آراء الكتاب: سورية الجريحة .. من أراضينا المنهوبة إلى حكم الصعاليك – بقلم: عمر جيرودي





كل صباح أستيقظ على مشهد جديد من الذل، وكل مساء أخلد إلى نوم يثقله القرف مما آلت إليه أمور هذا الوطن. لسنا مجرد جيل عابر في التاريخ؛ نحن أجيال تربت على الروح الوطنية العابرة للطوائف، أن تعشق تراب هذا الوطن وأن القومية العربية ليست شعاراً يرفع، بل دم يسري في العروق، وأن فلسطين ليست قضية يتصدّرها الخطاب، بل جرح لا يلتئم.

عاصرنا زمناً كان للقادة فيه هيبة، وللكلمة فيه وزن، وللقرار فيه سيادة. اختلفنا مع بعضهم، وربما اختلفوا مع قيادتنا، لكن القاسم المشترك بينهم جميعاً كان حداً أدنى من التضامن العربي والشعور بالمسؤولية تجاه الأمة. مشهد القيادة العربية آنذاك كان زاخراً بالأسماء التي تركت بصماتها: في مصر، تألق جمال عبد الناصر الزعيم الاستثنائي العالمي، تلاه أنور السادات ثم حسني مبارك. في العراق، تصدر المشهد أحمد حسن البكر ثم صدام حسين. في الجزائر، قاد المسيرة هواري بومدين ثم عبد العزيز بوتفليقة. في تونس، كان الحبيب بورقيبة صاحب المشروع. في ليبيا، كان العقيد معمر القذافي القائد المفكر الاستثنائي. وفي سورية، كان حافظ الأسد، أسد الأمة العربية وحافظ شرفها وعنفوانها. رحمهم الله جميعاً وغفر لهم، كانوا جميعاً يدركون أن الأمة العربية جسد واحد، وأن أي خدش فيه ينزف من كل مكان.

أما اليوم؟

اليوم، اعتلت سدة القيادة في بلادنا “صعاليك” لا يعرفون للوطن معنى، ولا للسيادة قيمة، ولا للكرامة طريقاً. تقزيم لم يسبق له مثيل، حتى أمسينا بلا وزن ولا فعل ولا رأي يُحترم. بل إن الأدهى والأمرّ أن هؤلاء الصعاليك يجعلون من دورهم التبعي والتآمري مصدر فخر وتباهٍ، خاصة في تلك الكيانات الوظيفية التي نشأت على كثبان الرمال في الخليج النفطي، فكانت رأس حربة متقدمة وسامة في التغلغل لتدمير الأمة العربية من المحيط إلى الخليج. وكان لسورية بشكل خاص، ولدول الطوق بشكل عام، النصيب الأوفر من هذا التدمير الممنهج.

لماذا تحالفت سورية مع إيران؟ من خان من؟

كثيراً ما نسمع الاتهامات: “سورية تركت عمقها وهويتها العربية وذهبت إلى المحور الإيراني!”، وكأن من يقول هذا يجهل التاريخ أو يتعامى عن حقائقه. دعونا نسأل بصراحة: من ترك من أولاً؟

سورية الطبيعية، تلك السيدة الجريحة، التي دفعت من أرضها ودمها ثمن وعد بلفور، فتم تقسيمها إلى عدة دول عن طريق سايكس بيكو، وتم اجتزاء قسم غالٍ من أراضيها، وأقيم على تلك الأرض المسلوبة كيان استيطاني توسعي لا يعرف إلا لغة الغصب والتهجير. هذا الكيان قام على أراضي سورية الجنوبية؛ فسورية هي صاحبة الأرض، وهي صاحبة الحق، وهي المعنية الأولى بمحاربته. لكن حسب إمكانياتها المادية والعسكرية واللوجستية، كانت دائماً أضعف من أن تواجه لوحدها هذا الكيان المدعوم من الغرب الاستعماري بكل ثقله. عدا عن الأراضي السورية المغتصبة من تركيا والممتدة من خليج كيليكية إلى الجزيرة الفراتية.

ورغم كل هذا التآمر والحصار، إلا أن سورية حصنت نفسها بالاكتفاء الذاتي؛ فقد كانت مكتفية زراعياً ودوائياً واقتصادياً وصناعياً وعسكرياً. كانت تؤمن نفسها ذاتياً بكل ما هو استراتيجي، حتى ما يخص معيشة المواطن، حتى لا تُلوى يدها ولا تقدم أي تنازلات تهين كرامة الوطن.

لذلك، سعت سورية إلى عمق قومي واستراتيجي. كان عمقها الطبيعي مصر، التي كانت مع الشام جناحي هذه الأمة اللذين متى ما اجتمعا حلقت. وشكلت معها وحدة، وخاضتا معاً حروباً، كان أبرزها حرب تشرين التحريرية. ثم كانت طعنة كامب ديفيد، حيث قام أنور السادات بخرق الصف العربي، ووقع اتفاقية شكلت حجر الأساس لكل التطبيع العربي اللاحق مع الكيان الغاصب.

بعد مصر، اتجهت الأنظار نحو العراق. لجأت سورية لإقامة وحدة شاملة مع العراق، وكانت القيادات المؤيدة لهذه الوحدة على وشك تحقيق حلم الأمة. ولكن، مجزرة قاعة الخلد كانت الفصل الأكثر دموية في هذه المأساة، حيث قام صدام حسين بانقلابه الشهير، وأعدم كل القيادات العراقية المؤيدة للوحدة، ونسف الحلم قبل أن يولد، عدا عن دعمه الإرهاب وعصابة الإخوان المجرمة العميلة لزعزعة استقرار سورية.

ماذا تبقى لسورية؟

تُركت سورية وحيدة، عارية، تواجه ذئاباً من كل حدب وصوب. فكان التحالف مع الثورة الإيرانية، بعد أن أعلنت إيران عداءها الصريح لإسرائيل، خياراً استراتيجياً فرضه الواقع، ولم يكن ترفاً أيديولوجياً. تبلور هذا التحالف أكثر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وأصبحت سورية وإيران على حدود واحدة مع محتل جديد. وكان من ثمار هذا التحالف دعم حركات المقاومة في المنطقة: مقاومة الاحتلال الأمريكي في العراق، والمقاومة في لبنان وفلسطين ضد الصهاينة.

ثم جاء الطوفان.. “الربيع العبري” والحرب الكونية على سورية

هنا وقفت إيران إلى جانب سورية، ليس فقط لأنها حليفة، بل لأنها أدركت أنها التالية في قائمة الذبح.

ويأتي المتآمرون ليتهموا إيران بأنها “تدخلت في سورية” و”شيعت أهلها”. يا للعار! هذا كلام غير دقيق، بل هو تشويه متعمد للحقيقة. لقد تناسى هؤلاء أنهم هم من أتوا بكل “زناة الأرض وعاهريها” من كل أصقاع الدنيا، تحت راية “الجهاد” المزعوم، ليس لتحرير فلسطين، بل لمحاربة كيان الدولة السورية واستنزاف جيشها العظيم على مدى أربعة عشر عاماً من حرب وجودية. لا يوجد جيش في العالم، ولا دولة على وجه الأرض، يمكنها أن تتحمل هذا الاستنزاف، خاصة تحت حصار اقتصادي وسياسي خانق يهدف إلى خنق شعب بأكمله.

النتيجة: عصابة على سدة الحكم

بعد كل هذا الدم، وكل هذا التدمير، وكل هذا الاستنزاف، جاءوا بعصابة عميلة إرهابية، لا تعرف معنى الدولة، ولا قيمة الوطن، ولا أسس المواطنة. وأجلسوها على سدة حكم بلد عظيم مثل سورية. هذه العصابة العميلة أصبحت متناغمة تماماً مع الكيانات الوظيفية في الخليج النفطي، ومع المشروع التركي الإخواني، لتحقيق الهدف الأكبر:

أن تفرض إسرائيل سيطرتها على المنطقة من دون رادع، ومن دون من يواجهها لا عسكرياً ولا سياسياً.



هذه هي المأساة.. وهذا هو الجرح الذي لا يندمل.

سورية الجريحة، صاحبة الأرض المسلوبة، وصاحبة التاريخ المجيد، تئن اليوم تحت وطأة صعاليك لا يعرفون للوطن طريقاً. لكنني، ورغم كل هذا القرف والاشمئزاز، ما زلت أؤمن أن هذا الوطن سيولد من جديد. سيولد من رحم الألم، ومن تحت الأنقاض، ومن دماء الشهداء. وسيبقى حافظ الأسد، أسد الأمة العربية، رمزاً لزمن كانت فيه السيادة عنواناً، والكرامة نهجاً، وفلسطين قضية لا تموت.

رحم الله شهداء سورية، ورحم الله قادة الأمة الذين حفظوا لنا شيئاً اسمه الكرامة.

هذه هي المأساة.. وهذا هو الجرح الذي لا يندمل.

سورية الجريحة، صاحبة الأرض المسلوبة، وصاحبة التاريخ المجيد، تئن اليوم تحت وطأة صعاليك لا يعرفون للوطن طريقاً. لكنني، ورغم كل هذا القرف والاشمئزاز، ما زلت أؤمن أن هذا الوطن سيولد من جديد. سيولد من رحم الألم، ومن تحت الأنقاض، ومن دماء الشهداء. وسيبقى حافظ الأسد، أسد الأمة العربية، رمزاً لزمن كانت فيه السيادة عنواناً، والكرامة نهجاً، وفلسطين قضية لا تموت.

رحم الله شهداء سورية، ورحم الله قادة الأمة الذين حفظوا لنا شيئاً اسمه الكرامة.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق