
من أخطر ما قد تواجهه الشعوب وأصعبها وأهولها، أن تفقد ذاكرتها فتضيع هويتها، وأن تصبح بلا فكر راسخ يهديها، وبالتالي بلا مستقبل تصنعه بيديها.
إن ما عاشه ويعيشه الشعب السوري من جهل وتجهيل ممنهج، خلال فترة الحرب الكونية على دولته، عبر ضخ إعلامي وغرائزي غير مسبوق، دفعه للانقلاب على دولته ومحاربة جيشه، ليرى نفسه وكأنه يؤدي مهمة سامية، بينما هو في الحقيقة لا يدمر إلا نفسه، ولا يخدم سوى أعدائه.
إن الحرب الإعلامية التي مورست على سوريا خلال حربها الوجودية لم يسبق لها مثيل. لقد كانت حرباً بلا قيم ولا خطوط حمراء، وبميزانيات مفتوحة ومحطات لا تعد ولا تحصى، هدفها تثبيت رواية الأعداء عن سوريا في أذهان السوريين وغير السوريين على حد سواء. تنوعت وسائلها بين تقليدية وغير تقليدية: صحافة، تلفزة، ومنصات التواصل الاجتماعي بكل أشكالها، إضافة إلى “غرف الموت السوداء” التي كانت تدير عملية التدمير خطوة بخطوة. وأخيراً، جاء دور الدراما.
الدراما السورية والفن السوري كانا، منذ نشأتهما، أصحاب رسالة وطنية هادفة لبناء مجتمع قويم، عبر أعمال وأسماء خلدها التاريخ. من “دمشق يا بسمة الحزن”، و”أخوة التراب”، و”حمام القيشاني”، و”ذكريات الزمن القادم”، و”رسائل الحب والحرب”، و”حارس القدس”، و”التغريبة الفلسطينية”، و”الشتات”، و”عندما تشيخ الذئاب” و”ترجمان الأشواق”…
هذه نبذة عن أعمال اجتماعية ووطنية رسخت قيم المجتمع السوري ووسعت آفاقه. لكننا اليوم، نصل إلى دراما هجينة فقدت هويتها وأصالتها، لا طعم لها ولا رائحة، هدفها الأوحد استكمال طريق الهدم، ونكران الذات، وجلد رموز الوطن، وأهمها مؤسسة الجيش العربي السوري.
هذه المؤسسة العظيمة التي ذادت وحمت أركان وحدود وطننا منذ الاستقلال، إلى يوم سقوط سورية دولة وشعباً.
إن الجيش العربي السوري أشرف وأقدس من أن يمس تاريخه وشرفه أشخاص لم يعرفوا معنى الوطن يوماً، همهم الوحيد ما يملأ جيوبهم وبطونهم، وألا يخسروا شعبويتهم الزائفة، حتى لو كان ذلك على حساب شرف الوطن.
هذا الجيش لم يتوقف يوماً عن التجهيز والتدريب وتطوير أدواته بما هو متاح، رغم الحصار والفساد. ولم يتباطأ يوماً عن تلبية نداء أي قطر عربي يحتاج مساعدته، صوناً لكرامة الأمة العربية. فعقيدته الوطنية والقومية تحتمان عليه ذلك. خضنا تحت رايته كل الحروب مع العدو الصهيوني منذ نشأته، بشكل مباشر: حرب 1948، وحرب 1967، وحرب 1973، وحرب 1982، وبشكل غير مباشر عبر دعم حركات المقاومة. حارب دفاعاً عن لبنان، وحارب لتحرير الكويت. وأرسل قوات خاصة لتحرير الحرم المكي، أقدس مقدسات المسلمين، بعد أن احتلته قوة إرهابية لأسابيع. ولا ننسى الرسالة التاريخية للقائد العظيم حافظ الأسد إلى صدام حسين، ينصحه فيها بالانسحاب من الكويت، ويقترح وضع الجيشين العظيمين تحت قيادة عربية موحدة لتحرير الأراضي العربية المحتلة.
وإذا كان هذا هو تاريخ الجيش العربي السوري المشرّف، فإن ملحمته الكبرى كانت في الدفاع عن سورية ذاتها خلال الحرب الكونية التي شُنّت عليها منذ عام 2011 و على مدى أربعة عشر عاماً من الاستنزاف و القتال ، واجه خلالها الجيش أخطر تحالف إرهابي دولي، مدعوماً بأكثر من 80 دولة، بمقاتلين من جنسيات مختلفة، وبإعلام يفتعل الأكاذيب ليل نهار. ورغم الحصار الجائر، وشح الإمكانيات، وخيانة البعض، ظل الجيش صامداً، يكتب بدماء أبنائه أروع آيات البطولة والفداء، محافظاً على كرامة الوطن ووحدة أراضيه، ليكون حقاً درع الأمة الذي لا ينكسر.
هذا التاريخ العظيم، وهذه المواقف المشرفة، لن تمحوها بضعة مشاهد وبروباغندا تهدف لخلق حالة من الهيستيريا والنفور من مؤسسات الدولة الوطنية، تلك المؤسسات التي كانت صانعة عز هذه الأمة و حصنها المتين.
نحن كتبنا تاريخنا بالدم والرجولة، وسيبقى شعارنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها
وطن .. شرف .. إخلاص