود واجتناب موالاتهم، بل صراع على تسيد حلف الموالاة لليهود، وعليه سنرى ترجيحاً للمزيد من المتغيرات المؤثرة على مستقبل المنطقة، خاصة في اليمن والسودان وليبيا والصومال، بل على السعودية والإمارات نفسها، فإما أن تكسر الأولى الثانية أو العكس، وما ذلك عن قطر ببعيد، ولا نستبعد حدوث انشقاقات في العائلات الحاكمة او اغتيالات متبادلة مع حظ أوفر لاغتيالات إماراتية في السعودية مدعومة إسرائيليا.
ولا عجب من حدوث ذلك في معسكر غربي موالي لليهود، فعرب الصحراء لهم من حقد النياق نصيب، والرياض التي تساوم بمفاعل نووي وبرنامج صاروخي مقابل التطبيع والانصهار الاستراتيجي مع الكيان تبدو ثقيلة في حسابات الصهاينة أمام خفة واندفاع الإماراتي الذي يقدم الولاء والخدمات والمزايا الأفضل والأرخص وبلا شروط، واليهودي يبقى يهودي، وما بيت الله الحرام عن أهداف بني صهيون ببعيد.
الأمم لا تسقط بالسلاح.. بل بمخالفة السنن
اليوم وبالرغم من جاهلية القوم بترسيخ الحالة المرضية التي وصفها خالق الخلق والوجود في محكم كتابه الكريم: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) ومحاولتهم تقديم المرض كحالة صحية حكيمة وصالحة، بينما لا تعدو كونها مجاهرة وقحة بالخلاف مع الله سبحانه وتعالى، وبالرغم من جاهلية البعض المأزوم بالسنن الإلهية والمجاهرة بالقول أن من يعارض أمريكا سيكون “مادورو” القادم تحت أقدام البنتاغون، وبالرغم من التنكر للدين والأخلاق والإنسانية والقيم والمنطق والواقع، والكفر بأبجديات الحياة، والجهل بالدول كبنية وحضارات وشعوب، وبالرغم من روائح الكبريت التي تملأ الفضاءات الرقمية والواقعية، وتقصف مواطن الوعي وحواس الإدراك بصنوف الأكاذيب والزور والإفك والبهتان.
وبالرغم من كل ما قيل ويقال وسيقال، لا حق يعلو فوق حقائق وسنن الله في أرضه، والأمم لا تسقط بالقوة المادية، وهذا أهم درس من دروس القصص في القرآن الكريم كتالوج خالق الخلق العليم الخبير يقول: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا اكثر منهم واشد قوة واثارا في الأرض فما اغنى عنهم ما كانوا يكسبون)، سنن النصر والهزيمة والاستبدال والاستدراج والهلاك والتمكين، سنن إلهية مؤكدة وحتمية (ولن تجد لسنة الله تبديلاً).
ومحكم التنزيل القرآن الكريم لم يقدم ثقافة “الدعارة والانبطاح والمداهنة” كحنكة وحكمة، والعالم اليوم يستشهد بالأنصار واليمن كنموذج حي ونقي غير قابل للنقض لمقاومة الهيمنة ونقض نظريات سقوط الأمم بالقوة المادية، في اليمن أمة وقيادة استجابت لمنهج الله سبحانه وتعالى وتحققت سنن الله في أرضه، في اليمن كانت أمريكا ذاتها وترامب هو نفسه من حشد أعلى ما لديه على اليمن جوا وبحرا وجواسيس الأرض والسماء، بل أعلن للملأ ما أعلنه فرعون من وعد ووعيد “إنهم لشرذمة قليلون وإنهم لنا غائظون”، وجمع كيده ثم أتى، سندمرهم سنسحقهم، وكانت النتيجة طرد البحرية الأمريكية من منطقة العمليات، بل إخراجها من فاعليتها، بل إجبار الجيش الأمريكي على إعادة صياغة عقيدته العسكرية، وإبرام هدنة إجبارية مع الأنصار، وإقرار ترامب أن اليمنيين “أظهروا شجاعة كبيرة”، إنها ثلاثية النصر الحتمي “الأمة والقيادة والمنهج” أينما حضرت ستقوم بتعطيل كل القدرات المادية اعتمادا على قوة المهيمن العزيز الجبار، اليوم بريطانيا النووية وأمريكا النووية تستأذن الأنصار عبور سفنها في البحر، أما من اعتمد على مراكمة القوة والاعتماد على إدارة المصالح والتكتيك المتعارض مع الاستجابة لتوجيهات ملك السماوات والأرض بالمواجهة والمعاداة الواضحة والصريحة سيسقط حتماً وحتماً، بل سيكون ضيفاً ثقيلاً على سنة الاستبدال، والله المستعان.
والخلاصة
غزوة ترامب في فنزويلا لم تحقق أهدافها بإخضاعها، وفنزويلا ما زالت متماسكة شعباً ومؤسسات بعقيدة موحدة ترى العدو هو الشيطان الأمريكي الذي ينفذ إنقلاباً على الدولة والمؤسسات والشرعية والثورة، والقرار واضح وصريح بمواجهة غطرسة الشيطان وإغراقه في مستنقع يضاهي فيتنام، والتعويل على خونة واضطرابات وانقسام في الجيش الفنزويلي أضغاث أحلام، فلا وجود لـ”هادي فنزويلا”، ولا وجود لأحزاب تشرعن العدوان على شعبها، واليسار الفنزويلي لا ينتج “ياسين سعيد نعمان” اليساري الذي أنهى يساريته موظفاً في عاصمة الضباب والاستعمار لندن، ولا جود لحراس تل أبيب وواشنطن في الساحل، ولا قوات درع الوطن ولا نخبة بوليفارية، ولا وجود لـ”علي محسن الفنزويلي ولا طارق الكاراكاسي ولا بن عزيز اللاتيني” وغيرهم ممن خانوا القسم العسكري وخانوا دستور الجمهورية اليمنية وتحالفوا مع أعداء الله الظالمين بالقرآن الكريم والوطنية والقومية والفطرة الإنسانية، وجيران السوء لفنزويلا لا يشبهون جيران السوء لليمن، فالأعراب أشد كفراً ونفاقاً. وفنزويلا منطقة مغلقة على دواعش التكفير الوهابي الأذرع المتوحشة في سفك الدم واغتيال الأوطان وباسم الدين، تماماً مثل التلمود والبروتستانت الذي يشكل 2% في فنزويلا بينما 96% من الشعب الفنزويلي ينتمون للمذهب المسيحي الكاثوليكي الذي ينتمي إليه الرئيس مادورو والزعيم الراحل تشافيز.
والعالم الحر يرى أمريكا اليوم الشيطان الأكبر كما قرأها مبكراً الإمام الخميني، وفضحها الزعيم البوليفاري هوجو تشافيز أنها “تعرض بقاء الجنس البشري للخطر”، وأعاد السيد عبدالملك الحوثي تثبيتها بالقول أنها وإسرائيل “أعداء الإنسانية”، وعملية ترامب يراها العالم الحر عدواناً على دولة ذات سيادة، وانقلاباً على الشرعية الدولية، وفشلاً للأمم المتحدة مشابه لفشل عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، وأن الوقت قد حان لصياغة نظام عالمي جديد يوقف انبعاث الكبريت من الشيطان الأمريكي بنظام متعدد الأقطاب، مستلهمين من روح الأنصار الثورية والتي انتصرت لتوها على عدوان إسرائيلي أمريكي بريطاني، وروح غزة المقاومة الصامدة أمام حصار عقدين وعدوان إسرائيلي أمريكي بذخائر لا تبقي ولا تذر لكنها أعجز عن كتابة شطر نصر.
ومن صرخة تشافيز بوجه كبريت الشيطان في عقر داره غرباً، إلى صرخة الشهيد القائد من مران بالموت للشيطان شرقاً، يتشكل اليوم وعي عالمي عابر للقارات، ولم يعد “سيف دموقليس” مسلطاً على الشعوب والأمم، والشرق شرق والغرب غرب ولن يلتقيا، والشرق لم يعد ذلك الشرق المستعبَد، والغرب المتعجرف لن يعود المستعبِد للأرض، والتحالفات تتجه إلى الشرق قبل بروتستانت الغرب وتهويد الأمم، وتلك وصفة النصر لسقوط نظريات تحكم القوة والماديات بإرادة ومصير الشعوب، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.