
ليست الكرامة كلمة تُقال،
ولا شعارًا يُرفع في ساعة الحماسة،
بل موقفٌ يُختبر حين يضيق العالم،
وتُغلق الأبواب،
ولا يبقى للإنسان إلا أن يختار:
أن يعيش… أو أن يكون.
في كربلاء،
لم يكن الحسين رجلًا في معركة،
بل كان المعنى نفسه وهو يُمتحن.
وقف،
وقد امتلأ جسده بالجراح،
ورأى أبناءه،
وأبناء إخوته،
وشباب عائلته،
يتقدمون إلى الموت
غير هيّابين،
كأنهم يعرفون الطريق
ولا يخشونه.
لم يكن مشهدًا عابرًا،
بل لحظةً انكشفت فيها حقيقة الإنسان:
هل يُقاس بالحياة… أم بما يستحق أن يعيش من أجله؟
ثم تقدّم الحسين.
قاتل،
لا لأنه يطلب نصرًا،
بل لأنه يرفض ذلاً
فسقط جسدًا على أرض كربلاء،
وفُصل رأسه عن جسده،
وداسوا جسده بسنابك الخيل.
لكن ما سقط لم يكن الحسين،
بل الجسد.
أما الروح،
فصعدت.
وصعدت معها سيرةٌ
لم تعد تخص زمانًا،
ولا مكانًا،
بل صارت ميزانًا.
ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد المسألة:
هل تعيش؟
بل:
كيف تعيش؟
هذه الحكاية لم تبدأ في كربلاء،
كما أنها لم تنتهِ بها.
فجدّ الحسين، محمد رسول الله،
أُوذي، وعُذّب أصحابه،
ومورِست عليه كل صنوف الترغيب والترهيب،
لكنه ظل صامداً،
رافضاً أن يساوم
وحين عرضوا عليه الدنيا
قال كلمته التي لا يقولها إلا من آثر الحق و عرف نفسه:
“والله يا عم، لو وضعوا الشمس في يميني،
والقمر في يساري،
على أن أترك هذا الأمر ما تركته،
حتى يُظهره الله أو أهلك دونه”
وتجلّت هذه الروح أيضًا
في بطل المشارق والمغارب،
أسد الله الغالب، علي بن أبي طالب،
حين فدى رسول الله بنفسه،
ونام في فراشه.
هيهات منّا الذلة.
ليست كلمة،
بل حدّ.
حدٌّ بين إنسانٍ يُرغَم،
وإنسانٍ يرفض أن يُكسر.
ولم يكن الحسين حادثة،
بل بداية.
علّم الناس الإباء،
فجاء من بعده من تمثّل سيرته
ها هو مصعب بن الزبير،
محاصرٌ في قلةٍ من أصحابه،
بعد أن ضاقت عليه الأرض.
يرسل إليه عبد الملك بن مروان:
كنت صديقي،
ولا أحب أن أُريق دمك،
فادخل في طاعة أمير المؤمنين… ولك ملك العراقين ما حييت.
أيغريه الملك؟
أيخدعه البقاء؟
لم يتردد.
قال كلمته التي لا تُقال إلا مرة في العمر:
“و إنّ الأُولى بالطفّ من آل هاشم
تأسّوا فسنّوا للكرام التأسّيا”
فمضى جسداً
وبقي موقفاً
وهناك، في الحجاز،
عبد الله بن الزبير،
بلغه الخبر فقال:
إنّا والله لا نموت حتف أنوفنا..
كما يموت بنو العاص
و إنما نموت قعساً بالرماح
و قتلاً تحت ظلال السيوف
ثم حوصرت مكة،
وضُربت الكعبة بالمنجنيق.
ضعفت نفس عبد الله لحظة.
ذهب إلى أمه.
قال:
يا أماه، أخاف أن يمثّلوا بي بعد قتلي.
فقالت،
ببساطةٍ لا يفهمها إلا من فهم الحياة:
“يا بني، إن الشاة لا يضرها السلخ بعد الذبح”
فعاد.
وقف،
وقال:
و لن ألين لغير الحق أسأله
حتى يلين لضرس الماضغ الحجر.
ثم خاطب أصحابه:
لا تسألوا عني… فإني في الرعيل الأول.
وانطلق.
هذه ليست قصصاً،
بل سلسلة.
هذه السلسلة لم تنقطع،
وهذه الخصلة لم تضعف
بانقطاع الوحي،
ولا بتوقف الاتصال المباشر بين السماء والأرض.
لم تنتهِ بوفاة الرسول،
ولا باستشهاد علي بن أبي طالب،
بل استُودعت سرًّا
في نسل فاطمة الزهراء أولًا،
لتتجلّى ثانيةً يوم كربلاء.
ثم لم تبقَ حكراً على بيت،
بل انتشرت روحاً وعقيدةً
في آل محمد،
و أحباب آل محمد
و اليوم،
يقف أبناء الحسين—
وأحباب الحسين—
في ساحات متعددة،
من إيران إلى لبنان،
إلى العراق،
إلى اليمن،
إلى مصر
إلى كل أرضٍ لا تزال تعرف معنى الكرامة.
يقفون،
وهم يعلمون أن خصمهم قوي.
يهددهم بالموت؟
وما الموت،
—في ميزانهم—
إلا ارتقاءٌ!
وهكذا تبقى الشعلة.
شعلةٌ أشعلها الحسين،
و جده و أبوه
ولم تنطفئ.
تمرّ عبر القرون،
وتتبدّل الوجوه،
لكن المعنى واحد:
أن الإنسان،
حين يُدفع إلى أقصى حدوده،
قد يخسر حياته…
لكنه يربح نفسه.
هيهات منّا الذلة.
ليست شعارًا،
بل قرارٌ.
قرارٌ يُتخذ مرة،
ثم يكتبُ التاريخ ما بعده