

في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، لم يسقط نظامٌ فقط.
في ذلك اليوم، سقط النسر السوري.
سقوط النظام حدثٌ سياسيٌّ قابل للتأويل والمراجعة والاختلاف.
أمّا سقوط الجيش، فهو نكبة تاريخية لا تُعوَّض، لأن الجيوش لا تُصنع كل يوم، ولا تُستعاد بسهولة حين تنهار.
الجيش العربي السوري لم يكن مجرّد مؤسسة أمنية، بل كان – للمرة النادرة في تاريخ هذه الجغرافيا – جيشًا من أبناء الأرض نفسها. جيشًا سوريًّا بالمعنى العميق للكلمة، لا تابعًا، ولا وافدًا، ولا مُستعارًا.
لو عدنا ألفي عام إلى الوراء، سنكتشف حقيقة مُقلقة:
سوريا، على امتداد تاريخها الطويل، لم تعرف جيشًا وطنيًا خالصًا إلا في محطتين اثنتين.
الأولى كانت في عهد زنوبيا، حين خرجت تدمر من كونها مدينة إلى أن صارت مشروع دولة، وكان جيشها من أهل البلاد، لا من جيوش الغزاة ولا من مرتزقة الإمبراطوريات.
والثانية جاءت بعد الاستقلال، حين وُلد الجيش السوري الحديث، جيشًا تشكّل من أبناء المدن والقرى، من الساحل والداخل، من الجبل والسهل، يحمل اسم البلاد لا اسم القبيلة ولا اسم العقيدة.
في ما عدا هاتين اللحظتين، لم يكن لسوريا جيشها.
حتى حين كانت دمشق عاصمة الخلافة الأموية، لم يكن الجيش “سوريًا” بالمعنى الوطني للكلمة. كانت نواته من الجزيرة العربية، من قبائل “الفتح”، لا من أسماء البلاد ولا من تاريخها. لم نرَ جنرالات بأسماء سوريا القديمة، ولا قادة من نسيجها الاجتماعي المتعدّد. كانت سوريا مركز حكم، لا مركز تكوين عسكري سيادي.
لهذا، فإن قيمة الجيش السوري الحديث لم تكن في عدده ولا في سلاحه فقط، بل في معناه التاريخي: أنه أول محاولة طويلة الأمد لامتلاك أداة سيادة من داخل المجتمع نفسه.
ضمّ هذا الجيش بين جناحيه، منذ ولادته و حتى سقوطه، كل الأديان و الطوائف و الإثنيات السورية و تعاقب على قيادته سوريون سنة ومسيحيون وعلويون، قاتل فيه آباؤنا و أجدادنا و خدم فيه أبناؤنا و اختلط من خلاله الدم العربي من المحيط إلى الخليج لأول مرة منذ ألف عام في حرب تشرين ١٩٧٣.
ولم يكن هذا الجيش آلةً صمّاء كما صُوِّر لاحقًا. كان، على نحوٍ نادر في المنطقة، جيشًا قارئًا. له مجلّته، وله فكره (مجلة الجيش و مجلة الفكر العسكري)، وله نقاشه حول العقيدة والقيادة والحرب. لم يُدرَّس السلاح وحده في كلياته، بل التاريخ والاستراتيجية وإدارة الصراع الطويل. تخرّج قادته من كليات حربية مرموقة، وتلقّوا دورات في قيادة الجيوش، لا في قيادة الميليشيات. كان جيش دولة يعرف نفسه ويعرف عدوه ويعرف حدوده أيضًا. و هو الجيش الوحيد في المنطقة الذي كان له دائماً عدو استراتيجي واحد رغم تعدد اشتباكاته و معاركه و تحالفاته.
وكان لهذا الجيش اسمٌ ودلالة تتجاوز الجغرافيا.
في زمن الجمهورية العربية المتحدة، لم يكن تابعًا ولا ملحقًا؛ كان يُعرف بـ الجيش الأول، فيما احتفظت مصر باسم الجيش الثاني و الثالث. لم يكن ذلك ترقيمًا إداريًا، بل اعترافًا بوزنٍ فعليٍّ وموقعٍ متقدّم في معادلة القوة الإقليمية. و كان هذا مصدر فخر عروبي لقادة الفكر و الجيش في مصر ذاتها.
نعم، حدثت أخطاء، واستُغلت منظومة الجيش سياسيًا، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أنه كان نسرًا سوريًا خالصًا في ذاته: قادة محترفون، بعضهم أخطأ، وبعضهم أُقحم، لكن كثيرين كانوا أبطالًا بالمعنى العسكري الصرف. كان جيشًا يُحسب له حساب، ويُخشى جانبه، لأنه موجود، متماسك، وقادر على القتال الطويل.
بلغ هذا المعنى ذروته بعد السبعينيات، وبعد معركة تشرين تحديدًا. هناك، اكتسب الجيش موقعه في الذاكرة الوطنية، لا بوصفه ذراع سلطة فحسب، بل بوصفه جيش مواجهة مع العدو الصهيوني، مهما اختلفت التقييمات السياسية للنظام الذي حكم باسمه.
حتى في لحظات الجدل والانقسام، بقي الجيش آخر ما يربط فكرة الدولة بالتراب.
حين جاءت الحرب الكونية على سوريا، لم يصمد هذا الجيش أربع عشرة سنة لأنه أقسى، بل لأنه منظومة. واجه قوى عابرة للقارات، مدعومة بمليارات الدولارات، وبأعتى أجهزة الاستخبارات في العالم، وبشبكات تجنيد وتسليح وتضليل لا سابق لها. ومع ذلك، بقي واقفًا؛ يتراجع حين يضطر، ويثبت حين يستطيع، لكنه لم يتفكّك من الداخل. وهذا وحده كافٍ ليُقال إن ما سقط لم يكن ضعيفًا.
وحين سقط، لم يترك فراغًا فقط، بل فتح بابًا واسعًا أمام تصفية منهجية.
ما جرى بعد ذلك لم يكن صدفة.
العدو الصهيوني نفّذ أكبر حملة جوية في تاريخه ضد ما تبقّى من عتاد الجيش السوري، لا انتقامًا، بل استباقًا للمستقبل. الهدف كان واضحًا: ألّا تقوم لهذه البلاد قوة عسكرية نظامية لعقود قادمة، وأن تُؤمَّن الجبهتان الشرقية والشمالية لهذا الكيان بلا تكلفة بشرية.
لم يكن القصف ردًّا، بل إعلان نهاية.
وما جاء بعد الجيش لم يكن بديلًا له، لا في التكوين، ولا في العقيدة، ولا في التاريخ.
المجموعات التي مُنحت اسم “جيش جديد” لم تتشكّل من مسار وطني طويل، ولم تُبنَ على فكرة الدولة، بل جاءت من مسارات جهادية عابرة للحدود، أُعيد تدويرها، وتغيير أسمائها، ودمجها في بنية تُشبه الدولة شكليًا، لكنها لا تحمل ذاكرتها.
الفرق بين جيش ودولة، وبين تشكيل مسلّح وسلطة، هو الفرق بين ما يُهاب لأنه قوي، وما يُقبَل لأنه نافع للآخرين.
ما تشكّل بعد سقوط الجيش السوري ليس كما يكره أعداء سوريا، بل – وهذا أخطر للأسف– كما يحبّون. شبه قوة بلا عقيدة وطنية، بلا جذور تاريخية، بلا قدرة على التحوّل إلى مشروع سيادي مستقل.
أخطر ما بعد التدمير ليس الفراغ، بل تشويه الذاكرة. لأن الجيوش قد تُهزم، لكن لا يجوز أن تُمحى مكانتها، ولا أن يُعاد تعريفها بأثر رجعي وفق سرديات المنتصرين أو الكارهين. لا يحقّ لأحد، حتى باسم النقد، أن ينزع عن هذا الجيش صفته بوصفه آخر جيش وطني سوري تشكّل من أبناء البلاد نفسها، وامتلك فكرًا وعقيدة وتاريخًا، ولو كان مختلفًا عليه.
لهذا، فإن الثامن من كانون الأول 2024 لم يكن يوم تغيير سلطة، بل يوم انكسار فكرة.
سقوط النسر السوري لم يكن حدثًا عابرًا، بل لحظة انقطاع في السلسلة التاريخية الطويلة التي حاولت فيها هذه الأرض، مرارًا، أن تمتلك جناحيها.
وما لم يُفهم هذا السقوط على حقيقته، ستبقى البلاد تطير بأجنحة غيرها… أو لا تطير أصلًا.