لاتزول من ذاكرتي كلمات ذلك الرجل من مدينة درعا الذي كان يقول لي في بداية الأحداث أن الثوار لن يتوقفوا حتى النصر واسقاط النظام .. كان ذلك نهاية عام 2011 على ما أذكر .. ويومها قلت له ولكن لاتملك أنت الحق في أن تأخذ البلاد الى الهلاك والدمار لأنك غاضب .. نحن أيضا لنا حصة في البلد ولست أنت فقط من يملكها ليقرر مصيرها .. وسكان دمشق وحلب لم يستشرهم أحد في الثورة ولانريد ان ندمر بلادنا في قضية لاتحتاج خرابا .. وكذلك باقي السوريين لم يستشرهم أحد وأنت تتحدث باسمهم .. فلماذا تصرعلى مصادرة رأينا وحقنا في أن نحمي البلاد من الدمار؟؟ .. ثم ذكرته بما آلت اليه ليبيا من دمار .. فما كان منه الا ان نظر بعينين حمراوين يقدح منهما الشرر و الغباء المطلق .. وقال لي سنجعل سورية عشرين ليبيا .. ولن نكترث .. المهم أن تنتصر الثورة !!.. وهنا سألته بهدوء قائلا: ومن الذي سيبني بلادا مدمرة ؟؟ وكم من السنين سنحتاج لبناء بلدنا اذا دمر .. فقال بكل ثقة: العرب .. والخليج سيدفع لنا كل فلس وسيبنيها لنا ..
وهنا تذكرت كيف أن صدام حسين فعل نفس الشيء و وثق بالعرب و الخليج كما صدق معتوهو الثورة وعود العرب .. فقد حارب الرئيس صدام حسين عن العرب و الخلايجة في مشروع سماه القادسية .. وكانت دول الخليج تنفق بسخاء لاحدود له .. وكانت المساجد في الخليج تجمع التبرعات للعراق .. وكانت الخزائن الحكومية وصناديق تلك الدول وموازناتها مفتوحة للحرب المقدسة .. ناهيك عن مئات الصحفيين والاعلاميين والكتاب الذين تم تجنيدهم لتصوير معركة القادسية العراقية على أنها معركة الأمة والبوابة الشرقية ضد ايران الفارسية المجوسية ..التي يتصدى لها حارس البوابة الشرقية .. صدام حسين .. فيما كانت بواباتنا الجنوبية في فلسطين مخلوعة وبلا اي باب .. ولكن البوابة الشرقية كانت تساوي كل بوابات العالم في نظر العرب ..
وفقد العراق مليونا من ابنائه بين شهيد وجريح ومعوق ومفقود ومجنون .. وعندما انتهت الحرب عاد الجنود العراقيون الى المقاهي والوظائف ووجدوا بلادهم فقيرة .. وقد انفقت كل مالها في الحرب وصار العراقيون يبحثون عن الحلول والتعافي الاقتصادي .. وفوجئ صدام حسين ان الخلايجة بعد الحرب وبدل ان يعينوه على تعويض خسائرة الاقتصادية الهائلة عمدوا الى اغراق أسواق النفط بالنفط .. فهبط سعر برميل النفط هبوطا حادا وصار يباع بأقل من عشرة دولارات وأحيانا بسبعة دولارات بعد ان كان يقدر له ان يصل الى قرابة ستين دولارا .. وصار بعض الكويتيين يرسلون زعرانهم الى المقاهي العراقية ويحاولون اذلال العراقيين بأموالهم .. ووصلت الى مسامع صدام حسين ان الكويتيين صاروا يتندرون على النساء العراقيات (الماجدات) ويقولون ساخرين ان سعر الماجدة العراقية سيهبط الى سعر برميل نفط وأقل وانهم سيشترون اغلى امرأة في العراق بعشرة دولارات .. وقد أوصل الناس هذه الاهانات للرئيس العراقي .. فاتصل صدام حسين بـ(أخوته العرب) السنة الذين قاتل عنهم في القادسية .. وقال لهم غاضبا وعاتبا عبر مبعوثه للسملك السعودي: ان العراق دفع من دم أبنائه لحماية العرب والبوابة الشرقية .. فلماذا يتآمرون عليه؟ ولماذا يدمرون أسعار النفط فيما العراق أحرج مايكون لميزانية اعادة بناء قوية .. واذا كان للعرب من شرف فعليهم أن يدفعوا للعراق مساهمات مجانية لاعادة اعماره ردا للجميل .. ؟؟ فماذا كان الجواب لطلب الرئيس العراقي؟
أتى الجواب للرئيس العراقي لاحقا عبر قنوات خليجية بأن صدام انما خاض القادسية بأموال العرب وصار بطلا بسب أموالهم وعليه الآن هو أن يسدد تلك الديون .. فما دفع له ليس منحة أو هبات بل هي ديون مستحقة .. وعليه ان يشكر دول الخليج انها أعطته من مال أبنائها .. واذا كان لديه شرف فعليه ان يعيد مااستدانه منهم وأن يشكرهم انهم ساندوه بكل مالديهم كيلا يسقط جيشه؟
وبقية العراك العربي العربي تعرفونه.. فقد دخل صدام حسين الى الكويت وقرر هدم هذه الممالك بدءا من الكويت .. وكان يدخل الفخ الذي نصبه له الخلايجة منذ الطلقة الأولى التي أطلقها في (القادسية) .. وانتهت الحكاية السنية السنية في نيسان عام 2003 .. وكتب الفصل الاخير فيها باعدام الرئيس صدام حسين السني الذي تأمرت عليه الدول السنية رغم انه كان يقاتل لهم النظام الشيعي الصفوي المجوسي وفق تعبيراتهم .. وأخذ الجميع كل ديونه من العراقيين .. ويقال لأنه الى اليوم لايزال العراق يسدد هذه الديون ..
اليوم يتكرر نفس المشهد والخديعة والوهم مع السوريين .. فلايزال السوريون غير مصدقين كيف انهم وبعد عام كامل من (التحرير) لايزالون لم يلعقوا من ملعقة العسل الاقتصادي الذي وعدوا به .. ولايزوال ذلك الدرعاوي ينتظر ان تصل أموال الخليج لاعمار ماخربه هو .. فالملعقة تنزل في الخزينة السورية وفي جرة العسل السوري وترفع لتلعقها جهات أخرى والسنة الدول المحيطة .. تركيا تلعق وقطر تلعق والخليج يريد ان يحصل على حصة في المرافق الحيوية لابتلاعها ..
ومنذ اسبوعين عندما نقلت استغرابي لشخصية خليجية ثرية أعرف انها على علاقات وثيقة بالأسر الحاكمة في الخليج كان رده باردا جدا وفي منتهى الهدوء .. وتذكرت ما تلقاه صدام حسين من رد بارد خليجي بعد الحرب .. اذا قال الثري الخليجي:
ياسيد .. عليكم انتم وبقية العرب ان تعلموا منذ اليوم ان دول الخليج ليست جمعيات خيرية .. نحن دفعنا أموالا طائلة لنصرة الشعب السوري .. وهذا زمن تسديد الديون .. نحن دفعنا في آخر مرة لترامب أموالا هائلة لرفع قانون قيصر عنكم .. فهل تعتقدون اننا دول نتبرع لكم ولمصالحكم بمالنا دون مقابل ؟ وأضاف: على السوريين ان يشكرونا اننا نحن من ساندهم وأعطيناهم وآويناهم وأنفقنا على المعارضة وكل رصاصة كانت تصل كانت تدفع من أموالنا وأموال أبنائنا .. وكل مجاهد لمؤازرتكم كان يصل اليكم كنا ننفق عليه وعلى عائلته .. واليوم تحررت سورية والحمد لله. ونحن نريد استرداد مادفعناه .. لذلك على اخوتنا السوريين ان لايفكروا انهم سيرتاحون ماليا قبل عشرين أو ثلاثين سنة .. يعني ربما يسدد هذه الديون احفادكم ..
وسألته هنا .. وكيف سنسدد؟ قال نحن نستملك كل المرافق الحيوية والمنشآت السورية اعقود من الزمن .. وهناك ثروات في بلادكم ستحصل عليها دول بعينها مثل الولايات المتحدة وتركيا .. وهذه الدول ستسترد اموالها وحصصها من استثمار الثروات الباطنية والزراعية وفواتير الكهرباء والطبابة والتعليم والحوالات والصيرفة وستظهر مؤسسات تخضع للرقابة الدولية مهمتها تسديد أقساط الثورة عبر منح صناديق لهذ الدول ..
قلت له ولكن الثورة السورية قدمت لكم هدية ثمينة وهي اخراج ايران من سورية كما يقولون ومحاصرة حزب الله والهلال الشيعي وفق أدبياتكم .. فقال لي وبكل صراحة مبتسما: هذه شعارات لشحن الثوار .. ولكن في النهاية ستكونون في غاية السذاجة ان تخيلتكم اننا سنضع أموالنا في براميل لا قعر لها .. وضحك بطريقة أغمضت عينيه الصغيرتين .. وقال: انتم تحررتم من البراميل ولكن لن نملأ براميلكم بالمال .. انت تعلم ان الحروب في أحد اوجهها حروب اقتصادية .. والغرب يدمر البلدان من اجل ان تعيد شركاته بناءها .. يعني العراق دمرته الولايات المتحدة وبريطانيا .. ولكن عقود اعادة الاعمار والخدمات في غالبها لشركات امريكية وبريطانية .. وسورية ستكون كذلك .. ولذلك على كل فرد سوري يولد الان ان يعرف انه (مديون) للسنوات الثلاثين القادمة .. اي كل طفل سوري قبل ان يولد (مديون) لنا وللشركات الغربية .. ولن تروا انتعاشا حقيقيا قبل ثلاثين سنة .. وربما يستغرق الامر خمسين سنة .. اما قصة اننا ندفع لكم مجانا فهذه خرافة .. حتى الانكليز دفعوا للولايات المتحدة ديون الحرب العالمية الاولى وبقيت بريطانيا تسدد ديونها حتى مطلع التسعينات من القرن الماضي .. فكل طلقة وكل وجبة جندي اميريكي كانت تسجل ديونا على بريطانيا التي لولا اميريكا لكانت اليوم تتكلم الالمانية .. وسورية اليوم بسببنا لن تتكلم الفارسية … فقلت .. لكن من يصير (مديونا) لايهمه بأي لغة يتكلم .. وسيتكلم بلغة الدائن .. وابتسم وقال .. لذلك ربما ستتكلمون التركية .. وربما .. العبرية .. هذا لايهمنا .. هذا شأنكم .. ولكن مايهمنا ان نسترد ديوننا ..
طبعا هذا الكلام يعني ان عملية تدمير المنشأت الحيوية كانت شيئا في المخطط الاقتصادي .. فتدمير محطة زيزون الحرارية وغيرها مثلا وكل محطات الكهربكان بقصد خلق أزمة كهرباء .. لخلق فراغ يسمح للشركات التركية ان تملأ الفراغ .. وتقوم الشركات التركية باسترداد ماتدعي انها دفعته من دعم للشعب السوري واستقباله فهي تسترد ديونها من جيوب الشعب السوري عبر مشاريع استثمار الشركات التركية في قطاع الطعرباء والصحة والتحويل المصرفي ..
باختصار .. لاتصدقوا اوهام ان اموالكم لكم وانكم ستعيشون في بحبوحة .. واسألوا الشعب الليبي .. والعراقيين .. الذين لايزالون يدفعون أموال بلادهم للشركات الغربية رغم انتهاء الحرب عام 2003 ..
أيها السوريون استعدوا منذ اليوم لتتعايشوا مع فكرة أنكم تدفعون اليوم ديون الثوار وثمن جلب المهاجرين والرصاص الذي دفع لكم .. وعلى كل مولود سوري جديد ان يعرف انه ولد مدينا لمدة ثلاثين الى خمسين سنة .. لتسديد فواتير الثورة (الغبية) التي كانت فخا مثل قادسية صدام .. ثورة من أجل لحية الرئيس وحجاب زوجته .. ومن اجل ان تصلي أنت في نفس الجامع الذي كنت تصلي فيه ويصلي فيه أبوك .. وستصلي نفس الصلاة .. ولكن في الماضي كنت سيدا مالكا في وطنك .. واليوم أنت تصلي في وطن لاتملك منه شيئا .. حتى الصلاة .. ستؤخذ منك .. وسيبيعها التجار للتجار .. ففي الفقر تباع الأديان .. وتباع الاوطان .. وتباع العفة .. وتباع الصلوات ..
انها ثورة المغفلين الحمقى الذين قاتلوا واستماتوا من اجل ان يعيشوا فقراء .. ويعيشوا عبيدا .. ومدينين بكل مالديهم من مال .. وأن ينجبوا أبناءهم ليعيشوا فقط لتسديد ديون آبائهم .. وكانوا أعزة أسيادا أحرارا .. وأبناءهم يولدون أحرارا .. فأوهمهم التجار انهم مقيدون بسلاسل الذهب في أعناقهم .. والافضل تحويلها الى أصفاد الدين في معاصمهم .. واليوم تكبلهم الاصفاد التركية والاسرائيلية والامريكية .. وكل من يريد أن يشتري عبيدا له حصة في الأصفاد التي تلتف حول معاصم السوريين بسرعة .. فقد وقع العبد في الشبكة ويجب ان نقيده قبل ان يستفيق ..
مدوا ايديكم جميعا أيها السوريون .. فهناك اصفاد لاعد لها ولاعدد .. وأيديكم تختفي تحتها وتنزف .. وارفع فاتورتك فوووووق .. انت سوري حر