
لم تكن باريس في تموز 2008 مجرد مدينة. كانت محط قلوب السوريين وعيون العرب وأحرار العالم، وامتحاناً تاريخياً مكشوفاً، تُقاس فيه الدول لا بما تُلقيه من خطب، بل بما تمتنع عنه حين تُغريها الأضواء. وكانت المصافحة التي لم يرتكبها بشار الأسد أثقل من ألف بيان، لأن التاريخ، في تلك اللحظة شهد وشاهد من امتلك شجاعة الرفض وخصلة الإباء والشرف في زمن التهافت والانهيار.
في الصفحة 131 من كتابه الثاني الممول من مركز الدراسات العربية (القطري) بإدارة عزمي بشارة، اختار فاروق الشرع أن يسرد عن هذا اللحظة… لا بالإجابة عن تفاصيلها ومعانيها، بل بالالتفاف والتمييع والتزوير والعبث بلا خجل، فكتب، حرفياً:
«في باريس أُقيم فعلًا احتفال ضخم في شارع الشانزليزيه حضره قادة العالم من بينهم الأسد وأولمرت. كان الرئيس ساركوزي في غاية السعادة لأنه استطاع أن يجمع الاثنين، كما تم الاتفاق عليه في أثناء زيارة دمشق لبدء مفاوضات السلام السورية–الإسرائيلية. لكن لحسن الحظ أو لسوئه، لم يحدث ذلك اللقاء الموعود، ربما بسبب تمنّع أولمرت وخشيته من المؤسستين الأمنية والعسكرية في إسرائيل، فضلًا عن غياب الأميركيين عن هذا الاحتفال بوصفهم رعاة».
وكما هو واضح، فإن هذه ليست فقرة وصف وتأريخ، بل لغة عهر سياسي لم يسبق له مثيل من رجل خذل رجولته أو «ربما» خذلته الرجولة، حين صدّق أنه “رجل دولة” خارج دولة قدسية الأرض والقرار التي أسسها حافظ الأسد عام 1970. فالعبارة الكاشفة لفاروق الشرع ليست «لم يحدث اللقاء»، بل تلك الجملة الزلقة: «لحسن الحظ أو لسوئه»، حيث يُنزَع القرار من مقام السيادة والإرادة الوطنيتين، ويُعاد توصيف اللحظة العظيمة كقراءة في أحوال الطقس، وكأن الرفض لم يكن فعلًا مقصوداً بل مجرد نتيجة لغياب “راعٍ”.
غير أن هذه الرواية الفاسدة التي تفوح في كل زاوية منها رائحة قطر تنهار عند أول تماس مع الوقائع الموثّقة. فالصحافة الإسرائيلية نفسها—لا دمشق ولا موسكو ولا زيد وعمرو —سجّلت المشهد على نحو معاكس تماماً ل «ربما» فاروق الشرع، حيث نشرت وكالة التيليغراف اليهودية صبيحة 14 تموز 2008 تقريراً بعنوان «الأسد يتجاهل أولمرت»، مؤكدة أن الرئيس السوري هو من اختار عدم المصافحة في مشهد متعمّد لا لبس فيه (1). وفي اليوم نفسه، كتب موقع “يديعوت أحرونوت” تقريراً بعنوان «أولمرت والأسد… على بُعد لمسة في الشانزليزيه»، واصفاً القرب الجسدي الذي لم يتحول إلى مصافحة لأن القرار كان قرار بشار الأسد (2). أما “هآرتس” الإسرائيلية فنشرت تسجيلًا مصوراً بعنوان «كيف تهرّب الأسد من مصافحة غير مرغوبة مع أولمرت»، حيث بدا المشهد صراع إرادات لا نتيجة ارتباك أو غياب رعاة (3). وحتى “فوكس نيوز” الأمريكية، غير المتّهمة بأي تعاطف مع دمشق، ذكرت أن الأسد قاطع خطاب أولمرت في قمة باريس وغادر القاعة، في رسالة سياسية محسوبة لا علاقة لها بالوساطة الأميركية التي يتكئ عليها الشرع لتزوير التاريخ مقابل منفعة (4). ثم جاءت شهادة أولمرت نفسه لتغلق باب التأويل نهائياً. ففي مقابلة إعلامية لاحقة على قناة RT، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق حرفياً إن الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش أبلغه بالحرف، معيداً ومشدداً نبرة صوته: «بوش قال لي.. قالي لي أنا.. أريد أن يعرف الأسد أن الطريق إلى واشنطن تمر من تل أبيب (القدس المحتلة)»، وأضاف أن قبول الأسد بعقد اتفاق عام 2008 كان سيفتح له أبواب واشنطن وأوروبا، واعتبر اولمرت رفض الأسد «أكبر خطأ في حياته السياسية، وسبب اندلاع الحرب عليه عام 2011» (5).
وهنا تنكشف وظيفة نص فاروق الشرع التي لم تكن تسجيل الوقائع وتأريخها في رواية غير مفقودة، بل تحويل الرفض إلى محض مصادفةٍ و«ربما». وهذه اللغة القميئة نفسها تتكرر في مواضع أخرى من الكتاب، حيث تلين العبارات فجأة عند ذكر عزمي بشارة، ويتضخم الامتنان العظيم لقطر عند الحديث التبجيلي عن حمد بن جاسم، حتى تختفي المسافة بين التحليل والتملّق لأميرٍ لا يختلف عربيان اليوم على عمالته وسلوكه التدميري لدول عربية أسقطت في ليل حالك من التآمر.
فاروق الشرع لم يكن رجلًا هامشياً في ذاكرة الوطنيين السوريين. أدّى أدواراًَ وطنية حقيقية نعم، لكن تلك الأدوار كانت تُؤدّى داخل حصن شاهق للكرامة الوطنية بناه حافظ الأسد، الرجل الذي فهم معدن الرجال، وعرف مبكراً أنهم يتغيّرون إذا رُفعت عنهم الحراسة الأخلاقية مهما بلغوا من العمق في الوجدان والذاكرة.. ولهذا لم يورّث حافظ الأسد سلطة لابنه، بل ورّث خندقاً.. ولم يسلّم امتيازاتٍ، بل سلّم ناراً، ومهمة حراسة لعقيدة أسس عليها جمهورية 1970، وهي قدسية الارض.
مات حافظ الأسد ولم يوقّع.. ووقف بشار الأسد في باريس ولم يصافح.. ثم غادر السلطة في كانون الأول 2024 ولم تتلوث يداه، ولم يتلوث ثوبه بعطر أمريكي. وبين الموت بلا توقيع، والرحيل بلا تلوث، يقف نص فاروق الشرع اليوم متلعثماً، يحاول أن يعيد بيع لحظة العز بوصفها “سوء حظ”. وحين سقط حصن دمشق وسقطت دولة الأرض والإنسان لاحقاً، لم تعد المصافحة ضرورية أصلًا؛ فقد صار العبور يتم من الخلف، من بوابة البيت الأبيض غير المرئية، وببخة عطر يباع كل شيء.
سيُقال طبعاً إن المصافحة “فرصة ضائعة”، وإن الرفض “خطأ تاريخي”. لكن التاريخ—حين يصفى من كدر العابثين بمياهه—لا يُحصي الفرص، بل يُحصي المواقف، ولا يكتب أسماء من فتحوا الأبواب للعدو بخيانتهم، بل أسماء من أبقوا السور قائماً لخمسة عقود ونيف في زمن الانهيار بلا حدود في كل العالم.
وهكذا، تبقى لحظة باريس محفورة لا في أرشيف القمم، بل في سجلّ الندرة السورية العربية: لحظة عزٍ وشرفٍ لرئيسٍ عربيٍّ سوري وقف أمام العالم كله، ولم يمدّ يده لأولمرت، ولم يصافح..
الحاشية (الشواهد):
1. Jewish Telegraphic Agency (JTA) – “Assad snubs Olmert”, July 14, 2008.
2. Ynet News (Yedioth Ahronoth) – “Olmert, Assad a touch away on Champs-Élysées”, July 14, 2008.
3. Haaretz – “VIDEO: How Olmert and Assad Dodged an Unwanted Paris Handshake”, July 14, 2008.
4. Fox News – “Syria president sits out Olmert speech at Paris summit”, July 14, 2008.
5. RT Interview with Ehud Olmert – Statements on George W. Bush and the 2008 peace offer (Arabic transcription widely circulated).