عندما تريد ان تحتقر العقل فما عليك الا ان تقوم بفعل يدل على ازدرائك له واصرارك على ان تعامله بغباء .. لذلك تجد الفرق بين الطريقة البريطانية الذكية في مخاطبة العقل السني والعقل الاسلامي من خلال المقاربة الاعلامية للمشروع الاسلامي المتطرف .. فيما ترى ان العقل السني يحتقر نفسه ويعامل جمهوره بطريقة الاغنام السارحة التي يضحك علبيها ببعض الشعير والبرسيم ..
العقل البريطاني العبقري في مخاطبة العقل السني جاء بعزمي بشارة الجاسوس الاسرائيلي وجعله محاضرا في الاسلام وأستاذا للاسلاميين وأدار لهم محطة الجزيرة الاخوانية .. بل ووصف لهم ابن تيمية على انه ثائر ومفكر ثوري .. وكاد ان يقول انه غيفارا المسلمين .. وكان بدهاء يلقي الطعم في أفواههم كي يقولوا ان المسيحي العربي بنفسه يبدي اعجابه بهذا الموتور ابن تيمية الذي لاحل لديه في الحياة عندما يختلف مع الآخر سوى احلال دمه .. ولو كان موجودا في فتح مكة لاباد الجميع وكفّر النبي لأن حكاية (انتم الطلقاء) فكرة لاتفيد الاسلام .. بل اعدامهم جميعا ولاتقبل توبة أحدهم ولو دخل الكعبة ..
العقل البريطاني ذكي الى درجة انه عندما أجرى لقاء مع الجولاني بعد ايصاله الى دمشق على الدراجات النارية فوجئت بتفصيلة خبيثة وهي ان المترجم الذي ينقل للجمهور الغربي أجوبة الجولاني في بعض المحطات الانكليزية كان مترجما يتكلم انكليزية هادئة جدا ووقورة جدا وكأنه عجوز حكيم يعترف للناس انه في ايام الشباب كان نهجه غير حصيف لبى حد يكاد يكون طائشا ولكنه طيش الشباب الذي رحل وحل محله الرئيس الذي يتعطر ويلبس الساعات الفاخرة .. كان صوت المترجم الانكليزي الشيخ الوقور مدربا جدا على ان لايترجم فقط الكلام بطريقة جامدة كما اعتدنا مع مترجمي المحطات العربية حيث ان صوت المترجم نشاز ويتحدث بطريقة السكب للترجمة بنغمة واحدة وسريعة ودون تموجات الانفعال .. في حين ان المترجم الانكليزي كان كأنه يمثل دور الواعظ الشيخ ويتوقف ويلتقط انفاسه ويتهدج صوته .. ويخفت او يرتفع بحسب معنى وشحنة العبارة .. لدرجة ان كل من كان يستمع للترجمة ويرى صورة الجولاني كان يحس ان هذا الشاب الملتحي حكيم جدا ووقور جدا وانه فعلا تاب وعاد الى رشده وانه نادم على مافعل .. ويستحق ان يعطى الفرصة ..
من تلك المقابلة عرفت ان الفريق الاعلامي البريطاني الذي يفصل كل حركة للجولاني يريده ان ينجح غربيا بأي طريقة لأنه مشروع غربي .. والمشاريع الغربية تعتمد على التأثير النفسي والسيكولوجي على الخصم اما ترهيبا (الصدمة والروع) او الترغيب والألفة والتقريب النفسي .. ولذلك كنت ألاحظ ان المتحدثين باسم الجيش الاسرائيلي في وسائل الاعلام الغربية كلهم ناطقون باللغات المحلية الغربية لدرجة ان من يسمعهم يظن انهم انكليز او اميريكون او فرنسيون .. وهذا التأثير النفسي له أثر بالغ في ان يتقبله الفرد الغربي في بلده لأنه يحس ان ابن بلده يحدثه بثقافته ولغته ولكنته .. فيما المتحدثون السوريون او العرب يتحدثون بطريقة ثقيلة باللغات الاجنبية مما يخلق حاجزا نفسيا وثقافيا مع الجواب ..
وطبعا بدا البريطانيون يجندون متحدثين من الاخوان المسلمين الناطقين بالانكليزية من هذا الباب مثل الاخوانية سالي شوبط التي تشبه فلسفتها فلسفة جيش الدفاع الاسرائيلي .. ناطقة بلغة محلية انكليزية وتبرر القتنل والجريمة وتصور الاسد على انه كان يسعى لتفتيت البلاد ولكن (ابو محمااااد) جمع شتات السوريين ووحدهم تحت مظلة الوحدة الوطنية .. ولم يستعمل السكين ولا الذبح بل … الحب !!!

المهم في هذا المشهد الذي يتحدث الى الجمهور الغربي والمتلقي الغربي هناك احترام شديد لعقله .. وتخشى ان ينتبه الى انه يخدع .. ولذلك ورغم ان القضية التي يقدمها الاعلام الغربي في تسويق الاسلاميين ودفعهم في حلق الاوروبي قضية تضليل متعمد فانها تقدم السم في العسل .. ويصر الاعلام الغربي على ان لايظهر للعقل الغربي انه لايبالي به وأنه سيدفع بالقيح في حلوقهم وان كرهوا .. بل يعتني عناية فائقة بأن يحس العقل الغربي انه لايستهان به ولايهان ..
وبالمقابل فان احتقار العقل العربي وخاصة السني فانه يظهر في تصريحات مبتذلة وتافهة وصغيرة من قبل مسؤولي الجولاني الذين يكذبون بشكل فاجر وعلنا ويحتقرونك علنا .. ولايعترفون الا ان العصافير تزقزق .. ويمكنك ان تستمع للناطقين الاعلاميين او لغرّة الزمان موشيه العمر او جميل حاييم الحسن حتى تعرف كم الاحتقار الذي يعامل به العقل السني لأن هذه الاشكال لاتصلح حتى ان تخاطب الدجاج ولا ان تخاطب الدواب بالطريقة الشعبوية الرخيصة التي يتوجهون بها الى الناس .. وصار هناك فقس من الاعلاميين الصغار الذين ينتقلون على الجبهات ويقابلون الناس والمقاتلين ولكنهم يهينون العقل ويحتقرون الدين وهم يصورون مايحدث على انه عبقرية سيساسية وعسكرية رغم ان القاصي والداني وحتى طرزان في الغابات صار يعرف ان مايحدث في سورية ليس ثورة ولا انتصارا بل حربا دولية وتفاهمات دولية .. ويكفي ان يستمع احدنا الى حقان فيدان الذي قال صراحة ان الجولاني استمع الى شروط التوظيف وشروط المهمة التي وكل بها .. من قبل اربعة دول ووافق .. اي انه موظف باتفاق رباعي .. وانه وصل بالفعل على الدراجات النارية .. ومع هذا يتم تصويره محليا على انه رومل ثعلب الصحراء الذي ناور بآلاف الدبابات الالمانية في الصحراء .. أو أنه مونتغمري قاهر رومل ..
لكن يبقى مبعوث يوم القيامة وزير الثقافة هو أغبى الناس .. والشخص الذي يمثل احتقار العقل السني الذي يبدو انه لازال عقلا طفوليا .. ويضحك عليه الباعة الجوالون .. فمرة يبيع للناس فكرة ان الحكم باق الى يوم القيامة .. وفي هذه الفكرة احتقار للدين نفسه وكأن النبي نفسه فشل في أن يبقى الى يوم القيامة وفشل عمر وفشل معاوية في أن يبقى الى يوم القيامة .. فقط الجولاني وموشيه العمر وهند قبوات .. اختصهم اللله بمشروعه للبقاء الى يوم القيامة في دمشق …
لكن أخر صيحة من صيحاته هي انه قام بتمثيلية حمل الاحطاب الى مخيمات النازحين .. وجلب معه فريق التصوير وهو يقول للناس (شوفوني وأنا احمل الحطب.. مثل سيدنا عمر الذي حمل أكياس الطحين للجياع ليلا) وطبعا حاول ان يظهر المشهد وكانه نسخة عن قصة عمر … ففي قصة عمر الخليفة الفاروق يرى اما تطبخ الحصى لابنائها الجياع كي توهمهم انهم سيأكلون .. فما كان من عمر الا ان حمل كيسا من الطعام او الدقيق وجاء به للأم لتطعم أطفالها .. وكنا نفرح في طفولتنا والقصة تصور لنا الاطفال يأكلون بعد جوع طويل كفرحتنا البريئة لأن الذئب يموت في قصة ليلى وتنتصر ليلى على الذئب وتخرج جدتها من بطن الذئب ..
أما عمر قصتنا (مبعوث يوم القيامة) فقد طلب من كتاب السيرة ان يصوروه وهو يحمل كيس الحطب .. ويسير به مسافة طويلة والكاميرات تلاحقه والدعوات تحيط به .. ووصل الى خيمة الأم الفقيرة .. ووضع الكيس وكأنه عمر بن الخطاب .. ويشبه منظره مشهد عادل امام وهو يقوا للأنسة سهير البابلي (شفتيني وأنا ميت؟؟ أجنن وانا ميت) ..
طبعا احتقار العقل السني يبدو جليا في أنه يحكي له كالطفل عن الفاروق الجديد في القرن العشرين .. قرن الذكاء الصناعي .. وقرن الابتكارات العملاقة وقرن الفيمتو .. يضحك عليه بمشهد قصصي من ذاكرة الاطفال .. ولايكلف نفسه عناء سؤال هذا العقل السني الطفل ان كان من الاجدى ان يوفر ثمن رحلته ومواكبه ومرافقيه وسياراته ومحروقاته بل ان البوط الرياضي الذي ينتعله الوزير يساوي في قيمته مئة كيس حطب .. وبدل حملة الحطب يعطي المرأة ثمن تلك الرحلة الاستعراضية كي يوصل لها بعض قطع الحطب التي لاتساوي دولارين .. من أجل صورة (عمر) ..
الحقيقة هذا العنف في التحقير للعقل السني لامثيل له والتعامل معه على انه عقل طفل يحب قصص ليلى والذئب وحكاية من الصحراء عمرها 15 قرنا .. ويدل على ان العقل السني في محنة حقيقية لأن من يجب ان يمثله لايحترمه ولاينظر اليه على انه عقل جدير بأن ينال حقه من المعاملة كعقل ناضج لايجب ان يخضع بعد اليوم لهذه المهازل والتمثيليات وهذه الاسقاطات الغبية .. وانه جدير بأن يعامل فوق عقول الأغنام .. ولايجب لن يبقى رهينة في أيدي شيوخ وقصص الشيوخ والجهل ..
اذا كان مبعوث يوم القيامة يريد ان يتمثل صورة تراثية فانني رأيته بكل صدق أنه يمثل أبا لهب .. الذي كانت امرأته حمالة الحطب .. فصار وزير ثقافتنا بنغسه حمالة الحطب .. لأنه مثل حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد كان يضع حطباته في وجه التطور العقلي والذهني والروحي والحضاري للعقل السني ويريد ان يمنعه من ان يتقدم ويبحث ويتطور وأن يبقيه اسير القصص الطفولية .. والحقيقة هو ان كل من في هذه التشكيلة الحقيرة للحكم الحالي حمالو حطب .. وحمالات حطب .. كلهم وكلهن مثل وزير الثقافة ومثل هند قبوات وجهاد مقدسي والسيباني ويعرب بدر .. وغيرهم كثير ممن يوقودون النار .. ويحشدون الحطب وبنقلون الحطب للعقول وللقلوب .. لتشتعل العقول بالجهل .. والجاهلية ..
ثكلتك أمك يامبعوث يوم القيامة على هذا العار والاحتقار ..