آراء الكتاب: نشوة نصر أم إذن عبور؟ – بقلم: الفينيق الأخير

ما يحدث في سوريا اليوم لا يُفسَّر فقط بما نراه على الخريطة، بل بما لا نراه خلفها.
التقدّم السريع، الانسحابات الصامتة، المدن التي تغيّر أعلامها بلا معركة، والحدود التي تُفتح كأنها كانت تنتظر.
كل ذلك لا يشبه حربًا، بل يشبه تسوية تُدار تحت الطاولة، حيث تُقاس النتائج لا بعدد القتلى فقط، بل بحجم الصمت الذي رافقها.

انسحاب بلا هزيمة

حين تراجعت قوات سوريا الديمقراطية بهذه السرعة، لم يكن ذلك لأنها هُزمت عسكريًا، بل لأنها اختارت ألا تُقاتل.
وهذا ليس جبنًا ولا خيانة، بل قراءة باردة لموازين القوة.

قسد تعرف أنها بلا مظلّة دولية صلبة اليوم.
تعرف أن واشنطن لم تعد مستعدة لحرب جديدة.
تعرف أن أنقرة تراقب، وأن أي مواجهة مفتوحة قد تحرق ما تبقّى من مكاسبها.

لذلك انسحبت لتبقى، وتفاوضت لتنجو، وسلّمت ما يمكن تسليمه لتحتفظ بما لا يُسلَّم بسهولة: الوجود.

من تقدّم… ولماذا؟

لكن المشهد لا يُفهم من زاوية من انسحب فقط، بل من زاوية من تقدّم.

لماذا يُسمح لقوة ذات ماضٍ جهادي مُلطّخ بالدم أن تتقدّم وتنتصر بهذه السهولة؟
الجواب ليس أخلاقيًا، بل سياسيًا بحتًا.

العالم لا يبحث عن الطُهر، بل عن من يمسك الأرض.
لا يكافئ البراءة، بل القدرة على فرض مركز.
وفي لحظة التفكك، يصبح “الاستقرار” هو الاسم الحركي للتغاضي.

يُغضّ الطرف عن الماضي، وتُفتح نافذة مشروطة للمستقبل، على أمل أن يُروَّض الوحش بدل أن يُكسَر.

نشوة الغلبة

هنا تبدأ نشوة الغلبة.
تُرفع الرايات، تُلتقط الصور، ويُقال إن الطريق فُتح بالقوة.

لكن الغلبة السريعة ليست دليل سيادة، بل علامة سماح.
لأن ما يُفتح بلا حرب إقليمية، ويُعبَّد بلا ردع دولي، لا يُفتح صدفة.

النشوة هنا ليست خاتمة، بل مرحلة اختبار.

الوكيل يصل حيث لم يصل الأصيل

في منطق الجيوسياسة، نادرًا ما تصل القوى الكبرى إلى غاياتها بأجسادها.
غالبًا ما تصل بوكلاء.
لا بعلمٍ مرفوع، بل بمسارٍ يُفتح.

وحين قيل إن إسرائيل لم تبلغ الفرات كأصيل، لم يكن المقصود جنديًا يعبر النهر، بل دولةً تُفكَّك قبل أن تصل.

اليوم، يصل الوكيل حيث لم يصل الأصيل، لا لأنه عُمِّد سرًّا، بل لأن الطريق فُتح له، والاعتراض أُجِّل، والممانعة صمتت.

ليس السؤال إن كان الفاعل “مزروعًا”، فهذه لغة اتهام مبسّطة،
بل لماذا سُمِح له بالعبور،
ولماذا أُغلقت الجبهات في وجه غيره،
ولماذا صار عمق البلاد متاحًا بلا حرب إقليمية.

حين تُضعَف الدولة المركزية، وتُعاد صياغة العدو، وتُدار الحدود لا لتحريرها بل لتهدئتها، تتحقق النتيجة ذاتها:
لا سيادة كاملة،
ولا مواجهة مباشرة،
بل إدارة نفوذ عبر قوى محلية.

الشرعية الهشّة

نشوة النصر التي نراها اليوم ليست دليل قوة، بل علامة هشاشة.
لأن الشرعية المبنية على الغلبة لا تصمد أمام سؤال الخبز،
ولا أمام سؤال العدالة،
ولا أمام سؤال الدم.

وكلما طال الفارق بين الوعد والواقع، تحوّلت النشوة إلى اكتئاب،
وتحوّل الهتاف إلى غضب.

هذا لا يتطلب مؤامرة “سحق لاحق”.
يكفيه فرق الوعود عن الواقع، وانكشاف الكلفة.

الخاتمة

سوريا اليوم لا تُحكَم، بل تُدار.
لا تُستعاد، بل تُضبط.

وما يُسمّى نصرًا ليس إلا لحظة سماح، قابلة للسحب متى تغيّرت الحسابات.
من يصل إلى العمق لأن الطريق فُتح له، سيُطالَب يومًا بدفع ثمن المرور.
ومن يُكافأ لأنه أمسك الأرض، سيُحاسَب حين يعجز عن إطعامها، أو تهدئتها، أو تبرير دمها.

التاريخ لا يعترف بنشوة الغلبة، بل بحصيلة الحكم.
ولا يرحم من ظنّ أن الوكالة سيادة، أو أن السكوت قبول، أو أن التأجيل نجاة.

في لحظة ما، سيتوقف الصمت، وستُغلق المسارات،
وسينكشف الفرق بين من انتصر فعلًا، ومن كان مجرّد مرحلة.

وحينها، لن يسأل أحد كيف وصلوا إلى هنا،
بل لماذا تُركوا ليصلوا!

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق