
عندما قرر السوريون الثورة على نظام الاسد استندوا في القياس الى المدينة الفاضلة التي لم ولن توجد الا في مجلدات أفلاطون والفارابي …وعندما سقط.. دون ان ينتبهوا حاسبوه كنبي.
وإلا لماذا رافقت كل هذه الضوضاء الاعلامية والصدمة تسريب جملة “يلعن ابو الغوطة” ..أليس حسب زعمهم هو المجرم السفاح الذي حاصر الغوطة وارتكب فيها أشنع المجازر !!
وقد لاترتقي الى مستوى شتيمة ولاتخص اهل الغوطة انما الوضع في الغوطة …فقامت الدنيا ولم تقعد..
هل يشرح ذلك شيء؟!!
هل استغرب الشعب أن الأسد يشتم؟؟!!!
اذا هل الأسد بريء من أدنى التهم ومعصوم عن الخطأ عند السوريين في الوعي واللاوعي…؟؟!!!
رئيس دولة تتحكم باستقرار الشرق الأوسط والمنطقة وبعد حرب ١٤ عام من الغرب واسرائيل والعرب …وهروبه دون سابق انذار ” كما يقال”….لم يجدوا ادانة له سوى جملة “يلعن ابو الغوطة”….؟!
ويبدو أن البحث مطولا عن أخطائه للتغطية على هذا الواقع الحالي المروع لم يأتي بنتيجة وهذا مايؤكده اللجوء الواضح الى الأساليب الرخيصة من الفبركة والتعديل والتضخيم الاعلامي…. وكل مااشتد التهجم والانتقاد من العامة على هذه الحكومة ستلجأ الى خلق فبركة جديدة أشد من ما سبقها، لتلقي بها قنوات الفتنة كقنبلة دخان تعمي الشارع لبعض الوقت …ولاحاجة للوثوقية والدقة..وقد يكون تطبيق ذكاء اصطناعي ضعيف الجودة كاف للاقناع..
يكفي عنونة الخبر بكلمة فضيحة او تسريبات لتبدأ بسماع “شفتوا شو قال او عمل” حتى بدون مشاهدة او قراءة الخبر يكتفون بالعنوان..
فنحن قوم نتلقف الاخبار ونتبناها لمجرد سماعها وحسب اهوائنا لا حسب مصداقيتها…والدليل (أنه وبعد أكثر من مئة عام على وفاة الرسول الكريم بدأ توثيق الاحاديث بناءا على “فلان سمع عن فلان” ….وبذلك كتب عن رسولنا الكريم مايخجل الناس حتى من قرائته …بمجرد سرد الحديث للناس واستقباله بالأذنين أصبح واقعا قبلوه واعتمدوه…اجل تم قبول الأحاديث لان فلان سمع…ولم يلعنوا الراوي ويدحضوا روايته المسيئة عن نبيهم الطاهر …
الحمدلله لم يتوفر في ذلك الوقت الذكاء الاصطناعي..)
عندما أرى حجم الهجوم على الاسد مع تنوع التهم والادعاءات ومن كل الاطراف….احاكم نفسي..
لماذا مازلت ارى في الرئيس الأسد رمزا لنهج وطني وفكر مقاوم…هل هو الانكار …هل لجأت الى رفض قبول الحقائق كما يفعل السوريون الجدد…هل هو تمسك بفكرة مغلوطة ورفض نفيها وسقوطها لتجنب خيبة الامل….
وهو مايدفعني الى التدقيق في الأخبار المسيئة والاطلاع على المصادر…
على سبيل المثال:
احد المنشورات “شوفو كيف كان حاكمنا اهبل وراحت ولادنا مشانو وهرب.. بدليل ماقاله في احدى المقابلات فلان الفلاني اللي هو (ثقة)”
أذهب لمشاهدة مقابلة هذا الثقة وانا انتظر سماع ما سيقلب الطاولة على افكاري لأجد في التعليقات ما يعززها …الناس في التعليقات تنسى الاسد (رغم كرههم له) وتشتم الضيف الثوري لأنهم ابناء بلدته ويعرفون اي شخص دنيء ومجرم هو..فهل سأصدقه؟ هل راينا الى الآن أي معارض للاسد ومن كل الطوائف يستحق الاحترام او التصديق؟.. هل منهم من كان نفيه خسارة للبلد؟ …هل رأينا اي لون ابيض في هذه اللوحة القذرة الملطخة بالدم والنفاق؟…ببساطة لا ….
أكثر الاشاعات تداولا من كل الأطراف، حتى ممن يدعون الصداقة المتينة السابقة بالاسد والحاشية، كانت الحديث عن الثروات الطائلة والسرقات…حسنا انا هنا لن أنفي…لكن سأناقش…
شخص وصف كأغنى رجل في العالم بسبب ماعرض عليه من مال وجاه ليتخلى عن دعم المحور ..ولكنه رفض….هل قرر ان يختلس مايكفيه ليعيش كالاثرياء؟؟؟؟
هل كان محكوما الى هذه الدرجة بعهد وميثاق جعله يكبح شغفه بالمال؟؟؟
هل هي وصية الأب مثلا؟؟؟….اذا هل هو ابن بار للحد الذي تحمل فيه سقوطه وسبه وشتمه من كل بقاع الارض من أجل أرث والده الفكري؟؟
هل يمكن للأخلاق أن تتجزأ؟ يحب المال ولكنه لايخلف عهدا او ميثاقا ولايغدر!!!… ويرفض ان يساوم على دم الشعوب وكرامتها مهما كان الثمن!!!
ربما بذلك نكون أمام حالة فريدة في سيكولوجيا الانسان…..
بعد اغتيال السيد حسن …بدأ الحديث عن صفقة النجاة الأخيرة….كنا متعبين…الحصار لم يعد على اقتصاد البلد فحسب بل أصبح سوادا في ارواحنا … حتى الهواء الذي نتنفسه أصبح ثقيلا…لكن أن نشتري النجاة بالغدر …ونحن من خسر السيد كما خسره ابناءه …
وبدأ الحديث عن اغتيال قادم للاسد. …هل سيقبل الاسد بالإذعان….اي عار سنحمل….ولكنهم يساومونه على حياته ويعرضون عليه مصلا للسم الذي حقنوه مدة ١٤ عام في هذه الارض…فكيف يرفض…
ولكنه رفض
هل هنالك سوري كان ليرفض
لا …من يحمل جينات الرئيس حافظ الاسد وحده سيرفض…
ربما جماعة المحور من الدبلوماسيين والساسة لم يقدروا ماحصل فعلا ولم يدركوا حجم التضحية…واعتلوا المنابر بعد السقوط ليرجموا الأسد محاولين موازنة العصا…وكأن الحرب والحصار علينا لمدة ١٤ عام كانت من اجل الكرسي ولم تكن ثمنا لدعم المقاومة…لكن شعب السيد العظيم ادرك تماما ماحدث …وهذا مااثبتوه في ذكرى السقوط عندما خرجوا الى الشارع ليعلنوا رد الجميل لمن اختار السقوط ولم يستخدم دمائهم ودماء السيد حسن في البازار السياسي.. ولم يقدمهم قربانا على مذبح السياسة للعدو والعرب…
سيكون رد من يقرأ كلامي “ماباع المحور بس باعنا”…..
هدف الحرب على سوريا لم يكن يوما سلام الشعوب وقضية الجولان إلا للساذجين…الهدف كان تدمير البلد والشعب والمقدرات وانتشار الفوضى والتفرقة كما يحدث اليوم…. وما من حل سياسي او تنازل كان ليرد عنا هذا القضاء…
لطالما آمنت بنظرية المؤامرة…مؤامرة ليست وليدة اليوم ..إنما ولدت مع ولادة النبوءات ….وهو مايتحدث به حتى نخبة السياسين اليوم عندما يفندون اسباب الصراع….
لايحدث شيء صدفة ….كل شيء مخطط…وها نحن اليوم كعرب منتج الثقافات والديانات التي صنعتها منظومة ما منذ مئات السنين.. وزعوا الأدوار وفتنوا وفرقوا وبنوا لكل فئة آلية تفكير مؤطرة بقالب محدد.. غير مرنة….اي محاولة لاعادة تشكيلها ستؤدي الى الكسر..قائمة على سمعت ورأيت…(سمعت عن فلان الذي سمع عن فلان….حكى لي ابي وجدي …عرضت القناة الفلانية كذا ….شيخ الجامع الذي ربما لم يأخذ شهادة اعدادية أفتى بكذا وكذا)…وهذا هو الحد المسموح …اي محاولة للتحليل المنطقي ستكون قاتلة لكل الافكار والموروث… ولذلك نرى نتيجة النقاشات حول الموروث الثقافي والديني غالبا ماتنتهي بانفعال حاد وتهرب…
(ليس من السهل أن يقبل المرء بسقوط فكره وفكر ابيه وجده …سيتمسك به حتى لو حصل على أعلى مستويات التعليم..وان حصل في بعض الأحيان…سيتحول الى ملحد ينكر الجميع ويدحضهم….)
وبهذا الفكر نكون قد ادينا اليوم الهدف المنشود…حيث دمرنا بلداننا بايدينا …والاغرب أننا رأينا كيف بكى من سبقونا على اطلال بلدانهم..كيف توسلوا الينا ان لا نكرر مافعلوا …ولكن عبثا…
ماوصلنا اليه لم يكن سيمنعه أي إذعان او صفقة…..لو أن الاسد وافق على الصفقات المعروضة لكان اغتيل بعدها بحجة خيانته وتطبيعه….وكنا اليوم نقتل مضاعفة بحجة اننا بعنا البلد….
ولكننا اليوم نقتل ضريبة لدفاعنا عن كرامة ووحدة سوريا…
ولو قام بتسليم الحكم كما يقال …لكان جيء بمن يسلم الارض ويمهد للتقسيم..وأي طريق للتقسيم سوى المجازر؟ ..ومن ذا الذي سيصمد أمام العالم كله كما صمد؟.
لم نستطع رد القضاء …لكننا كنا جزءا من ملحمة تاريخية للحفاظ على سوريا، تلخصت بثلاث كلمات:
وطن_ شرف_ اخلاص
وبعد السقوط، شيئا فشيئا سقطت الستارة ورأينا كواليس السنوات الماضية….لم يكن “الأمل بالعمل” بل كان “الأمل بالله”….
الحقيقة في عام ٢٠٢١ ظننا أننا خرجنا من العاصفة وانتصرنا…لكننا خرجنا بمركب مهترئ حيث بدأت المياه تتسرب اليه….وتمكن الاسد من المضي به بضعة سنوات أخرى الى أن انتهت الحلول….لقد انقذ ماأمكنه انقاذه ….قد يكون أخطأ هنا او هناك …أجل….فلم تكن حربا سهلة بل كانت حربا وحصارا وعملا مخابراتيا يشن من كل اصقاع الارض.
جميعا كنا غاضبين من الوضع الداخلي قبل السقوط …ولكن بعد أن شرحت لنا الحكومة المؤقتة واقع البلد مجردا…واوعزت لنا أن الأب الحنون لم يعد موجودا ليدفع عنا ويعيلنا.. وفهمنا حجم الضغوطات قبل السقوط ….هنا الحق يجب أن يقال
مهما كانت التلفيقات والتهم ومهما ستكون لاحقا…صادقة او زائفة….لايهم…..ما يهم (وبالتغاضي عن سنوات الازدهار حتى عام ٢٠١١)
أنه و حتى الرمق الاخير من عمر هذا البلد أمن الأسد للفقير رغيف خبزه… أعطى الكهرباء بسعر رمزي ولم يسمح لأحد ان يتبجح ويقول “الدولة مو ابوك ليصرف عليك”… عوضا عن الموظف الواحد وظف عشرة لنفس المهمة وكانو يتناوبون فيما بينهم بأيام الدوام ولم تنقطع رواتبهم يوما او تقل…كان يعطي منحة وكنا نستهزء ” انو شو بتجيب” ..رغم أنها كانت تسند قليلا…ويرفع الرواتب ولو بنسبة ضئيلة ليعادلها مع زيادة الاسعار نوعا ما…. لم يغلق مستشفى او مركز صحي او مدرسة… لم يفرض رسوما تعاونية على الطلاب كما يحصل الآن “نشاط تعاوني مدرسي عشرون الف”….
سند المواطن وحضه على العمل ليعيل نفسه لاليسند الدولة ويصرف عليها…
هل ينسى أحدنا المصالحات التي اعادت من حمل السلاح ضد الدولة الى كنفها مجددا واغلبهم انخرط في الجيش العربي السوري دون أن نسمع عن حادثة انتقام واحدة أو أساءة في المعاملة….
مقارنة باليوم يكفي موضوع رفع الدعم عن الخبز والكهرباء لنفهم ان الدولة بقيادة الاسد لآخر لحظة كانت ابو المواطن السوري الفقير وأمه رغم كل الحصار الجائر …
واخيرا …يبدو أن إلقاء اللوم على شخص غائب أمر يبرئ الجميع ويتفق عليه الجميع حيث تدفن الحقيقة…حقيقة أن سقوط البلد ترافق مع سقوط أخلاق جماعي (وكان ذلك هدفا اساسيا للحصار)..وهو مايثبته تنافس الجميع اليوم على من ستكون طعنته أقسى واقذر في جسد سوريا وتاريخها وجيشها..كما يفعل اليوم بعض منظري المحور الذين زيفوا التاريخ والحاضر حتى لم يعد يذكر اسم الاسد وجيشه في منهاج المقاومة….وكما تفعل الدراما السورية اليوم بعد أن أصبح الخنزير رمزا وبركة قذارته عرين مقدس تتهافت جموع المرتزقة من فنانين ومثقفين الى الغطس والتعمد فيها لنيل البركة…
أما أنا سأقول …سقطت سوريا ورحل الرئيس الاسد والجيش العربي السوري وما ورثنا منهم الا الكرامة….)