مقال جدير بالقراءة: غداً تسقط إيران.. ماذا يعرف ترامب ولا يدركه الآخرون؟ – بقلم: ناجي علي أمهز



بكل بساطة، يعتقد البعض أن إيران ستسقط غداً، وأن النظام سيتلاشى بعد غد. هذا التفكير “التبسيطي” لا يقتصر فقط على الجماهير العفوية، بل يمتد للأسف إلى بعض النخب التي تعمى –لأسباب أيديولوجية أو عاطفية– عن الحقائق الصلبة التي تدركها إدارة ترامب والبنتاغون جيداً. هناك فجوة هائلة بين “الوعي الافتراضي” الذي تشكله ألعاب الفيديو وأفلام الخيال العلمي، وبين الواقع الجيوسياسي والعسكري المرير على الأرض.

أولاً:
دعونا نتحدث بمنطق الحسابات العسكرية الباردة. لنفترض جدلاً أن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي يشن يومياً ألف غارة جوية، وبفرض أن كل غارة تدمر مساحة 500 متر مربع بالكامل؛ هذا يعني تدمير 500 ألف متر مربع يومياً (وهي مساحة تفوق مساحة قطاع غزة).

هذا السيناريو “التدميري” الهائل، وبفرض انعدام الدفاعات الجوية الإيرانية تماماً، يتطلب من أمريكا وإسرائيل عشر سنوات كاملة (3300 يوم) من القصف المتواصل لتدمير إيران جغرافياً. وفي المقابل، وبذات المنطق الحسابي، لو أطلقت إيران صاروخاً واحداً يومياً يدمر 40 متراً مربعاً فقط، فإنها قادرة على إنهاء الوجود الجغرافي للكيان الإسرائيلي (بمساحته الضيقة البالغة 21 ألف كلم مربع) خلال 525 يوماً فقط.

هنا ندرك لماذا يتردد الجنرالات؛ فالفارق في العمق الجغرافي يحول أي حرب إلى استنزاف لا يقوى الغرب على تحمل تكاليفه، حيث تشير التقديرات إلى أن الخسائر المباشرة للحرب تبلغ 47 مليار دولار يومياً، بينما تصل الخسائر غير المباشرة (تعطل الطاقة والتجارة العالمية) إلى أكثر من 100 مليار دولار يومياً، دون احتساب تكاليف الدمار والتعويضات.

ثانياً:
من يتوهم قدرة الجيشين الأمريكي والإسرائيلي على احتلال إيران برياً، عليه أن ينظر إلى “النموذج المصغر”: غزة. حي صغير محاصر لسنوات، استهلك نخبة الألوية الإسرائيلية وكامل مخزون الذخيرة الاستراتيجي العالمي لمدة عامين، ولم ينجح الاحتلال في دخولها بالكامل أو تحرير أسراه إلا بالاتفاقات، رغم أن المسافة بين الجندي الإسرائيلي وهدفه كانت “صفر”.

فإذا كانت غزة قد فعلت ذلك، فكيف ببلد يمتلك تعبئة ثورية قوامها 20 مليون إنسان، وجيشاً منظماً يضم 3 ملايين مقاتل، مدعومين ببيئة عقائدية ومؤسسات راسخة؟ إن محاولة “الابتلاع البري” لإيران ليست مجرد انتحار عسكري، بل هي ثقب أسود سيلتهم أي جيش يحاول اختراقه.

ثالثاً:
هناك ضجيج هائل حول الاختراق الأمني والذكاء الاصطناعي والموساد، وكأن إسرائيل تملك قوى خارقة. لكن الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون، وفهمتها بوضوح لحظة اغتيال السيد نصر الله (بـ 82 طناً من المتفجرات) ثم السيد صفي الدين (بـ 127 طناً)، وصولاً إلى اغتيال الإمام الخامنئي، هي أن هؤلاء القادة لا يختبئون في “ملاجئ نووية” خوفاً من الموت.

إن قادة بهذا الحجم يتجاوزون بوعيهم السلوك البشري التقليدي؛ فهم يعرفون أنهم مرصودون، لكنهم يرفضون المغادرة. لقد كشف التلفزيون الإيراني حقيقة مذهلة: عندما طُلب من السيد الخامنئي الانتقال إلى مقر محصن، كان رده: “لن أنتقل إلى منطقة آمنة إلا بعد أن ينتقل آخر مواطن إيراني إلى مكان آمن، ولن أحصن منزلي إلا بعد تحصين كل منازل الإيرانيين”.
هذا النوع من القيادة “الاستشهادية” يربك الحسابات الغربية. هم لم يُقتلوا نتيجة “فشل أمني” بقدر ما هي رغبة واعية في البقاء بين الناس. لقد كان الإمام الخامنئي يسابق مرضه والزمن لنيل الشهادة التي يراها “ولادة جديدة”، محولاً موته إلى رمز يمنح أتباعه خيارات استراتيجية أوسع، ويحول جثمانه إلى وقود لمواجهة لا تنتهي.

الخاتمة: خطيئة ترامب وحافة الهاوية
الجميع يدرك أن الاغتيالات الإسرائيلية كانت ممنهجة ودقيقة، ولم يُغتل قائد قبل الآخر لضرورات استراتيجية. فحتى اغتيال السيد الخامنئي، وإن كان متاحاً تقنياً، لم تكن إسرائيل لتجرؤ عليه والسيد نصر الله حي يرزق؛ لأن وجوده كان يعني مضاعفة الانتقام العسكري بما لا تطيقه الحسابات الدولية.

واليوم، وقعت الإدارة الأمريكية في خطيئة الحسابات الشخصية للرئيس ترامب، الذي جرّ خلفه إسرائيل إلى فوضى ستكون تكلفتها باهظة. منذ لحظة الاغتيال، أدركت واشنطن أنها لا تستطيع تحمل التداعيات، فحاولت الإيحاء بأن إسرائيل هي من بدأت ونفذت بمفردها، لتبرز الخلافات العميقة التي عكسها تصريح وزير الخارجية الأمريكي، انه فُهم خطأً حين حاول إظهار إسرائيل في الواجهة لتجنيب أمريكا الرد المباشر.

في الختام، يعرف العالم أجمع أن إسرائيل تخشى الحرب مع ايران بعد “تجربة 12 يوم”، لكن ورطها ترامب وايضا ترامب لم يكن يريدها وحاول تجنبها، لكن الذي اوقعه فيها هو سلوكه النفسي، لذلك يصرح يومياً عشرات المرات بحثاً عن “لقطة انتصار” زائفة.

إن اغتيال القادة التاريخيين لا يعني سقوط الجسد؛ فإيران قادرة على تعطيل الكرة الأرضية بوضع إصبعها فقط على “مضيق هرمز”. غداً لن تسقط إيران، بل سنشهد ولادة نسخة أكثر شراسة وتصميماً، يقودها إرث الدم في جغرافيا لا ترحم الغزاة.

هذا المنشور نشر في المقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليق